خمس سنوات من حرب مصر على الإرهاب(1)

مع تردي الأوضاع الأمنية بمصر، وتزايد المواجهات بين النظام الانقلابي وبعض التنظيمات المسلحة، تصاعد اهتمام المراكز البحثية الغربية بالشأن الأمني المصري، ومن بين أبرز تلك المراكز معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط، ومقره الولايات المتحدة الأميركية، فقد خصص المعهد منذ مارس 2014 منصة لمراقبة المشهد الأمني في مصر بغرض الإجابة عن تساؤلات من قبيل: ما مدى خطورة مشكلة العنف في مصر؟ ومن هم الفاعلون الذين ينفذون تلك الهجمات؟ وهل كانت جهود الدولة كافية، ومناسبة للتخفيف من العنف؟ وما هي الآفاق طويلة المدى لترسيخ الأمن في مصر؟

وقد أصدر المعهد تقارير دورية شهرية عن الحالة الأمنية في مصر، ثم مع تراجع حدة المواجهات صارت تقاريره فصلية كل ثلاثة أشهر. ومؤخرا أصدر المعهد في يوليو 2018 تقريرا مطولا عن الحالة الأمنية بمصر تحت عنوان (خمس سنوات من حرب مصر على الإرهاب).

البداية

في 24 يوليو 2013، طلب وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي تفويضا شعبيا لمكافحة الإرهاب، وصرح بإعلان “الحرب على الإرهاب”، والتي استمرت خلال السنوات الخمس الماضية. وقد استُخدمت الحرب على الإرهاب لتبرير مجموعة واسعة من الأنشطة بذريعة فرض الأمن.

ومع وقوع هجمات واغتيالات بشكل منتظم ومتزايد بعد صيف عام 2013، تزايدت كذلك عمليات مكافحة الإرهاب والاعتقالات في جميع أنحاء البلاد. كما وسّع تشريع جديد أو معدّل نطاق الجرائم والجهات الفاعلة التي يمكن محاكمتها بذريعة حماية “الأمن القومي”. وبالرغم من تزايد الأدلة على انتهاك الحقوق، والتعذيب، وحدوث أشكال أخرى من القمع على مدى السنوات الأربع الماضية، فإن معظم الجهات الفاعلة المحلية والدولية قدمت إلى حد كبير دعما غير مشروط (لنظام السيسي).

وبعد مرور عام على خطاب التفويض، أنشأ معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط مشروعه لمراقبة الأمن بمصر بغرض معالجة التساؤلات التي ظلت دون إجابة رغم أهمية التطورات المتعلقة بالحرب على الإرهاب، مثل: ما مدى خطورة مشكلة الارهاب في مصر؟ ومن هم الفاعلون الذين ينفذون تلك الهجمات؟ وهل كانت جهود الدولة كافية، ومناسبة للتخفيف من العنف؟ وما هي الآفاق طويلة المدى لترسيخ الأمن في مصر؟

وقد حذر أول تقرير لمعهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط عن مراقبة الأمن في مصر من كون “الاستراتيجية الحالية للدولة تبدو مؤهلة لتحقيق ايقاف هش للأنشطة الإرهابية بمصر في أفضل الأحوال، وقد تدفع ببساطة الجهات العنيفة إلى صقل استراتيجيات التجنيد الخاصة بها”. وتشير نتائجنا البحثية اليوم إلى أنه رغم انحسار عدد الهجمات المبلغ عنها كل يوم إلى حد ما، فإن مصر مازالت في وضع مماثل لما كانت عليه عند الإعلان عن الحرب على الإرهاب.

فقد فشل من يحكمون مصر، ويشرفون على هيئاتها الأمنية في تكييف تكتيكات تواكب التهديدات الأمنية المتطورة، وتطوير سياسة استراتيجية طويلة الأمد لمكافحة الإرهاب، أو تنفيذ برنامج شامل لمنع التطرف وفتح قنوات للتعبير السلمي عن المظالم، بدلا من الاعتماد على العقاب الجماعي والتكتيكات المسيسة. فهذا النهج يجعل مصر بعيدة عن القضاء على التطرف، ومنعه في المستقبل، أو تحقيق الاستقرار على المدى الطويل مما كانت عليه في بداية الحرب على الإرهاب.

ويوجز هذا التقرير الاتجاهات والتطورات التي تبلورت خلال السنوات الخمس الماضية للحرب على الإرهاب، ويفحص السياق القانوني والسياسي الذي حدثت فيه. وأخيراً، يقدم التقرير نتائج موجزة بهدف تعزيز الجهود الرامية إلى إرساء السلام والأمن، والتي تتخذ من الحقوق وسيادة القانون أساسا لها. فبعد أربع سنوات من جمع البيانات والبحث، توصلنا إلى استنتاج مفاده أن الإطار القائم على الحقوق هو وحده الذي يمكن أن ينشئ الأمن والاستقرار على المدى الطويل، وهو ما تسعى إليه الحكومة المصرية، ومواطنوها، وحلفاؤها في جميع أنحاء العالم.

