تسويات 2019..نحو خارطة جديدة

قطب العربي

هاهو العام 2018 يحمل عصاه ويرحل غير مأسوف عليه، وها نحن ننتظر قدوم عام جديد يحمل معه بشائر تسويات لبعض الملفات المعقدة في المنطقة من سوريا إلى ليبيا إلى اليمنن ليعيد تشكيل الخارطة السياسية في المنطقة.

كان قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأحادي بالإنسحاب من سوريا مفاجئا للجميع بمن في ذلك مساعديه المقربين الذين عبروا علنا عن تذمرهم، بل إضطر أبرزهم وهو وزير الدفاع جيمس ماتيس لتقديم استقالته، لكن ترامب مضى في طريقه غير عابئ بهذه الاحتجاجات، معتبرا أن قراره هو الصحيح، وهو للعلم تنفيذ لأحد تعهداته الانتخابية السابقة.

بدا قرار ترامب مربكا للأطراف المختلفة ذات الصلة بالملف السوري في المنطقة، وتباينت التقديرات حول المستفيد والمتضرر منه، فرغم أن الإعلام التركي أوهم متابعيه أن هذا الانسحاب تم بعد اتصال بين الرئيسين أردوغان وترامب، ما يعني أنه كان استجابة لطلب أردوغان، وبالتالي سيكون هو من يحصد النتائج، إلا أن القراءة المتمهلة لا تقنع بهذا التفسير، فصحيح أن الانسحاب هو ضربة مؤلمة للأكرد في شمال سوريا، وهم الذين كانت تنظيماتهم تمثل خطرا ووجعا دائما لتركيا إلا أن الانسحاب الأمريكي لا يعني حلول القوات التركية بشكل أتوماتيكي محله، بل إن القوات الروسية أو الإيرانية أو حتى قوات النظام ربما كانت الأسرع لاحتلال أماكن الجيش الأمريكي المنسحب، وربما وها هو الأهم يتسبب هذا الانسحاب في عودة التوتر للعلاقات التركية الروسية الإيرانية التي نجحت الدول الثلاث في تجنبه خلال الفترة الماضية وإحلال توافق مرحلي على الأقل محله في الملف السوري أنتج مسار أستانة لتسوية الأزمة، والتي كانت أحد تباشيرها هو الاتفاق التركي الروسي  منتصف سبتمبر الماضي على منطقة عازلة بعرض 20 كيلو متر في إدلب وقد دخل الاتفاق حيز النفاذ منتصف أكتوبر الماضي، فيما تستمر مفاوضات أستانا، ويجري الآن الإتفاق على  ترتيبات وضع دستور سوري يؤسس لحكم جديد بمشاركة المعارضة، وغالبا سيشهد العام 2019 خطوات كبيرة في هذا الاتجاه مالم تحدث توترات بشان المناطق الكردية التي ستنسحب منها القوات الأمريكية، وستتضح الصورة تدريجيا عقب الزيارة المرتقبة للرئيس الأمريكي إلى أنقرة بناء على دعوه أردوغان مطلع العام الجديد، حيث أعلن ترامب ثقته في الرئيس أردوغان وقدرته على تطهير ما تبقى من تنظيم داعش في سوريا، وهو ما يعني ضمنا دعمه لحلول القوات التركية محل الأمريكية المنسحبة، لكن العصمة ليست بيد ترامب وأردوغان فقط في هذه المنطقة إذ يتطلب الأمر تسويات مع الجانب الروسي بشكل أساسي والإيراني بشكل فرعي.

أما في اليمن فقد شهدت نهاية العام أول اختراق حقيقي في مجال إنهاء الحرب عبر تسوية سياسية، وذلك في مفاوضات السويد التي رعتها الأمم المتحدة، وشارك فيها وفدان رفيعا المستوى للحكومة اليمنية والحوثيين، وانتهت جولتها الأولى باتفاق حول وقف الحرب في الحديدة وتبادل الأسرى، واستئناف صادرات النفط والغاز، كما تم الاتفاق على عقد جولة جديدة من المفاوضات في يناير المقبل.

ما كان لهذه الخطوة أن تتم لولا الضغوط التي تتعرض لها السعودية التي قادت حربا ضد اليمن منذ مارس 2015 لم تستطع أن تحسمها عسكريا على مدى ثلاث سنوات رغم أنها شكلت تحالفا عسكريا عربيا لهذه المهمة(عاصفة الحزم) وكان الأمير الشاب محمد بن سلمان يتوهم أنها نزهة برية سريعة يعود بعدها مظفرا من اليمن لتولي الملك مباشرة، لكن حظه العاثر أوقعه في شر أعماله باغتيال الكاتب الصحفي جمال خاشقجي، وما جره ذلك من تنديد دولي، أصبح يستهدف رأسه مباشرة، وهو ما نقله إلى حالة الدفاع عن النفس، وعدم القدرة على خوض أكثر من حرب في وقت واحد، فوافق أخيرا على الإعتراف بالحوثيين الذين تصنفهم المملكة “إرهابيين” وقبل تلك التسوية التي تعتبر انتصارا لهم، وهو مرغم على مواصلة السير في جولات التسوية التالية حتى إنهاء الحرب في اليمن تماما، وانسحاب كامل القوات السعودية والإماراتية منها.

من المتوقع أن تشهد ليبيا حلحلة لأزمتها عبر موتمر وطني خلال العام 2019، وهو أحد نتائج لقاء باليرمو بين الفرقاء الليبيين منتصف نوفمبر الماضي برعاية إيطالية، ومن المفترض أن يؤسس هذا المؤتمر -حال انعقاده – لإنتخابات برلمانية جديدة في ليبيا تنهي حالة الإنقسام الحالي، لكن التنافس الفرنسي الإيطالي على النفوذ في ليبيا قد يعرقل جهود التسوية، وكانت إيطاليا قد بادرت بدعوة القيادات الليبية للحوار في باليرمو بعد أن نجحت في إحباط تحركات فرنسية سابقة استهدفت إجراء انتخابات (كان مقررا لها النصف الأول من هذا الشهر (ديسمبر 2018) مع الإنتهاء من صياغة دستور للبلاد، ومن المحتمل أن تتم حلحلة الموقف ليس تجاوبا مع جهود فرنسية أو إيطالية، ولكن وفقا لتفاهمات ليبية محلية بعد إدراك كل الأطراف أن الخلاف الفرنسي الإيطالي هو خلاف على تقاسم النفوذ ونهب ثروات ليبيا بالأساس، وربما يسهم دخول تركيا على خط الأزمة الليبية في دفع هذه الرؤية إلى الأمام.

النماذج الثلاث السابقة للتسويات المتوقعة في 2019 ليست هي الوحيدة ولكن هناك العديد من التطورات الأخرى في المنطقة التي يمكن أن تسهم في رسم ملامج لخارطة سياسية جديدة للمنطقة منها الانتخابات الفلسطينية المتوقعة بعد قرار محمود عباس بحل المجلس التشريعي، واحتمالات تحرك إدارة ترامب لتسويق خطتها للتسوية التي أشارت إليها المندوبة الأمريكية في الأمم المتحدة نيكي هيلي مؤخرا، وكذا مآلات الحراك الشعبي في السودان، واحتمالات الانتخابات الرئاسية  الجزائر.