بين الكبرياء والكرامة

ياسر راشد

حينما قدمت الى تركيا منذ خمس سنوات وبدأت في البداية ابحث عن وظيفة ،، حدثتني تلك الكبرياء مرة اثناء تقدمي للعمل في احدى الأماكن وقالت لي انت ياسر صاحب الشركة في مصر يستقبلك رؤساء جامعات وتدرب مديري اكبر الشركات تأتي اليوم ليرفضك فندق في العمل معه حتى كريسبشن ! ثم وجدت سريعاً ان تلك الأفكار المنبعثة من الكبرياء لن تذهب بي الا للقعود والجلوس والاستياء دون حركة .. فاستغفرت الله على ذاك التفكير الإبليسي، ولم أتوقف من بعدها عن الحركة في كل مكان حتى أكرمني الله بعد سعيٍ في افضل المناصب ، بل ومن المفارقات اني عملت بعد عدة سنوات مديراً عاماً لإحدى الفنادق!

إن الكِبرياء من الكِبر وهي صفة مذمومة نهى عنها اسلامنا الجميل ، وإن الكرامة من الكرم الذي أوصى به حبيبنا المصطفى ..

فالكبر هو الذي يؤذي صاحبه قبل أن يؤذي من حوله .. ألم تر كيف يخسر الناس أصدقاءهم وأقاربهم وجيرانهم بل وحتى ازواجهم بالشهور والسنين بما يدّعونه من كبرياء ” كبريائي ما تسمحلي!” فتمنعه من ان يعود من يحب او حتى يكلمه او يصافحه حتى وان كان هو المخطئ ! في حين ان النبي وهو خير الخلق كله القائل لمن شتموه وعذبوه وطاردوه ” اذهبوا فأنتم الطلقاء “!

 

منذ فترة كنت مع شخص هو صديق لرؤساء دول ومستشار لحكومات،وذهبنا سوياً ننتظر أحداً على موعد قد أعطاه لنا ،،تأخر هذا الشخص ساعتين كاملتين وانا في قمة الاستياء ! ثم بعد هذا التأخير اعتذر عن الحضور بحجة لم تكن ابدا مقنعة .. تفاجأت بردة فعل من كان معي رغم مستواه الرفيع جداً في انه قال ” لعل المانع خير نلتقي غدا اخي الكريم”.. وأكملنا يومنا وكأن شيئاً لم يكن بل وقابلناه في اليوم التالي بكل حفاوة ولم يلمه حتى على الأمس وتم ما كنا نرجوه على افضل حال ، فهمت ساعتها انه اذا غضبنا لكبرياءنا انهزمنا امام أنفسنا وخسرنا الكثير الكثير.

 

يظن الناس -خطأً- ان الكبرياء قوة، بل هو ضعف وهزيمة نفسية .. ألم تكن أول خطيئة ارتُكبت منذ خلق ادم كانت بسبب كبرياء!! حين قال ابليس مستعلياً أأسجد لمن خلقت من طين!

ان الكبرياء تمنع صاحبها من معالجة أخطاءه وعيوبه لأنها تعميه عن رؤيتها ، يظل مهزوماً أمام نفسه فلا يحسن الاعتذار ولا يحسن ان يسامح أويصافح ولا يعترف حتى انه قد خسر شيئا او شخصاً بل العالم هو الخسران!! فيظل قلبه مذبذب ومتوتر .. ولا يعرف طريقاً لسلامة قلبه المسكين.

وتجعل الكبرياء صاحبها دائماً ما يسئ فهم الكلمات والمواقف فتزيد من ” حساسيته” المفرطة وتكاد ان تعدم مرونته في التعامل مع الأشخاص فتكون ردود افعال لا تحسب عواقبها بل فقط تحسب إشباعاً لتلك الكبر-ياء

 

إن القوة النفسية ليست في الانتصار للنفس بل الانتصار عليها .. ليست في تلبية رغبتها بل في التحكم فيها ..

واذا أردت معرفة اعلى مراتب القوة النفسية ؛

فاستشعر بقلبك وصايا خير الخلق الذي لم يغضب لنفسه قط ؛

قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَكْرَمِ أَخْلاقِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ؟ تَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ , وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ , وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ.

(نقلا عن صفحته)