الإرهاب: الاتجاهات والتطورات في مصر

زاد العنف في جميع أنحاء مصر بعد أحداث الثورة عام 2011، ولكنه تغير في أسلوبه وسماته. فعلى مدار فصل الصيف عام 2013 بدلاً من العنف المتكرر والعشوائي والعفوي الذي غالبا ما اندلع خلال الاحتجاجات ضد المظالم، أصبح العنف على نحو متزايد أداة للهجوم على الدولة، بدلا من كونه تكتيكا دفاعيا، واتخذ شكلا سياسيا ومنظما ومتعمدا.

الهجمات المبلغ عنها عبر أنحاء مصر

وفي حين أن 56٪ من الهجمات لم يتبن أحد المسئولية عنها منذ إعلان الحرب على الإرهاب، فقد خضع المشهد الفاعل لتغيرات رئيسية مع تطور المجموعات الموجودة، وظهور مجموعات جديدة، وتحييد آخرين. فمنذ نهاية عام 2013 وحتى الآن جرى تبني المسئولية عن تنفيذ 1343 هجوم من قبل مجموعات متنوعة مثل أنصار بيت المقدس في شمال سيناء، والتي بايعت الدولة الإسلامية في عام 2014، وحركة المقاومة الشعبية، والعقاب الثوري التي ظهرت في ديسمبر 2014، أو حسم ولواء الثورة، اللذان تبنيا عدة هجمات حتى سبتمبر 2017.

الهجمات المتبناة من 2013 حتى الآن

شكل استهداف قوات الأمن عماد العنف في السنوات الخمس الماضية. فقد استهدفت 66% من الهجمات بجميع أنحاء مصر خلال ذلك الوقت قوات الأمن، و56 % من الضحايا كانوا من قوات الأمن . ولم تشهد فقط محافظة البحر الأحمر أي هجوم على قوات الأمن، كما توفي أفراد من الأمن في هجوم إرهابي كل شهر منذ إعلان الحرب على الإرهاب، سواء عبر استهدافهم بشكل خاص أو لمجرد تمثيلهم للدولة.

الهجمات المتبناة من 2010 حتى الأن 

 

الهجمات المبلغ عنها لاستهداف قوات الأمن 

 

الاتجاهات والتطورات في شمال سيناء
من يوليو 2013 حتى نهاية 2014 تزايدت الهجمات بشكل كبير في شمال سيناء خلال هذا الوقت، بمعدل 19 هجوما مبلغ عنهم في المتوسط شهريا خلال العام التالي لإعلان الحرب على الإرهاب، مقارنةً بعشرة هجمات في العام السابق. وأُعلنت فقط المسؤولية عن 5 % من هذه الهجمات من قبل الجماعات المسلحة، وتبنت أغلبها جماعة أنصار بيت المقدس التي أعلنت مسؤوليتها عن 23 هجوما داخل سيناء و15هجوما في أماكن أخرى في مصر (بالإضافة إلى عدة هجمات أخرى على أهداف إسرائيلية) من وقت ظهورها في 2011 إلى إعلانها مبايعة الدولة الإسلامية في نوفمبر 2014
الهجمات المبلغ عنها في شمال سيناء

صيف وخريف 2014:

بعد حدوث انشقاق داخل جماعة أنصار بيت المقدس، تعهدت الجماعة بالولاء للدولة الإسلامية، وأعلنت تأسيس “ولاية سيناء” التابعة للجهاديين العالميين. وفي أكتوبر 2014، نفذ المسلحون بشمال سيناء هجوما منسقا على نقطة تفتيش كرم القواديس، مما أسفر عن مقتل أكثر من 30 من أفراد الأمن. وفي وقت سابق من الصيف، نفذت مجموعة من المسلحين المتمركزة قاعدتهم في سيناء هجوما كبيرا في واحة الفرافرة بالصحراء الغربية، مما أسفر عن مقتل 22 جنديا في نقطة تفتيش أثناء تناولهم إفطار رمضان . وقد أظهرت هذه الهجمات وجود انشقاق داخل جماعة أنصار بيت المقدس، حيث سافر ضابط القوات الخاصة المصرية السابق هشام عشماوي إلى ليبيا لتشكيل جماعة المرابطين، وللبقاء داخل شبكة القاعدة بعد تعهد رفاقه المتبقين في شمال سيناء بالولاء لأبي بكر البغدادي وتحول اسمهم إلى ولاية سيناء – ولاية سيناء في الدولة الإسلامية.

