الإنسان في مفهوم النظام المصري

بقلم ياسر عبد العزيز

 

(وجهت الدكتورة غادة والي وزيرة التضامن الاجتماعي، بصرف 10 آلاف جنيه لكل متوفٍ في حادث مستشفى ديرب نجم بالشرقية، والذي أسفر عن وفاة 3 حالات بوحدة الغسيل الكلوي)، خبر تناقلته الصحف المصرية في ديسمبر الماضي كإنجاز لوزيرة التضامن الاجتماعي في تعاملها مع كارثة وفاة ثلاثة مواطنين وإصابة 13 في ديرب نجم بمحافظة الشرقية، وللمفارقة فإن الحمار يباع في الأسواق الشعبية في أرياف مصر بأكثر مما يعوض به الإنسان من قبل الحكومة.

تعامل حكومة الانقلاب مع النفس البشرية بهذا الهوان، قد يفسر ارتياح مساعد وزير الداخلية السابق اللواء فاروق المقرحي وحمده للهعلى أن الضحايا في الحافلة السياحية التي تم استهدافها خلال ديسمبر الماضي والتي أوقعت ثلاثة قتلى من الجنسية الفيتنامية، حيث ان فيتنام ليست دولة كبيرة، ولا تملك أوراق يمكن ان تعاقب بها النظام، فلو كان الضحايا امريكيين أو أوروبيين أو صهاينة، لكان الوضع مختلف.

هذا المنطق الوضيع الذي يتعامل به النظام وقياداته مع الإنسان يبين قدر الانحطاط الاخلاقي الذي يحكم مبادئهم ويسيطر على تفكيرهم، هذا التفكير ليس ببعيد عن الفكر العسكري الذي تربى عليه الجاثمون على صدر الوطن منذ 1952، فالعسكري مقبول عنده جدا في العمليات العسكرية أو حتى التدريب ان تكون هناك خسائر من 3 إلى 5%، فهذه العقلية لا تفهم ماذا تعني الروح البشرية، فالإنسان لدى هذه الفئة من البشر مجرد رقم أو قوة يمكن استخدامها لتحقيق هدف معين، أما كون الإنسانغاية وهدف في حد ذاته يجب العمل على الحفاظ عليه وتوفير كل السبل لضمان سلامته وصولا إلى الرفاه فهذا أبعد ما يكون عن عقلية العسكر.

والدة الصحفي الإيطالي الذي قتل على يد قوات الأمن المصرية، جوليني ريجيني قالت قولتها الشهيرة: (قتلوه وكأنه مصري)، لقد فطنت السيدة كيف يفكر النظام في مصر؛ فسوابقه كثيرة في قتل الأبرياء والمعارضين، ولا يتسع مقال لسردها.

منذ عام 1954 بدأ يشكل عبد الناصر خطا يبتعد به كثيرا عن من دعمه لإنجاح (الثورة) وبعد ان عقد اتفاقا مع الانجليز في أكتوبر بدأ الخلاف بين ناصر والإخوان، وبينه وبين الشيوعيين،واعتقل عبد الناصر الآلاف من أعضاء تلك الجماعة؛ فلاقوا صنوف التنكيل والتعذيب، وعقدت لهم محاكمات صورية، انتهت بإعدام عدد من رموز التيار الإسلامي، مثل: عبد القادر عودة، ومحمد فرغلي، وسيد قطب، ليتحول إلى أصنافأخرى للمعارضين شملت الشيوعيين، وامتدت إلى النقابات المختلفة؛ فقد تم حلّ مجلس نقابة المحامين في ديسمبر 1954، ثم تلتها نقابة الصحفيين في عام1955، ليقضي المئات في السجون تحت التعذيب البشع والذي لم يفرق في قمعه بين الأيدولوجيات.

فكرة تصفية المعارضين ليست قاصرة على المعارضة السياسية، بل طالت أيضا من يخالف الرئيس في الرأي أو حتى لمجرد تصاعد شعبيته، ولازالت حادثة سقوط أو إسقاط طائرة المشير أحمد بدوي عام 1981 عالقة في الأذهان، فبدوي أحد أبطال أكتوبر مقبول شعبيا بشكل كبير ويخشى من تصاعد تلك الشعبية في وقت كانت شعبية السادات تتراجع بعد عقد اتفاقية كامب ديفيد.

في عهد مبارك كانت التصفيات هي السمة المميزة لتعامله أمنيا مع المعارضين، فبحجة الإرهاب قضى الآلاف من المعارضين في مزارع القصب في الصعيد، لكن هذه الاستراتيجية التي انتهجها مبارك طالت حتى شركاؤه في السلطة لمجرد اختلاف وجهات النظر، دخل الدكتور رفعت المحجوب في مواجهة ساخنة في فبراير 1988 ضد أبرز مؤيديسياسة الخصخصة وقتذاك وزير السياحة فؤاد سلطان الذي طالب بهدم وبيع فندق سان ستيفانو بالإسكندرية، ورد عليه الدكتور رفعت المحجوب قائلاً: (اليوم سوف نسمح ببيع الفنادق. وغدا نسمح ببيع المصانع والشركات والمستشفيات)، وكان المحجوب ينتمي لتيار يقاوم الاقتصاد الحر، يعلن رفضه في كل مناسبة لتصفية القطاع العام أو إلغاء مجانية التعليم، فكانت واقعة اغتياله في أكتوبر 1990.

بحسب منظمة العفو الدولية فإن المجلس العسكري الذي حكم مصر بعد الإطاحة بمبارك قد استخدام أساليب وحشية تفوق في بعض الأحيان تلك المعهودة في نظام سلفه مبارك، فلقد كان القتل على الهواء مباشرة دون حرج أو خشية من محاسبة حتى دولية، فلقد شهدت هذه الفترة قتل كل من يعارض المجلس أو حتى ينتمي للثورة، التي كانوا رافضين لها.

ليأتي السيسي بعد انقلاب الثالث من يوليو ليقوم بأكبر مجزرة عرفها القرن الحالي ضد متظاهرين سلميين في فض اعتصام رابعة وتبع تلك المجزرة منهجية للتخلص من المعارضين كان أخرها قتل أربعين مواطنا بدم بارد في أخر ساعات العام المنصرم، وسيستمر القتل ما دامت سياسة العسكر المستهينة بالإنسان وروحه التي حرمتها الشرائع السماوية، لكن في النهاية هكذا يحكم العسكر وهكذا ينظرون للإنسان.