عن لحظة الحقيقة ورهانات المستقبل

بقلم د.حازم حسني

 

أتعرض كغيرى، بين الحين والحين، لهجوم مغرض من جانب بعض المتابعين لما أنشر من رسائل وتغريدات، وقد يبدو غريباً للوهلة الأولى أن تأتينى الإساءة من هؤلاء الراغبين فى إحداث التغيير، لا من أولئك الذين لا يرغبون فيه ! غير أن بعض التفكير فى الأسباب الخفية لمثل هذا التناقض قد يكشف المنطق الغائب وراء الظاهر من تفاصيله؛ فأنا لم أعد أراهن على الأسباب التى تدعو لرحيل مبكر للنظام، وهى كثيرة إن نحن كنا نحصيها فى ظروف طبيعية ! … لكن، لأن لا شئ فى المشهد السياسى المصرى يمكن وصفه بأنه طبيعى، فإنه لا يوجد فيما هو حاضر من أسباب ترحيل النظام ما يغرينى بالرهان على رحيله المبكر، رغم رغبتى كأكثر المصريين فى هذا الرحيل، ورغم إيمانى المطلق بأن النظام سيرحل حتماً بعد أن تكتمل “إيماضة خموده”، حسب التعبير الذى نحته ابن خلدون فى مقدمته عن علامات انقضاء الأجل؛ وها نحن نشهد بالفعل إيماضة خمود النظام – وإن لم تكتمل – وهى تزداد توهجاً مع كل افتتاح جديد لفندق أو جامع أو كنيسة فى وديانٍ غير ذات زرع عند قصره المحرم، مما تهفو إليه أفئدة حجيجه الذين يُسَبِّحون بحمده !!

 

أسباب موضوعية هى التى تجعلنى لا أراهن على احتمالية رحيل هذا النظام مبكراً، وإلا ففيم نحتاج العقل إن لم يكن العقل عاقلاً لرهاناتنا المنفلتة من كل عقال؟! … فعلى رأس سنة جديدة نستقبلها، لابد لكل ذى عقل أن يراجع دروس السنة – أو هى دروس كل السنين – التى لملمت أشياءها ورحلت عنا، وإن كانت قد تركت فينا مآسيها، وكشفت أمام بصائرنا جل مآسينا ! … وجود هذا النظام بكل ما فيه من تشوهات هو مجرد تفاصيل لا يجوز أن تلهينا عن أعماق المشكلة المصرية التى تحتاج معالجتها لثورة حقيقية : على مستوى تفعيل العقل، وعلى مستوى تشكيل الضمير الحضارى، لا على مستوى الحناجر والأقدام فى الشوارع والميادين !

 

بعد مراجعة كل دروس الماضى القريب، بل وربما معها أيضاً بعض دروس الماضى البعيد، صرت لا أقرأ قضية مصر فى ملف نظام الحكم وحده، بل صرت أقرأها أيضاً فى ملفات كثيرة تتزاحم على أرفف أخرى من أرفف واقعنا المتداعى؛ وهو واقع لا يتداعى بفعل مؤامرات الخارج كما يشيع النظام، ولا بفعل أمراض القمة المتحللة كما تشيع المعارضة، بقدر ما يتداعى هذا الواقع بفعل مؤامرات الداخل على نفسه، وبفعل أمراض القاعدة التى لا تقل خطراً على وجودية الدولة، بل وعلى وجودية الأمة، من خطر وجود واستمرار النظام القابع فوق القمة، وإن كنت – مرة أخرى – لا أشك لحظةً واحدة فى أفول نجم هذا النظام – ولو بعد حين – بفعل سنن التاريخ فى تفاعلها مع سنن واقع مهترئ لا تحقق لهذا الواقع أسباب البقاء !

 

على ماذا أراهن إذن إن لم أكن أراهن على رحيل مبكر لهذا النظام القابع فوق القمة، ولا على ثورة يقوم بها الشارع المصرى على غرار ثورته المجهَضة التى تقترب منا ذكراها الثامنة على بُعد نحو ثلاثة أو أربعة أسابيع؟ رهانى فى الحقيقة هو على ما يثق النظام من جانبه فى أنه لن يحدث أبداً، أعنى أن نصل جميعاً إلى لحظة الحقيقة التى ينطفئ عندها “الذُّبال المشتعل”، حسب التعبير الخلدونى؛ وهى اللحظة التى يثق النظام فى قدرته على إرجائها إلى أجل غير مسمى، مستعيناً بهذه الأنوار المتلألئة التى يجدد النظام بها شبابه كلما شاخ ولو خصماً من طاقة الحياة التى يحتاجها المستقبل … فلا أحد – لا من أركان الحكم، ولا من قواعد المحكومين – عاد يأبه بهذا المستقبل، وإنما هو عند أكثر المصريين مجرد حاضر متجدد : يُسكِر فريقاً، ويُسكِت آخر !