نوفمبر 2014 إلى أكتوبر 2016:

بعد انضمامها إلى المشروع الجهادي العالمي التابع لتنظيم الدولة الإسلامية، بدأت ولاية سيناء في تنفيذ هجمات أكثر تواترا، وفتكا وأكثر حرفية إعلامية. وحتى الآن، تبنت ولاية سيناء 995 هجوما أسفرت عن مقتل أكثر من 588 من أفراد الأمن و329 مدنيا. وقد غيرت من تكتيكاتها، لتنتهج نموذج العنف الذي يمارسه تنظيم الدولة الإسلامية، فقطعت رؤوس أولئك الذين اعتبرتهم جواسيس، وغيرهم مثل الكرواتي توميسلاف سالوبيك. وقد تم احتواء 99% من عنفها بالبر الرئيسي، كما تحاول أيضا إبراز قدرتها على بناء الدولة، عبر الدعاية المصورة لتقديم الخدمات، وتطبيق منظومتها للعدالة. وبالرغم من بروز ولاية سيناء، فلم تتبن حوالي 40 % من الهجمات المبلغ عنها في المحافظة خلال هذه الفترة.

الهجمات التي تبنتها ولاية سيناء

31 أكتوبر 2015

أظهر هجوم على طائرة ركاب أن الولاء للدولة الإسلامية يؤثر على تكتيكات ولاية سيناء، بما يتضمنه ذلك من زيادة استهداف للمدنيين. فبالرغم من أن المدنيين كانوا بلا شك ضحايا لهجمات الولاية، إلا أن ولاية سيناء أظهرت بعض التردد في استهداف المدنيين بشكل مباشر حتى أواخر عام 2016. وبدأت الجماعة تدريجيا في استهداف المدنيين، وأعلنت مسؤوليتها في نهاية المطاف عن إسقاط طائرة ركاب روسية في 31 أكتوبر 2015، حيث قُتل في الحادث 224 شخصا، من بينهم 219 مواطنا روسيا، وأربعة أوكرانيين، وأحد مواطني بيلاروسيا، وفتح الهجوم الباب لزيادة استهداف المدنيين، فمن يناير 2016 إلى يوليو 2017، أُبلغ عن مقتل ما لا يقل عن 200 مدني في هجمات.

الهجمات التي استهدفت مدنيين في شمال سيناء

من يناير 2016 إلى نوفمبر 2017:

بعد فترة وجيزة من بدء استهداف المدنيين دون تردد، اعتمدت ولاية سيناء الاستهداف الطائفي بشكل جاد. ففي أوائل عام 2016، تعرض أربعة من الدعاة المسلمين لهجوم من قبل مهاجمين مجهولين في شمال سيناء، واستمر العنف الطائفي في المحافظة خلال العامين التاليين، حيث هاجم المسلحون الجهاديون أي شخص لا يتوافق مع رؤيتهم للإسلام، وصار المسلمون والمسيحيون على حد سواء ضمن بؤرة الاستهداف. وخلال ذلك الوقت، وردت بلاغات عن اقتحام المسلحين لبيوت المسيحيين، وتنفيذهم لهجمات وحشية، مما دفع سكان المحافظة المسيحيون للفرار في نهاية المطاف هربا من العنف ونقص الحماية. وفي أخطر هجوم إرهابي في تاريخ مصر الحديث، قُتل 311 مدنياً وجرح 128 آخرين في مسجد بلال بقرية الروضة شمال سيناء في 24 نوفمبر 2017، بعد أن حذرهم مسلحو ولاية سيناء من الاستمرار في ممارسة الطقوس الصوفية. ولم يتبن أحد المسئولية عن الهجوم.

 من عام 2017 إلى الوقت الحاضر

فعلى الرغم من الإبلاغ عن عدد هجمات أقل من عامي 2015 و2016، فقد استمرت الهجمات في المحافظة، كما ظهرت أدلة على وجود جماعات مسلحة جديدة. فقد أُبلغ عن أكثر من 14 هجوما شهريا في المتوسط اعتبارا من أغسطس 2017 وحتى وقت نشر هذا التقرير، أي أقل من معدل الهجمات في العام الأول من الحرب على الإرهاب، ولكن بمعدل أعلى بكثير من السنوات السابقة. ولا تزال ولاية سيناء تتبنى بانتظام شن هجمات (وإن كانت بمعدل أقل بكثير في الربع الثاني من عام 2018)، وتضمن ذلك مؤخرا شن هجوم كبير بوسط سيناء في أبريل عام 2018 أودى بحياة ما لا يقل عن 20 من أفراد الأمن من بينهم ضباط. كما واصلت ولاية سيناء تبنيها اغتيال مدنيين، لاسيما في العريش وما حولها. وفي أواخر عام 2017، ادعت جماعة موالية لتنظيم القاعدة في شمال سيناء (جند الإسلام) أنها قتلت أربعة من مسلحي ولاية سيناء. وأيضا منذ عام 2016 ظهرت ميليشيات قبلية مدعومة من الجيش، ووردت إفادات عن ارتكابها لانتهاكات فاضحة لحقوق الإنسان. وأخيرا، استمر تواصل الهجمات التي لم يتبناها أحد. وحتى الآن لم تعلن أية جماعة مسئوليتها رسميا عن هجوم مسجد الروضة.

