نادر فرجاني يكتب  شعب مصر يشحن طاقته الثورية الكامنة في ذاكرته الجمعية.

د. نادر فرجاني

 

لا يخدعنكم سكون سطح البحر فتظنونه خاملا وتغفلون عما تخبئ أعماقه من تيارات وعواصف ستأتي لاريب فيها.

شعب مصر قد يبدو ساكنا لايحركه شيئ، وأنه دخل في غيبوبة صمت أشبه بالموت. لكنه لم يدخل غيبوبة موت، الشعب المصري يشحن طاقته الثورية الكامنة في ذاكرته الجمعية الفريدة التي تكونت عبر تاريخ تليد ممتد، تحت الضغط المتزايد من العصابة الإجرامية الحاكمة بالقهر والإفقار والغافلة عما تفعل.

هذا الضغط الجبار الذي لا يتوقف سيضمن أنه عندما يثور الشعب العظيم سيطيح بهم وبما ظنوه ملكا مقيما وبكل القذر والبشاعة التي جرت على الشعب الطيب. فقط نرجو ألا يتكرر أن يثور في فورة تلهية عن التحسب للثورة المضادة التي ستلي لا محالة بسبب موقع مصر التاريخي الفريد وموضعها في الإقليم والعالم.

أشارك كثيرا من الأصدقاء في الشعور بالإحباط من ضعف الاحتجاج الشعبي على تصاعد القهر والإفقار تحت العصابة الإجرامية الحاكمة الذي يتصاعد كلما عبر أحد الشعوب الحية عن غضبه ورفضه لما يعتبره جورا من الحكام مثل احتجاجات  فرنسا على زيادات سعر الوقود التي امتدت إلى إيطاليا واحتجاج شعوب عربية على الغلاء خصوصا في أساسيات العيش، مثل الأردن وتونس التي بلغ الأمر فيها الإضراب العام، والمغرب والجزائر، وعلى زيارة الأمير الدموي لمملكة البغي السعودية، وأخبرا انتفاضة الشعب السوداني الشقيق

 

ينعي هؤلاء الأصدقاء على الشعب المصري الاستكانة والخمول والتراخي حتى يظنه البعض ميتا، في هذا أختلف معهم.

كل من عليها فان صحيح بالنسبة للأفراد. غير أن القاعدة أن الشعوب لا تموت. ولكن الشعب كيان تاريخي هائل الضخامة، وبالغ التعقيد، لا يخضع لأهواء الافراد أيا كان الفرد. ويترتب على ذلك أن لكل شعب خصائصه وخصاله وأساليبه في التحرك التاريخي التي تناسب تلك الخصال والتي اكتسبها عبر حياته الممتدة.

 

قد يظن البعض أن شعب مصر نظرا لطول خضوعه للطغيان الوافد والمحلي قد ألف الاستبداد، تآلف معه واستكان إليه. هذا هو التفسير السهل لسكون سطح بحر مصر. وهو تفسير ينم عن قصر نظر تاريخي.

فالناظر المحقق في تاريخ مصر لابد ينتهي إلى أن الاستكانة للظلم طويلا لم تكن أبدا من شيمه الأصيلة.

في النهاية، هذا الشعب تخلص من جميع الغزاة في تاريخه القديم، وفي العصور الحديثة قضى على عروش ملوك المماليك وعلى الحملة الفرنسية، حتى خرج نابليون بونابرت، بجلال قدره، من مصر كسيفا متسترا تحت جنح الليل معترفا بفشل حملته لإخضاع جوهرة الشرق.

ومن لم تطرد مصر من غزاتها، امتصتهم في بوتقتها الرحيبة واغتنت برحيق تنوعهم.

تقديري أن شعب مصر الآن يشحن طاقته الثورية وأن قاهريه في العصابة الإجرامية الحاكمة يلعبون الدور الأهم في ذلك الشحن المتواصل بلا هوادة بإمعانهم في القهر والإفقار بينما لا يتوانون في نهب الشعب. يسهم في هذا الشحن آلاف من قتلوا من الأبرياء وعشرات ألوف الأبرياء الذين زجوا في السجون وعشرات الملايين الذين حرموا من أساسيات العيش المقبول. كل من هؤلاء معارض محتمل أو مقاتل للعصابة منتظر للفرصة.

لو لم تكن العصابة عليمة بما يجيش به بحر شعب مصر وتتخوف من صحوته ما استمرت في التنكيل بجميع الأحرار في مصر محاولة عيثا القضاء التام على كل بذور الحرية والمقاومة للحكم التسلطي الفاسد.

غير أن شعب مصر تعلم عبر تاريخه الممتد الصبر الحكيم على معاناة الطغيان والاستبداد. ليس صمت القبور ولكنه صمت الصبور وليس خرسا، فالمعاناة والألم يتفاعلان باستمرار في البحر العميق، ويشحنان طاقة الغضب والتململ. التي ما إن تبلغ حدا حرجا يزيد على قدرة التحمل حتى يندلع الفوران الثوري.

أغلوطة الإطاحة برأس الاستبداد والابقاء على جذوره

عيب هذا النمط من الاستجابة للقهر هو ما بدأت به، طول فترة الشحن الثوري المفضي إلى الفوران الثوري ثم هبوط الفوران الثوري من دون بلوغ أوجه بنيل الغرض منه من خلال إقامة ممكنات الحرية والعزة والكرامة الإنسانية الدائمة لشعب مصر وغالبا ما مهد لصعود دورة جديدة من الاستعباد أو استدعاء الثورة المضادة لفورته التي لم تكتمل.

لايجوز في فورة الثورة الإطاحة بالرأس دون القضاء على جذورها، على البني المؤسسية المنتجة للاستبداد والطغيان، ما يمهد السبيل لتنبت الجذور رأسا جددة تعيد سيرة الحكم التسلطي الفاسد.  شعب مصر للأسف عانى من هذا النقص تكرارا.

بقضائه على حكم المماليك مهد لصعود محمد على.

وقنوعه بالسقوط الشكلي لللامبارك الأول في  الثورة الشعبية العظيمة   25 يناير 2011 خدع لتمكين المؤسسة العسكرية لشن الثورة المضادة على شعب مصر وفي عموم المنطقة العربية بدعم صهاينة الخليج.