السودان ومسارات الخروج من المأزق؟

د. حمدي عبدالرحمن

بعد أن تحدث البشير ووعد بإصلاحات ومزيد من الوقت وبعد أن عبر الجيش عن التفافه حول قيادته وبعد ‏أن اقترحت بعض القوى المدنية تقديم مذكرة إلى الحاكم في قصر الشعب، فإن ملامح الصورة تبدو أكثر ‏وضوحا عن ذي قبل. ينبغي فهم سياق الانتفاضة الشعبية التي تشهدها غالب أقاليم السودان على أنها بحق ” ‏ثورة الأطراف” حيث أن النظام يبسط هيمنته عادة على “المركز” الذي توجد فيه النخب وأصحاب ‏المصلحة. هذه الانتفاضة تدخل في أنماط ثورات الخبز التي لم تقتصر فقط على الحالة السودانية وانما ‏شهدتها دول أخرى في الإقليم، وعليه فإن المحرك الأول هو الاقتصاد وليس السياسة. إننا أمام حالة فوران ‏شعبية تلقائية تفتقد إلى وجود قيادة محركة تضبط حركتها وتعرض مطالبها، وإن كانت هناك بعض ‏التنظيمات المهنية التي تحاول سد هذا النقص القيادي. الحالة السودانية عل الرغم من تاريخها النضالي ‏والثوري في أكثر من مناسبة والذي أطاح بالحكم العسكري في مناسبتين على الأقل تبرز فشل وعقم النخب ‏المدنية التي أصابت الجماهير بالخذلان المبين.

علينا أن نتذكر أن خيار الامام الصادق المهدى كان ولايزال ‏هو المطروح .ومع تقديرنا الكامل لمكانة الرجل الدينية والسياسية فإن شباب السودان، ومن بينهم شباب ‏الأنصار، يحتاجون إلى زعامة جديدة تعبرعن طموحاتهم وآمالهم في حياة حرة كريمة.

اليوم نحن أمام ‏نموذج للحكم الهجين الذي يختلف عن حالتي عبود والنميري. نموذج استطاع عبر نحو ثلاثة عقود أن ‏يؤسس مصادر أخرى للشرعية والتي اعتمدت في الغالب على مبدا فرق تسد فضلا عن مهارة غير معتادة ‏في بناء التحالفات الداخلية والخارجية سواء بسواء. وعليه تصبح عملية الانتقال والتغيير في ظل هيمنة ‏شبكات المصالح الكبرى في أجهزة الدولة ورجال الأعمال محفوفة بالمخاطر. ما السبيل إذن في ضوء ‏خبرات الانتقال الديموقراطي التي شهدتها كثير من الدول، بافتراض مسار التغيير وعدم بقاء الوضع على ‏ما هو عليه وهو خيار كارثي في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية وصعوبة حلحلتها يمكن تصور ‏سيناريوهات ثلاثة على النحو التالي:‏

أولا نمط التحول الفوقي ‏transformation‏ وقد أطلقنا عليه ذلك الاسم عندما حاول البشير وجماعة الإنقاذ ‏بعد عام 1989 أسلمة المجتمع السوداني واكتساب مصدر جديد للشرعية. في هذا النمط للانتقال ‏الديموقراطي يكون التغيير بمثابة منحة من الحاكم. يفترض التحول هنا انتقالًا ناجمًا عن النظام القائم نفسه ، ‏والذي يقدم إصلاحات تؤدي في نهاية المطاف إلى إنهاء الحكم الاستبدادي وتمهد الطريق للتحول ‏الديمقراطي . في هذا النموذج، فإن رأس النظام، أي البشير ومن معه، هو المسؤول عن عملية الانتقال التي ‏سوف تؤثر يقينا على تشكيل طبيعة النظام الجديد الذي يتم تأسيسه دون التشاور أو التفاوض مع قوى ‏المعارضة التي تفتقد التأثير على حركة الشارع أو أن النظام لا يعترف بها ويريد أن يحافظ على مكتسباته ‏في ظل النظام الجديد.‏

ثانيا: نمط التحول التفاوضي.‏‎ translplacement‏ ينبع الانتقال هنا من حالة جمود بين النظام والمعارضة. ‏هو أقرب إلى المباراة الصفرية السالبة التي تكون فيها كل الأطراف خاسرة، فلا رابح ولامهزوم .إذا ‏أدركنا أن كل طرف لا يمكن أن ينتصر على الآخر ، فإن القوى المعارضة تتوصل إلى حل وسط وتقرر ‏بشكل مشترك الدخول في عملية انتقال سياسي. على أن النظام الجديد يكون مشروطا بشكل كبير بطبيعة ‏المفاوضات السياسية التي يقوم بها الجانبان خلال الفترة الانتقالية. ولعل ذلك أيضا يضمن بقاء مصالح ‏شبكات المصالح السائدة. أذكر أني كتبت من سنوات خلت أن “من بين العوامل المهمة التي تدفع النظام ‏السلطوي إلى الدخول في المفاوضات مع القوى المعارضة هي احتمال أفول نجم النظام السياسي أو أفول ‏نجم أيديولوجيته والتـردي الاقتصادي الذي قد يصل إلى حد الإفلاس أو ضغوطات خارجية متزايدة “.‏

ثالثا نمط التحول عن طريق الاستبدال. ‏replacement modality‏ ‏ يحدث عندما يقاوم النظام السلطوي ‏الإصلاحات ويطاح به عنوة من قبل قوى المعارضة. في هذه الحالة، تقوم الحكومة الجديدة ( حكومة ‏الثورة أو الجيش في بعض الحالات) بتوجيه العملية الانتقالية وتشكيل النظام الجديد. عادة ما يكون هذا ‏التغيير دمويا ويرتبط بانهيار وتفكك أسس النظام الحاكم . ويكون الرهان دوما على حدوث انقسام في ‏صفوف النخبة أو انحياز الجيش لمطالب الجماهير.‏

نحن في الحقيقة أمام قيادة لا تملك إلا القليل من القدرة أو المصداقية لتنفيذ سياسات جديدة ، ناهيك عن قيادة ‏عملية الانتقال. كما أن الأحزاب والقوى السياسية الأخرى أهلكها الحزب الحاكم على مر سنوات حكمه . ‏وسوف يظل الأمل معقود بناصية الشباب الذين يستطيعون فرض إرادة الإصلاح والتغيير غلابا. حمى الله ‏السودان شقيقة بلادى وكتب لأهلها كل الخير.‏

(نقلا عن صفحته)