د.حازم حسني يكتب :سفينة الأمة الجانحة وربانها الغارق فى التفاصيل

بقلم د حازم حسني

من نكد الدهر على أى أمة أن يتولى قيادة سفينتها من يُغرِق نفسه ويُغرِقها معه فى بحر من التفاصيل التى تلهيه وتلهيها عن المنطق الذى أضاعته هذه التفاصيل التى لا معنى يجمع ما تناثر منها، فهى كحطام سفينة يطفو على سطح الماء ! … لا ركاب السفينة يعرفون جدوى ما ينشغل به القبطان من هذه التفاصيل التى شتتت لغة الخطاب بينه وبينهم، بل وبينه وبين طاقم الإبحار من حوله ! … لا أحد من أولئك ولا من هؤلاء يعرف شيئاً عن وجهة السفينة، ولا عن منطق إبحارها فى هذا الاتجاه أو ذاك ! … لا أحد يعرف لماذا تسرع السفينة لحد الرعونة أحياناً، ولا لماذا تبطئ من سرعتها أحياناً أخرى حتى يكاد اليأس يصيب من ينتظر حراكها !

 

لا أحد – حتى من بين طاقم الإبحار – يعلم شيئاً عن زمن الرحلة، ولا عن كيف ستكون نهايتها، ولا عن قدرة السفينة على الإبحار الآمن، ولا عن كفاية ما بها من وقود لاستكمال الرحلة ! … فالزمن عند الربان لا تقيسه الساعات والأيام والشهور والسنون، وإنما تقيسه طاقة ركاب السفينة على الصبر … فالصبر هو كل ما يملكه الربان من إجابة فى مواجهة تساؤل الركاب – بل وطاقم الإبحار نفسه – عن متى تصل رحلة السفينة إلى مرفأ الأمان، أو عن المسافة التى تفصل السفينة عن المرفأ … هذا إن كانت ثمة خرائط تبين مسار السفينة، وتفصح عن المسافات التى تفصل بينها وبين ما يدعى الربان وجوده من مرافئ الأمان الافتراضية التى لا يراها أحد فى العالمين غيره !

 

ربان السفينة، المفتون بخرائط البحر الافتراضية المرسومة فى رأسه، ليس منشغلاً بمسار السفينة قدر انشغاله بالمسافات التى تقطعها، وبإظهار مهارته القيادية بمعيار السرعة التى تقطع بها السفينة هذه المسافات الافتراضية؛ فلا هو يعنيه ما تستهلكه هذه السرعة الزائدة من مخزون الطاقة الذى ينفد، ولا هو يأبه بمؤشر عداد الخطر إذا ما دخل المنطقة الحمراء؛ فالربان يبحر منذ البداية بلا دراسة جدوى : لا لحمولة السفينة، ولا لمؤونتها، ولا لوجهتها ! وإنما هو غارق فى تفاصيل التفاصيل التى تغنيه عن التفكير فى معنى الرحلة أصلاً !

 

من يراقب أحاديث الربان العلنية مع طاقم الإبحار الذين يستعلم منهم عن التفاصيل، بل وعن تفاصيل التفاصيل، ويستنطقهم بحديث التفاصيل هذا ما يُطَمئِنُ به المسافرين الذين ملوا حديث الصبر بقدر ما ملوا حديث التفاصيل ! … الرجل يعامل شعب السفينة بمنطق : “عاوز تحيده؟ توهه!”، ومن ثم كانت نصيحته لطاقم الإبحار أن يحفظوا عن ظهر قلب أكبر كم من التفاصيل التى يخاطبون بها الناس، فإن لم يقتنع الناس بعد حديث التفاصيل هذا، وبعد إتخامهم بكل هذا الكم من المفردات المفككة التى لا رابط يجمعها فى سياق تاريخى أو وجودى أو معيشى مقبول، فليكن رد طاقم الإبحار هو : “هذه هى قدراتنا” ! … وكأن قَدَر المسافرين هو ألا يَصِلوا إلى وجهتهم هم بل إلى ما تيسر من وجهة يقودهم إليها ربان مفتون بعبقريته، ويعامل أمة السفينة بمنطق الحكمة الغنائية التى تقول : “لما راح الصبر منه، جانا يسأل عن دوا .. قال لى شوفى أحلى عمر، أحلى عمر نكون سوا” ! … الصحبة حلوة، ما فيش كلام !