 

كانت لحظة حقيقة النظام قد جاءت بالفعل بعد عامين من تدشين حكمه، على ما كان قد وعد به المصريين من قبل وهو يقدم نفسه لهم باعتباره منقذاً للبلاد من أهل الشر، ومبشراً بنقلة غير مسبوقة فى مستويات معيشتهم لن تستغرق أكثر من عامين ! … مضى العامان وعربة الوطن والدولة تعود إلى الخلف، وبدلاً من الوقوف أمام لحظة الحقيقة وقتها أرجأ النظام توقيتها ستة أشهر أخرى، ووجد ما يبرر به هذا الإرجاء، فصناعة المبررات حاضرة وإن لم يلحظ أحد أنها قد تحولت إلى صناعة ! … ثم عاد فأرجأ لحظة الحقيقة سنة بعد انقضاء الشهور الستة، ثم أرجأها مرة أخرى إلى نهاية ولايته الأولى، ثم – بدعوى ضرورة استكمال المشاريع الكبرى التى ستأتينا بالخير – قام النظام بإرجاء لحظة الحقيقة لعامين إضافيين، وربما يمتد الأمل بنا بعد ذلك إلى 2030 أو حتى إلى ما بعدها !

 

هكذا يعمل النظام على أن لا تأتى لحظة الحقيقة أبداً، وعلى أن يستمر فى مسعاه لتأجيل هذه اللحظة بلا أى سقف زمنى، طالما كان يثق فى قدرته على استيلاد الأمل فى الغد الذى لن يأتى أبداً، وطالما كانت فئات من الشعب المصرى مستسلمة لهذا الأمل الكاذب، ومؤمنة بأن هذه المشاريع الكبرى – التى تستنزف كل قدرات الدولة، وتسحب كل أسباب الحياة من المستقبل – سوف تأتى يوماً ما بالخير الذى ينتظره الجميع !

 

هذا هو الخطأ القاتل الذى يقع فيه النظام، أعنى اعتقاده فى قدرة “ذُبال مصباحه” على مداومة الاشتعال إلى ما لا نهاية، غير آبه بقوانين الطبيعة التى ستأتى حتماً بلحظة الحقيقة بعد أن يستنفد المصباح باشتعاله المجنون كل ما فيه من زيت السراج ! فلا أحد عبر التاريخ استطاع أن يرجئ لحظة الحقيقة إلى ما لا نهاية، بل كلما تم إرجاؤها جاء حكمها أكثر قسوة على الجميع، وبقدر ما تتأخر بقدر ما تتعدد أبعاد الأزمة وتتعقد خيوطها، ومن ثَمَّ يكون ثمن الوصول إليها فادحاً !

 

هل تبين لكم الآن لماذا لم أعد متحمساً لفكرة الرهان على الرحيل المبكر للنظام باعتباره سبيلاً لحلحلة القضية المصرية؟ ببساطة، لأن الأجنة لا تخرج من أرحام أمهاتها قبل موعدها إلا ميتة! وموعد الولادة المنتظر لا يخضع لرغبات الأهل، بل لشروط الولادة الموضوعية؛ فما لحظة الميلاد إلا لحظة الحقيقة التى تنتهى عندها آلام الحمل ! … قد تنتهى هذه الآلام غداً، أو بعد غد، أو ربما بعد شهور أو سنين؛ لكنها لن تنتهى – أياً كان موعد انتهائها – إلا بشروطها الموضوعية، لا بشروطنا نحن الذاتية كما يعتقد بعض المغامرين أو كل المتهورين !

