عندما يفتقد وزير العدل “العدل”

قطب العربي

 

رغم أن المستشار أحمد سليمان آخر وزير عدل مصري في ظل الحكم المدني برئاسة الرئيس مرسي لم يمض في عمله الوزاري أكثر من شهرين إلا أنه ترك بصمة لا تنسى، وظل محافظا على موقفه الداعم للديمقراطية واستقلال القضاء حتى تاريخ اعتقاله يوم 5 ديسمبر كانون أول الماضي.

ورغم شيخوخة الرجل السبعيني إلا أنه ظل صقرا في مواجهة الانقلاب حيث قدم استقالته بعد 3 أيام من وقوعه، وكان يمكنه البقاء وزيرا حيث أنه لا ينتمي للإخوان المسلمين أو حزب الحرية والعدالة، لكنه أعلنها مدوية أنه لا يمكنه العمل مع سلطة غير شرعية، ورغم أن شيخوخته كانت ستشفع له في الصمت، والخلود إلى الراحة إلا أنه ظل صادعا بالحق، غير أبه بما سيتعرض له من تنكيل تم تحذيره منه كثيرا.

قصة صمود المستشار أحمد سليمان هي واحدة من قصص كثيرة تستحق أن يسجلها التاريخ بأحرف من نور، لتروى للأجيال، وقد سبقه على درب الصمود شيوخ كثر ناهيك عن الشباب والنساء، ولعل من الواجب هنا أن نتذكر بكل تقدير شيخين من شيوخ القضاة رافقا المستشار سليمان في تيار استقلال القضاء، ومعاركه، ويرافقانه الآن في السجن، وهما المستشار محمود الخضيري رئيس نادي قضاة الإسكندرية، والمستشار هشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات السابق.

لم يراع وكلاء النيابة الذين باشروا التحقيق معه أستاذيته لهم، فوجهوا له تهما مضحكة كغيرها من التهم التي توجه لكل رافضي النظام، مثل الظهور في قنوات تبث من خارج مصر، وإذاعة أخبار كاذبة، والمس باستقلال القضاة، وهو الذي نذر حياته للدفاع عنه!!، ولم يشفع للمستشار شيخوخته أو مرضه فصدرت القرارات المتتالية بحبسه ثم تجديد الحبس.

لم يكتسب المستشار أحمد سليمان تلك السمعة الطيبة من شهرين فقط قضاهما في الوزارة، ولكن عبر تاريخ نضالي طويل جاوز ربع القرن، تولى خلالها رئاسة نادي القضاة في المنيا مرتين بدءا من العام 2002، كما ترأس مركز الدراسات القضائية، وكان للرجل وقفة مشهودة ضد تدخل حكام الإمارات في عمل القضاء حين كان معارا للعمل هناك عام 1993، حيث دخل إضرابا عن العمل لمدة شهر مع مجموعة من قضاة تيار الاستقلال و هم المستشار ناجي دربالة والمستشار محمود مكي و المستشار هشام بسطويسي إعتراضا على التدخل لتعديل أحد الأحكام حتى حضر إليهم وزير العدل الإماراتي معتذرا ومتعهدا بعدم تكرار ذلك مستقبلاً، وعندما كان مساعدا لوزير العدل ومديرا لمركز الدراسات القضائية، شهدت تلك الفترة تمردا قضائيا بقيادة رئيس نادي قضاة القاهرة أحمد الزند رفضا للإعلان الدستوري، ورفضا للإشراف على الاستفتاء على الدستور عرض على وزير العدل في ذلك الوقت المستشار أحمد مكي أن يقوم بالإشراف على الاستفتاء بنفسه في إحدى اللجان الفرعية، وأن يعود للعمل قاضيا بالمحكمة لنظر الدعاوى التي توقف القضاة حينها عن نظرها بسبب قرار تعليق العمل.

وبعد قضية التمويل الأجنبي التي قام رئيس محكمة الاستئناف الموالي للمجلس العسكري عبد المعز إبراهيم بالتدخل فيها عبر تشكيل دائرة لنظر إخلاء سبيل الأمريكان، وعقدت الدائرة جلستها ليلا بينما كانت الطائرة الأمريكية الحربية تنتظرهم بمطار القاهرة كان المستشار سليمان على رأس الداعين لعقد جمعية عمومية طارئة ضد المستشار عبد المعز إبراهيم.

اشترك في لجنة وضع مشروع قانون السلطة القضائية التي شكلها رئيس المجلس الأعلى للقضاء المستشار حسام الغرياني في أغسطس 2011 برئاسة المستشار أحمد مكي، ووضعت مشروعا عظيما لاستقلال القضاء كان من المفترض عرضه على المشير حسين طنطاوي رئيس المجلس العسكري ليصدر به قانونا، ولكن المستشار أحمد الزند قائد الثورة المضادة في الوسط القضائي وقف له بالمرصاد وعرقل صدوره، وبالتالي فشلت محاولة استصدار قانون يضمن مزيدا من الاستقلال للقضاء.

بعد أن تقدم باستقالته يوم 7 يوليو 2013 قدم طلبا لمجلس القضاء الأعلى للعودة لمنصة القضاء، وهو الاجراء المعتاد مع أقرانه القضاة ممن تولوا مناصب وزارية لكن المجلس الأعلى للقضاء الموالي لسلطة الانقلاب رفض طلبه رغم أنه كان قد وافق قبل أسبوع فقط على عودة مستشار آخر كان محافظا للشرقية، ووضع المجلس قاعدة خصيصا لتطبيقها على المستشار سليمان فقط وبأثر رجعي تقضي بعدم عودة من يتولى منصب محافظ أو وزير لمنصة القضاء في مخالفة صارخة لأبسط مبادي القانون، و بعدها عدل عن تلك القاعدة ليعيد المستشار ابراهيم الهنيدي وزير شئون المجالس النيابية في حكومة إبراهيم محلب للقضاء، كما وضع المجلس قاعدة أخرى خصيصا لتطبيقها على المستشار سليمان تقضي بأن “القاضي مطلوب لا طالب” ورغم ذلك أعاد المجلس قاضيين للمنصة بعد أن توليا منصبي محافظ الفيوم وبني سويف، ولم يقتصر التعنت ضد الرجل على مجلس القضاء الأعلى بل تعداه إلى المحاكم التي رفضت دعوى قضائية ضد قرارات حرمانه من حقه القانوني في العودة لمنصة القضاء، وظل الرجل محروما من عمله ومن مستحقاته المالية، ومع ذلك لم يلن أو يستكين.

اعتقال المستشار أحمد سليمان ومن قبله قاضيين كبيرين هو أكبر إهانة للقضاء في مصر، وهو رسالة تهديد من النظام لكل صوت حر بين القضاة، لكن وجود هؤلاء القضاة الكبار داخل السجن مع غيرهم من شرفاء الوطن هو دليل على وجود الأصوات النزيهة في الوسط القضائي، فليس كل القضاة فاسدون، ولكن الكثيرين منهم مغلوبون على أمرهم شأن غيرهم من فئات المجتمع، كما أن الكثيرين منهم يناضلون مع المناضلين من أجل حرية الوطن سواء في الداخل أو الخارج، وحين يستعيد الوطن حريته فإنه حتما سيكرم هؤلاء الذين دفعوا ثمنا لهذه الحرية، وفي القلب منهم أولئك القضاة العظام.

 

30 total views, 6 views today