هل تتراجع واشنطن عن خسارتها من مكان ما؟

بقلم: ياسين أقطاى

صارت إعلان أهم سياسات الدولة وقراراتها ورسائلها عبر تويتر من أبرز السمات السياسية الخاصة بترامب الذي يتعرض لانتقادات لاذعة لأنه بهذه التصرفات يهدم التقاليد السياسية الأمريكية التي تعود لقرون ثلاثة مضت.

بيد أنه – مما لا شك فيه – أن هذا التقليد السياسي ليس الشيء الوحيد الذي يهدمه ترامب الذي يمثل نموذجا رائعا يبرهن على ما يمكن لرئيس أمريكي أن يفعله فيما يتعلق بالاستراتيجيات والسياسة الخارجية للولايات المتحدة في هذا المجال. وفي الحقيقة فإنه في مقابل المقاربات التي تضفي حصانة وثباتا منزها من أي تأثير وقتي على السياسيات أو الاستراتيجيات الأمريكية، فإن الأسلوب الذي يتبناه ترامب ويمثله يقود تصوراتنا السياسية والواقعية إلى مستوى أكثر واقعية ويجعل الأمر يبدو أكثر قربا من المستوى البشري، حتى وإن لم تبد هذه السياسات دائما هكذا. ومن هذا المنطلق فإن الشخصية ما بعد الحداثية التي أضفاها صديقي العزيز يوسف كابلان في مقاله بالأمس على السياسة الحالية يقربنا أكثر نحو فهم عالم اليوم. لكنه لا يكفي بطبيعة الحال كي نفهم كل شيء، بالضبط كم أنه لا توجد أي نظرية تكفي بمفردها لفهم كل شيء.

لا يخفى على أحد أن عالم العلاقات الدولية اليوم لا يعكس أيا من خصائص النظام الخاص بالعالم أحادي أو ثنائي القطب. وإن الديناميات الديمقراطية داخل دولة ما يمكن أن تمثل أكبر تهديد في كثير من الأحيان بالنسبة لاستقرار تلك الدولة وسياستها الخارجية وتحول دون انتهاجها السياسة الخارجية عينها في كل زمان ومكان.

وإن السياسة الخارجية يمكن أن تتعرض لكل أنواع التأثير في دولة كالولايات المتحدة حيث لا يقتصر أمر توازن القوى على العلاقة بين القوى التقليدية مثل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، بل يتسع الأمر ليشمل كذلك أنشطة عالم الأعمال والعائلات والمجموعات المهنية وهيئات المجتمع المدني والإعلام واللوبيات.

ولهذا يجب ألا ننسب للولايات المتحدة موقفا سياسيا واحدا ونتوقع منها أن تلتزم بها إلى نهاية المطاف.

وإذا نظرنا إلى سياسات واشنطن في الشرق الأوسط سنرى أنها سياسات لم تستند من البداية على أساس عقلاني منطقي. فلا يوجد أحد يهدد الولايات المتحدة بشيء أكثر من سياساتها. ومن ينظر لاحتلال العراق من الخارج ربما يراه قد حقق أرباحا كبيرا لواشنطن، لكن عندما ننظر إلى نتيجة هذا الأمر سنرى أن هذه الأرباح لم يحققها سوى بعض لوبيات الأسلحة وأن الشعب الأمريكي والكيان الوطني العام في الولايات المتحدة اضطر ليدفع ثمن هذا غاليا.

كما أن سياسات واشنطن المتعلقة بإسرائيل لا تصف في مصلحتها الخاصة. فالسياسات التي تنتهجها الولايات المتحدة لكسب ود إسرائيل لكنها جعلت كل شعوب الشرق الأوسط أعداء لها ستجبر واشنطن، عاجلا أو آجلا، على أن تخسر المنطقة بأسرها.

لا شك أن للولايات المتحدة عينا ترى هذا الأمر، وإن هذه العين تفتح بين الحين والآخر لتدعوها لأن تعود لرشادها. لكن الرأي المسيطر هو رأي من لا يتورعون عن جر هذه القوة العظمى إلى الأزمات في سبيل تحقيق منافعهم الوقتية. ذلك أن آراء هؤلاء هي التي تكون اكثر تأثيرا في ظل الظروف الحالية، ولأنهم على علم بشكل أكبر بالمنظمات والآليات القادرة على تحديد سياسات واشنطن.

