شهادة مبارك ومحاكمة القرن

بقلم ياسر عبد العزيز

 

واثق الخطوة يمشي ملكا دخل المخلوع ليحاكم ثورة يناير، بعد أن تمكنت خططه التي قادها المجلس العسكري بلمسات المخابرات الأمريكية الصهيونية من التغلب على أعظم ثورة شعبية عرفها العصر الحديث، في موقعة ليست بالأخيرة، فالمعركة مستمرة والثورة لم تمت، والدليل أن الحراك باقٍ رغم ست سنوات من الخداع والتدليس والقمع والاعتقالات والتعذيب وإخفاء الثوار وقتلهم.

صاحب الأعوام التسعين ذهب إلى المحكمة مصطحبا نجليه في مشهد أرادت به سيدة القصر ومسيّرة حكم مصر القيادية في المحفل الصهيوني، أن ترد اعتبار العائلة الحاكمة بعد سنوات اضطروا فيها للانحناء للعاصفة للخروج بأقل الخسائر، وقد أفلحت بالفعل بمساعدة دول الخليج التي ساهمت بشكل كبير بالتنسيق مع الصهاينة في محاولات وأد حلم شعب كبير وعظيم ومؤثر كالشعب المصري، هذا ظنهم، ولنا في الأمر رأي.

يحكى أن مجموعة من اللصوص في مدينة صينية، وضعوا خطة محكمة لسرقة أحد البنوك وبدأوا بالفعل في تنفيذها، وبمجرد أن تمكن اللصوص من الدخول إلى البنك، صرخ أحدهم موجهاً الكلام إلى الأشخاص الموجودين داخل البنك: (لا تتحركوا، المال ملك الدولة، لكن حياتكم ملك لكم، فلا تقاوموا فيمسكم أذى، فاستخدم اللص بذكاء مفهوم تغيير التفكير لتحييد أصحاب المال في جريمة سرقة مالهم، بعد أن نجح اللصوص في اتمام الجريمة، قال أصغرهم لزعيمهم هيا نعد المال، فقال الزعيم: هذه كمية كبيرة وستأخذ وقتا طويلا لعدها، انتظر وسوف نشاهد الليلة على نشرة الأخبار كم سرقنا، عندما حضرت الشرطة للتحقيق في الواقعة سألت مدير البنك عن كمية الأموال المسروقة، لتستقي الصحف الخبر من رئيس الشرطة، وتنشر في اليوم التالي أن البنك تعرض لسرقة 100 مليون دولار، ولما أحصى اللصوص المال وجدوها 20 مليونا فقط، فغضب اللصوص كثيراً قائلين: كيف نغامر بحياتنا من أجل 20 مليون دولار، بينما يحصل مدير البنك على 80 مليون دولار من دون أن تتسخ ملابسه.وقال المودعون: ضاعت مدخراتنا وبات من المستحيل أن تعود، العبرة من القصة، هي أن تكون متعلما بدلا من أن تكون لصا، وأن تقتنص الفرصة بدلا من أن تنجرَّ للمخاطرة.

إن ما أراده مبارك وعياله ومن ورائهم الحية الرقطاء، ومن سهّل لهم المشهد في نظام الانقلاب، من إذلال للثورة ومحاكمة لصانعيها، ولا أعني هنا الرئيس مرسي ولا جماعة الاخوان الذين يحاكمون بتهمة اقتحام السجون إبان الثورة المصرية، بل أعني هنا كل ثوار يناير ومن أيّدها ومن احتفل بها أو آمن بها. إن مشهد مبارك في المحكمة بدءا من مظهر دخوله على قدميه محاطا بحراسة في عزٍّ وأبهة لم تتوقف، إنما هو دليل على الخدعة الكبرى، دليل على أن الكل أخطأ عندما صدق المجلس العسكري أو ارتضى بحكمه، شهادة المخلوع أمام القضاء اليوم إنما هي حلقة في مسلسل هدم الثورات العربية، يخرجه مجموعة فنية محترفة من مخابرات دول الخليج بالتعاون مع الأمريكان والصهاينة. ولننظر لما يحدث في تونس الآن، لنفهم، وما أخذت إليه الثورة الليبية، وما تجر إليه الثورة اليمنية، وتبريد الأوضاع في سوريا جزئيا لصالح بشار. إن هذا المشهد -بعيدا عن الكذب الذي سيودي بهم جميعا لأنه دليل إدانة عليهم جميعا،فهم مسئولون، بالتقصير، عن كل الأحداث التي جرت فيما لو صحت رواية اقتحام السجون- دافع لتوحد قوى ثورة يناير وتصفية قلوبهم، ونبذ خلافاتهم، وترك التلاوم، والنظر أبعد من تقسيم الغنيمة قبل بلوغها، اللصوص سرقوا والمدير غطى جرائمه واختلاساته لكنهما في الجرم سواء. علينا أنلا نكون كمودعي البنك ننذوي جارين أذيال الندم، ونقول أن ثورتنا ضاعت، بل علينا أن نناضل من أجل استعادة ثورتنا المسروقة، وبلدنا المخطوف، ونحاكم هذه الطغمة السارقة في محاكمة ثورية حقيقية ستكون بحق … محاكمة القرن.