 

مجئ لحظة الحقيقة هذه، التى لا يمكن للنظام بأى حيلة من حيله أن يرجئها، هو الشرط الضرورى لرحيل النظام، لكنه – للأسف – ليس شرطاً كافياً لمجئ نظام أفضل، اللهم إلا إذا كان المُطالِب بالحكم من بعده جديراً به، قادراً عليه؛ ولن يكون المُطالِب جديراً بأن يكون البديل المنتظر إلا بامتلاكه عقل رجل الدولة، وضميراً حضارياً يليق برجل الدولة، وإرادة تسمح له بالحصول على ما يطالب به … فهل وصلنا للحظة الحقيقة هذه التى لا يمكن إرجاؤها، أم أن النظام مازال يملك من الحيل ما يرجئ به مجيئها؟! وهل ظهر رجل الدولة المُطالِب هذا، ذو مواصفات العقل والإرادة والضمير الحضارى القادرة على تغيير حياتنا للأفضل، أم أن الأيام مازالت تضن به علينا، وتربأ به أن يتورط فى واقعنا هذا الذى نحن عليه بما فيه من بؤس فى آليات الفهم والفرز والاختيار؟!!

 

حضر المُطالِب أو لم يحضر، وتقدم الموعد أو تأخر، فإن لحظة الحقيقة ستأتى حتماً حين تكتمل شروط مجيئها، وسينطفئ عندها نور السراج ليجد النظام نفسه فى النهاية عاجزاً عن فعل أى شئ يمنع كارثة انقضاء الأجل، ولا هو سيملك وقتها من أمر أجله الذاهب شيئاً ! … بيد أن الكارثة الحقيقية بالنسبة لى ليست كارثة انقضاء أجل النظام، فهى كارثة لن يعانى منها إلا أرباب النظام وإلا حواريوه؛ وإنما الكارثة الحقيقية عندى هى كارثة أن تأتى سنن التاريخ بلحظة الحقيقة ومصر لا تملك من أمرها شيئاً، أو أن تأتى هذه اللحظة ولا مُطالِب يمسك بقيادها عن جدارة واستحقاق، أو أن تأتى ولا أحد فينا يدرك أنها لحظة ميلاد جديد للأمة، لا لحظة ترميم لوجودها المريض الذاهب مع ذهاب النظام؛ فلو حدث شئ من هذا ستكون لحظة الحقيقة هى لحظة الموت لا لحظة تجدد الحياة !!

 

ما أعبر عنه إذن فيما أكتب هذه الأيام هو استدعاء لمقومات بقاء “الأمة المصرية” وتجدد حياتها بعد مجئ لحظة الحقيقة المرجأة، كما هو استدعاء لمقومات بقاء “الدولة المصرية” باعتبارها التعبير المؤسسى عن الإرادة السياسية للأمة المصرية الباقية، لا باعتبارها التعبير السلطوى عن الإرادة الاستبدادية للنظام الذاهب زمانه ! … ما أكتب الآن لا شأن له بمرحلة ما قبل لحظة الحقيقة التى لا ريب فيها وإن أُرجِئت لشهور أو لسنوات، وإنما هو محاولة لاستشراف كيف سيكون تعاملنا مع ما يليها؛ فما قبل هذه اللحظة هو تفاصيل مرحلة ذاهبة … مجرد تفاصيل، لا خير يرجى من إغراق أنفسنا فيها، ولا أمل فى تبديد الجهد والطاقة فى علاج مفاسدها أو فى التناطح مع رؤوس كباشها !

 

لا يعنى هذا بطبيعة الأحوال أن شيئاً مما أكتب سيأتى بلحظة الحقيقة عنوة خارج سياقها الموضوعى، ولا أنه سيأتى بها فى غير موعدها، ولا أن ما سيكون بعد لحظة الحقيقة هذه سيأتى على صورة ما أعبر عنه من أفكار، بل هو سيأتى بالضرورة موافقاً لتوازنات القوى على الأرض؛ وما أرجو بما أكتب إلا أن يكون لهذه القوى وقتها نصيب من الحكمة، ومن القدرة على فرز ما هو إيجابى وما هو سلبى فى سلة ما أطرحه وما يطرحه غيرى من أفكار تتلاقح مع بعضها البعض !

 

أما النظام فهو لا يتحسب لمجئ لحظة الحقيقة أصلاً، ولا هو يخشى بأسها أو يأبه بما وراءها، بل هو سيبقى مكتفياً برؤية حاضره ممتداً إلى ما لا نهاية، ومطمئناً لبصيرة صاحب السلطان التى يُسَبِّح بحمدها حواريوه ليل نهار؛ فلا عقل لمثل هذا النظام يمكنه فهم سنن التاريخ، ولا حكمة عنده يمكنها إدراك قوانين النهاية !