 

بالطبع، فإن العلم بالتفاصيل له أهميته لأى شخص يتولى مهمة قيادية، ولا أعتقد أن عاقلاً يمكن أن يجادل فى أهميته، ولا فى أهمية الحذر من “الشيطان” الذى يكمن دوماً فى التفاصيل؛ ولا هو يشكك أى عاقل فى وجود الشياطين – لا مجرد شيطان واحد – فى تفاصيل رحلة السفينة المصرية إلى المستقبل عبر بحار التاريخ بما تخفيه من الأقدار فى أعماقها، وبما ترتفع به وتنخفض من أمواج التاريخ المتلاطمة ! … لكن، من قال إن مهمة ربان السفينة هى أن يُغرِق نفسه فى هذه التفاصيل حتى يكاد لا ينشغل بسواها؟ ومن قال إن مهمة الربان هى الانشغال باصطياد فئران السفينة، أو بمطاردة الشياطين التى تسكن التفاصيل؟

 

مهمة الربان الأولى هى أن يختار طاقم الإبحار الذى يعاونه وأن يحسن تنظيمهم وتوصيف وظائفهم، وأن يعرف كيف يقرأ لغة البحر ويستوعب خرائطه، وأن يطمئن على حمولة السفينة ومؤونتها وقدرتها على الإبحار، وأن يحيط نفسه علماً بتقارير السلامة والأمان وأحوال الطقس وتقلباته، وأن يحدد بعد ذلك وجهة السفينة ومسارها وسرعتها أخذاً فى الاعتبار كل ما سبق، فلا يكون إبحار السفينة مزاجياً يعتمد فقط على ما يعتقده الربان من علم غيبى اختصه به الله الذى اصطفاه هو على رجال العالمين !

 

رئيس الدولة، كربان السفينة، له وظيفة قيادية، ولا يجوز له الانشغال بأداء أدوار هى أدوار غيره من المسؤولين الذين يرأسهم، أو هو يرأس من يرأسونهم … ليست مهمة رئيس الدولة أن يخاطب شعبه بحديث التفاصيل، ولا أن يُغرقهم معه بحديث الإنجازات (الحقيقية أو المتخيلة)؛ فالإنجازات تتحدث عن نفسها وعن جدواها دون حاجة إلى بيان، اللهم إلا فى سياق حديث عن السياسات العامة، أو لتأكيد عقيدة الدولة، أو بيان منطق العلاقة بين هذه العقيدة وهذه السياسات العامة، من جانب، وبين التحديات التى تواجهها الأمة وتواجهها الدولة، من جانب آخر ! … نحن لا نعرف – مثالاً لا حصراً – ما منطق بناء العاصمة الإدارية الجديدة زماناً ومكاناً، ولا – بالأحرى – منطق بناء مدينة العلمين الجديدة، رغم كل هذا السيل من أحاديث التفاصيل عن بناء جامع أو كاتدرائية أو قصر رئاسى أو فندق يتكلف نحو المليار جنيه فى هذه المدينة أو تلك !

 

ضرورة أن يلم رئيس الدولة بحقيقة أن الشياطين إنما تختبئ فى التفاصيل لا تعنى ضرورة أن ينشغل رئيس الدولة بهذه التفاصيل، وإنما مهمته أن يقيم مؤسسات الدولة ونظم إدارتها بما يكسبها مناعة ضد الإصابة بهذه الأمراض “الشيطانية” التى ظلت تنخر فى أداء الدولة المصرية الحديثة لعشرات السنين، وهى مهمة لا يقدر عليها إلا من امتلك رؤية مؤسسية وفكراً منظومياً، وكلاهما يبدو ضائعاً فى حديث التفاصيل، بما فى ذلك تفاصيل الفساد الأخلاقى والفساد المنظومى التى أغرق فيها ربان السفينة نفسه، حتى لفد ازدحمت قمرة قيادته بالتفاصيل التى حجبت عنه الرؤية، وجعلته عاجزاً عن تجنب خطر الجنوح الذى صار يقترب منا بصورة متسارعة رغم نشوة حديث الربان عن عبقريته التى تجعل منه إلهاً يحيط بكل شئ وبكل التفاصيل علماً، أو ربما حدث هذا بسبب تلك النشوة التى تتلبسه وهو يحدثنا عن هذه التفاصيل المفككة التى لا يجمعها منطق اقتصادى أو سياسى أو إدارى أو تاريخى؛ بل هى تفاصيل تكاد تتحدى كل منطق، اللهم إلا منطق القيادة المزاجية التى لطالما أسقطت الدول وهدمت الحضارات، وما ذكرى الدول التى سقطت والحضارات التى تهدمت من أضابير تاريخنا المصرى بغائبة … لولا أننا نتمتع بذاكرة تاريخية سمكية لا يحسدنا عليها أحد، ولا يسامحنا عليها التاريخ !!

(نقلا عن صفحته)