حول دعوة البرادعي للحوار

قطب العربي

استهل الدكتور محمد البرادعي رئيس هيئة الطاقة الذرية الدولية الأسبق والحائزعلى نوبل للسلام العام الجديد بدعوة للحوار بين القوى والتيارات السياسية المصرية حول القضايا محل الخلاف بينها، والتي تسببت في حالة الاستقطاب السياسي عقب ثورة 25 يناير وكانت أحد الأسباب التي مهدت للإنقلاب على التجربة الديمقراطية الوليدة، تساءل البرادعي في أولى تغريدات العام “هل من أمل مع بداية العام الجديد أن يكون تبادل الرأى على منصات التواصل وسيلة لفهم بعضنا البعض دون كذب أو شيطنة أو تخوين أو لغة هابطة أو ذباب؟ هل من أمل أن ندرك أنه محكوم علينا العيش معاً وأن لا أحد يحتكر الحقيقة وحده؟ هل حان الوقت أن ننظر الى المستقبل وأن لا نقبع أسرى للماضي؟)

تفاعل مع تغريدة البرادعي كثيرون من النشطاء والرموز السياسية والحقوقية مثل الدكتور طارق الزمر والحقوقي بهي الدين حسن، والحقوقية نيفين ملك، ورجل الأعمال حسن هيكل، لكن الاشتباك الأهم والذي تفاعل معه البرادعي كان للدكتور محمد محسوب وزير الشئون القانونية الاسبق بحكم ما يمثله من تموضع سياسي بين صفوف الرافضين للانقلاب،  وقد رد محسوب على الرادعي  بأنه “يمكن ان يكون ٢٠١٩ بداية تغيير للافضل.. بشرط أن نكون معا.. نتعلم مما مضى ولا نجعله سببا لفرقتنا.. فلم تولد بعد الدكتاتورية التي تكسر شعبا موحدا حول هدف واحد.).

ولم يتأخر البرادعي في الرد على د محسوب حيث أوضح أن نقطة البداية لأي توافق هى الاتفاق التفصيلى على أرض الواقع على مفهوم حرية العقيدة و مفهوم المساواة بين المواطنين؛ أمور أساسية في مجال الحقوق والواجبات دائماً ما نتجنب مواجهتها) وهو ما أيده محسوب بشكل عام قائلا ( لا غنى لأ ي شعب عن وثيقة تترجم آماله، وتضع صيغة لتعايش مكوناته متساويين في الحقوق والواجبات.. التمييز واضطهاد المخالف في الرأي أو العقيدة جزء من ميراث الاستبداد الذي علينا هزيمته.. مواجهة هذه التركة الثقيلة بشجاعة سيكون تصحيحا للماضي وتأسيسا لمستقبل يجمعنا ويفتخر به أبناؤنا.)

أشعر ان التغريدات تختلف إلى حد ما هذه المرة عن تغريدات البرادعي السابقة التي كانت تميل دوما إلى العموميات، وإلى إطلاق تغريدته ثم الخلود إلى الراحة، أو الإنصراف إلى مشاغله الأخرى، لكنني ورغم أنني مع الحوار إلا أنني لا أطمئن تماما إلى إستمرار البرادعي في الحوار الجدي، أو قبوله للحوار المباشر وجها لوجه حيث يقيم الرجل حول نفسه أسوارا تمنع الوصول إليه حتى لأقرب الأصدقاء، وأعرف أن كثيرين حاولوا الوصول إليه لحثه على المشاركة في جهود إنقاذ مصر من حكم عسكري شارك هو  شخصيا في التمهيد والتسويق له، وقبل أن يتولى منصبا ديكوريا فيه (نائب رئيس جمهورية) قبل أن يستقيل من هذا المنصب لاحقا عقب فض اعتصام رابعة، وما يغزي هذه المشاعر هو تركيز البرادعي في دعوته لأن يكون الحوار عبر صفحات التواصل الاجتماعي وليس عبر طاولة تجمع المختلفين الراغبين في التفاهم حول مستقبل الوطن.

ربما يعتقد البرادعي أن الحوار عبر “تويتر” هو حوار آمن يجنبه إحراجات قد يتعرض لها عبر الحوار المباشر، ويشعره أنه يمتلك ناصية الحوار عبر حذف من لا تعجبه ردوده كما فعل مع الآلاف فعلا( اعترف هو شخصيا بحذف ٣٩،٣٧٤ موضحا ان هذا العدد يمثل نصف فى المئة من متابعيه) وهو مايعتقد انه سيفتقده في الحوار المباشر.

يحتاج البرادعي أن يتحلى بالشجاعة الكافية للدخول في حوار جدي ومباشر حول القضايا التي طرحها في تغريداته وغيرها من القضايا التي تمثل الإجابة عليها عقدا وطنيا جديدا ومقبولا من كل مكونات الوطن، ويحتاج البرادعي لشجاعة الإعتذار عن خطيئته بدعم الإنقلاب العسكري قبل أن يطالب غيره بالإعتذار عن أخطاء الممارسة السياسية، أو ليقر الجميع ممن شاركوا في الحالة الثورية وفي الحالة السياسية التالية لها( إسلاميين وليبراليين ويساريين)  بارتكابهم أخطاء بحق الثورة والوطن، مع التعهد بتجنبها مستقبلا.

القضايا التي طرح البرادعي بعضها للحوار  مثل حرية العقيدة والمساواة بين المواطنين هي قضايا مهمة لكنها ليست كل شيء، فهناك العديد من القضايا الأخرى التي تحتاج نقاشا وطنيا جادا مثل شكل الدولة المدنية التي نريدها، واحترام الإرادة الشعبية أيا كانت نتيجتها، وتجريم الإنقلابات العسكرية على أي حكم مدني منتخب، وقضايا العدالة الانتقالية، واحترام المقدسات الإسلامية والمسيحية،، والحفاظ على التراب والثروات الوطنية، والتوزيع العادل للثروة، والاستقلال الحقيقي للقضاء، والإعلام، ومؤسسات الدولة الأخرى إلخ.

الحوار حول القضايا الخلافية التي أحدثت شقاقا بين القوى السياسية من قبل أمر ضروري، والوصول إلى عقد وطني جديد ينبثق منه مشروع سياسي تشاركي لإنقاذ مصر من الحكم العسكري هو واجب الوقت، وكخطوة أولى وعلى سبيل التسخين وإثبات حسن النية، والرغبة الحقيقية في الإنقاذ فإن أمام البرادعي معركة عاجلة لوقف تعديل دستور السيسي لتمديد اغتصابه للسلطة لفترات أخرى، والتمهيد للتخلي عن مزيد من الأراضي المصرية وفاء لما يسمى صفقة القرن،  فهذا الدستور تمت صياغته حين كان البرادعي نائبا للمؤقت عدلي منصور، وقد ساهم هو شخصيا في الترويج والتسويق له، ولا ننسى أنه أطلق اسم الدستور على الحزب الذي أسسه بعد ثورة يناير، والمطلوب منه الآن قيادة القوى المدنية في معركة وقف التعديلات المرتقبة، وإذا نجح في هذذه المعركة فإن الطريق سيصبح ممهدا للنجاح في المعركة الأكبر لبناء توافق وطني جديد ينقذ مصر من الحكم التسلطي العسكري الغاشم وينقلها إلى الحكم المدني الرشيد.