 

الأمر مختلف بالنسبة لبعض التيارات المنتسبة للجانب الآخر الذى يواجه النظام، فهو يستعجل برعونة لا يُحسَد عليها مجئ لحظة الحقيقة ولو خارج سياقها الموضوعى، ويتصور أنه قادر على المجئ بها عنوة فى غير موعدها؛ مندفعاً بغير حسابات، وبغير أى عقل تاريخى، وأعنى بهذا الأخير العقل القادر على صناعة التاريخ لا القادر فقط على مجرد اجتراره ! … أما أخطر أوهام بعض هذا الجانب الآخر فهى ما يعتقده بعض أصحابه من أن انقضاء أجل النظام سيُمَكِّنهم وحدهم من احتلال مشهد ما بعد لحظة الحقيقة، وأن المستقبل سيكون على صورتهم؛ ومن ثَمَّ فهم لا يقبلون من الأفكار ما ينازع أطروحاتهم حتى وإن كان قد ثبت على أرض الواقع أنها أطروحات لا تلد إلا أجنة مجهَضة !

 

هذا للأسف هو المنطق المفقود الذى يحكم اليوم أكثر أطروحات التغيير فى مصر : فهى تقترح تصورات للمستقبل لا تعدو كونها بكائيات على ما كانته تجارب الماضى، وهى تصورات لا تختلف بدورها كثيراً عن تصورات أنصار النظام الذين لا يرون المستقبل إلا امتداداً طبيعياً لحاضره المستمر بلا نهاية ! … كلاهما يغفل عن سنن التاريخ : فلا حاضر يستمر إلى ما لا نهاية، ولا عجلة التاريخ تعود أبداً إلى الوراء !

 

عندما تواجه أى أمة تحديات وجودية، كتلك التى تواجهها الأمة المصرية، فإنها قد تبحث فيما حولها، وفيما خلفته وراءها، عن أسباب الحياة التى تناسب مستقبلاً وليداً تتوافق كيمياء بنيته الموضوعية مع كيمياء بنية الزمن الذى تجدد فيه الأمة شبابها؛ فلا هو يرث هذا المستقبل أعراض الشيخوخة مما مضى من تاريخ الأمة، ولا هو يستنسخ ما حوله من عناصر حيوات أخرى قد لا تناسب البيئة التى يولد فيها هذا المستقبل ! … قد يأخذ مستقبل الأمة الوليد بعض أسباب الحياة من بذور تركها وراءه ماضيها الذى ذهب، لكنه لا يستنسخ أبداً ما شاخ من أشجار هذا الماضى؛ وقد يأخذ هذا المستقبل الوليد بعض أسباب الحياة من تلاقحه مع ما حوله، لكنه لا يستنسخ بالضرورة ما حوله من أشجار الآخرين !

 

خضت فى هذا الحديث، وربما أكون قد أسهبت فيه، تمهيداً للإجابة عن أسئلة وتحديات ما بعد لحظة الحقيقة، ولو على طريقة مونتسكيو بقطع فسيفساء متفرقة لا تصنع أى منها وحدها صورة المستقبل ! … هى إذن رسالتى فى بداية عام جديد أؤسس بها لما يليها، آملاً فى أن ينصرف عن متابعتى لاحقاً من لا توافق ثقافته جوهر ما جاء فيها، وأن يستمر فى المتابعة فقط من توافق الرسالة ذائقته الذهنية؛ فلا أنا أريد أن أثقل على غيرى بما يرهقه، ولا أنا بحاجة لمزيد من تشتيت الأفكار خارج الملعب ! … بيد أننى أثق فى أن كتائب التشتيت لن تأبه بما أريد، ولا بما لست بحاجة إليه؛ فلهؤلاء إذن أن يمارسوا وظيفتهم المعتادة كما اعتادوا عليها، طالما فهموا أن الحياة يوازن فيها الناس بعضهم بعضاً، وأن من سيشتت الكرة خارج الملعب سيجد فى مقابله من يعيدها إلى الملعب، ربما بقوة لن ترضيه، ولا هى سترضى من يرومون إرجاء لحظة الحقيقة أو تشويه رهانات المستقبل !

(نقلا عن صفحته)