الهوية الوطنية والدين في ثورة 1919

أنور الهواري

 

عندنا تصورات رومانسية عن مصر قبل مائة عام ، أي في سنوات ثورة ١٩١٩م وماقبلها ومابعدها من سنوات .

بعض هذه التصورات صحيح ، وبعضها ليس له أساس من الواقع .

الصحيح من هذه التصورات أن ثورة ١٩١٩م تمثل بلورة مثالية لفكرتين :

الاولي : فكرة الهوية الوطنية والانتماء القومي ، فقد أصبح واضحاً إن المصريين ممثلين في نخبتهم قد اختاروا مصر دون سواها من الروابط التي كانت تتنازع عليها مثل الخلافة الاسلامية أو الامبراطورية البريطانية . في اختلاف ظاهر عن مشروعي مصطفي كامل والثورة العرابية الذين كانا يندرجان تحت ولاء مصر للدولة العثمانية . وكذلك في اختلاف ظاهر مع ثورة ٢٣ يوليو والمشروع الناصري الذي ربط مصر بالقومية العربية .

الثانية : فكرة فصل الدين عن السياسة ، تستوي في ذلك كافة الأحزاب ، بِمَا فيها حزب الوفد ، وما انشق عنه من أحزاب ، وما صنعه الملك والانجليز من أحزاب ، واستمر ذلك حتي ظهرت جماعة الاخوان وحركة مصر الفتاة وكلتاهما خلطة من الدين والفاشية .

أما غير الصحيح من هذه التصورات الرومانسية فهو واسع جداً ، ويغطي كافة مجالات الحياة ، فليس صحيحاً أن مصر كانت أفضل مما هي عليه الان ، والعكس صحيح تماماً ، فمصر الان أفضل مليون مرة مما كانت عليه إبان ثورة ١٩١٩م وما قبلها وما بعدها من سنوات .

كانت مصر مختزلة في أمراء الاسرة العلوية ، والإدارة الانجليزية ، والأقليات الأجنبية ، ثم كبار الملاك المقيمين في المدن ، ثم متوسطي الملاك من الأعيان والعمد المقيمين في الريف ، ثم عشرات الألاف من الطبقة الوسطي المدينية من موظفين وأصحاب مهن حرة ، ثم عشرات الألاف من عمال الصناعات الوليدة وكلها تتبع الرأسمالية الأجنبية ، ثم باقي ال ١٣ مليون مصري يعيشون كما كان يعيش آباؤهم وأجدادهم في العصور الوسيطة وما قبل العصور الوسيطة .

( مصر تقدمت من ١٩١٩م الي ٢٠١٩ مالم تتقدم بمثله منذ سقطت في يد الفرس ٥٠٠ قبل الميلاد ، وهذا لا ينفي حجم المشكلات والتحديات التي تواجه مصر هذه اللحظة ).

(نقلا عن صفحته)