الطرف في الأمر أن الآليات التي تؤثر في سياسات واشنطن ليست مغلقة على أحد، فمن يريد يستطيع أن يجد لنفسه مسلكا بين مسالك هذه الآليات وهو ما يجعل من الولايات المتحدة دولة أكثر تغيرا ودينامية بشكل من الأشكال. ولا شك أن هناك مزايا لهذه الدينامية التي من المحتمل أن تكون الإرادة التي ترسم ملامح السياسة الأمريكية تستهدفها، كما أنها لا تهمل جوانب ضعفها أو عيوبها.

وفي نهاية المطاف فإن القوى التي أقنعت واشنطن على انتهاج سياساتها الحالية في سوريا حتى هذه اللحظة لا تنظر أو تتصرف وفق المصلحة الأمريكية على المدى البعيد. لا سيما وأن العقلية التي اقترحت على الإدارة الأمريكية التحالف مع تنظيم إرهابي، ج ب ج أو ب ي د، في سبيل التصدي لداعش في سوريا، هي ليست عقلية صديقة للولايات المتحدة على الإطلاق، بل إنها عقلية ستجر واشنطن، عاجلا أو آجلا، إلى مستنقع جديد.

ينطوي الأمر على تعارض غريب يتمثل في التعاون مع تنظيم إرهابي ضد تنظيم إرهابي آخر، وكذلك الاختلاف بشكل لا يصدقه أحد مع حليف منذ 70 عاما وعضو بحلف الناتو مثل تركيا، بل وينطوي كذلك على أن تظهر الولايات المتحدة أمام الجميع بمظهر الطرف السيئ في سوريا بالرغم من كل المشقات والنفقات التي تكبدتها في سوريا. وإذا قيمنا في نهاية اليوم ما كسبته الولايات المتحدة من وراء سياسة كهذا، فلن نجد سوى “لا شيء”، بل وخسارة كبرى.

إن قرار الانسحاب من سوريا الذي أعلنه ترامب عبر تويتر يعكس من هذه الزاوية عقلانية التراجع عن الخسارة من مكان ما. وفي الحقيقة، فإن ما دفع ترامب لاتخاذ هذا القرار، كما قال هو في تغريداته اللاحقة، هو قناعاتها السابقة حول هذا الأمر. ومن هذا المنطلق يمكن القول إن ترامب يتمتع بأسلوب متسق للغاية على مستوى الشخصي فيما يتعلق بالملف السوري. فهو يتبنى منذ البداية موقفا يتساءل حول ما تبحث عنه بلاده في سوريا بل وفي كل دول الشرق الأوسط.

وإن هذا الموقف، في حقيقة الأمر، يتعارض كثيرا مع العقلية العامة المسيطرة في الولايات المتحدة. وبالرغم من أن مبادئ هذه العقلية الخاصة بالقضية الفلسطينية وإسرائيل مختلفة كثيرا، فإنها عقلية قادرة على توجيه دفة السياسة الخارجية الأمريكية إلى اتجاهات جديدة، ويبدو أن هذه العقلية ستلقى تأييدا من قطاع كبير من الشعب الأمريكي.

وهناك بعد آخر للمسألة، ألا وهو أن الولايات المتحدة بدأت تفقد اتساقها في تصرفاتها كقوة عظمى من خلال كل سياساتها هذه. فما كان أحد ليرفع صوته للاعتراض على انضمامها إلى تحالف يشكل من خلال وعي دولي لمواجهة نظام مستبد يرتكب المجازر ضد شعبه واستغلالها لقوتها العظمى حقا في سبيل ضمان حقوق الإنسان ووقف المجازر.

بل ولكانت عملية تنفذ في إطار هذه الحدود لتنجح في هذه المهمة قد حظيت بتقدير العالم كله ولكانت الولايات المتحدة قد أثبتت للجميع مجددا أنها حقا قوى عظمى. بيد أن واشنطن بعد أن دخلت سوريا حادت سريعا عن هدف دخولها وغرزت في مستنقع قتال عدو قذر كتنظيم داعش ألقوه أمامها (من جانبها هي شخصيا أو بحساب داخلي آخر).

لا شك أن العودة عن أي خسارة، بغض النظر عن مكان العودة، يعتبر أمرا مربحا بالنسبة لواشنطن، ولا ريب أيضا أن الولايات المتحدة ستكون مدينة لتركيا ورئيسها أردوغان بالكثير في اتخاذها هذا القرار الصائب؛ إذ لعبت العملية التي تستعد تركيا بعزيمة كبيرة تنفيذها في شرق الفرات دورا كبيرا في أن تلاحظ واشنطن حقيقتها أخيرا.

 

Comments are closed.