الاتجاهات والتطورات في البر الرئيسي
 من يوليو 2013 إلى ديسمبر 2014 وبعد الارتفاع الحاد في شهري يوليو وأغسطس 2013، عكس اتجاه الهجمات بالبر الرئيسي مثيله في شمال سيناء، فتراجع بشكل طفيف عن فترة العنف المكثف عقب الإطاحة بالرئيس محمد مرسي. وبلغ معدل الهجمات المبلغ عنها 20 هجوماً شهرياً في المتوسط خلال الفترة من آخر يوليو حتى نهاية عام 2014. ومن بين هذه الهجمات، أُعلنت المسؤولية عن 32 هجوما فقط من قبل جماعات متنوعة، كما ظهرت جماعة أجناد مصر المرتبطة بالقاعدة في يناير (2014)، وواصلت تنفيذ هجماتها ضد أفراد الأمن إلى أن قُتل قائدها في عملية أمنية في أبريل 2015.
الهجمات المبلغ عنها في البر الرئيسي

يناير 2015

في بيان صدر في 24 يناير 2015، أعلنت مجموعة تطلق على نفسها اسم حركة المقاومة الشعبية عن وجودها، ونوهت بحدوث تغييرات في القيادة الشبابية لجماعة الإخوان المسلمين دفعت إلى تشكيلها. وتألفت الحركة من تحالف عدة مجموعات محلية في جميع أنحاء مصر آخذت على عاتقها تنفيذ عمليات عنف منخفضة المستوى ضد الجهاز الأمني المصري ومن اعتبرتهم مؤيدين للإطاحة بالرئيس مرسي من طرف الجيش، مع تركيز خاص على البنية التحتية الاقتصادية لتقويض الدولة. وفي الجملة، ادعى التحالف أنه نفذ أكثر من 228 هجوما خلال عامي 2015 و2016.

 يوليو 2015

ظهرت الدولة الإسلامية في مصر باعتبارها كيان تابع لتنظيم الدولة الإسلامية في البر المصري. وقد أعلن الكيان – الذي ميز نفسه عن نظيره في سيناء – أولا مسئوليته عن هجوم استهدف القنصلية الإيطالية بالقاهرة في 11 يوليو 2015. وقد ادعت الجماعة مسئوليتها عن تنفيذ ما مجموعه 21 هجوما عبر ثماني محافظات في البر الرئيسي بمصر بعد ذلك الوقت. ولم تتضح أبدا طبيعة علاقة الجماعة مع ولاية سيناء.

من أغسطس 2015 إلى يناير 2018:

بعد أغسطس 2015، انخفض معدل العنف في البر الرئيسي بشكل حاد رغم أن الهجمات التي استمرت كانت مميتة، وظهرت مجموعتان جديدتان – هما حسم ولواء الثورة – أعلنتا مسئوليتهما عن تنفيذ 16 هجوما ضد أفراد الأمن، و3 هجمات ضد المؤسسات الحكومية. وظلت الهجمات التي أدت إلى وفاة شخص واحد على الأقل ثابتة إلى حد كبير خلال هذا الوقت، وبلغ متوسطها حوالي 3 هجمات مبلغ عنها شهريا، وقُتل 122 مدنيا و161 من أفراد الأمن خلال هذه الفترة.

الضحايا المبلغ عنهم في هجمات بالبر الرئيسي

من يناير 2018 حتى الآن:

توقفت تقريبا البلاغات عن حدوث هجمات في البر الرئيسي منذ بداية عام 2018، حيث أُبلغ عن هجوم كبير واحد فقط خلال هذه الفترة (محاولة فاشلة لم يتبناها أحد لاغتيال مدير أمن محافظة الإسكندرية). وإن أسباب التوقف – سواء توقف العنف أو تباطؤ البلاغات في ظل الرقابة الصارمة من قبل الدولة على وسائل الإعلام – غير واضحة. وبالإضافة إلى ذلك، فعلى الرغم من أن الانخفاض العام في العنف يبشر بتحسن الوضع، إلا أن وقوع هجمات متقطعة وغير مبلّغ عنها في الصحراء الغربية يبقى مصدرا للقلق.

الاتجاهات والتطورات في أنحاء مصر

أفادت وسائل الإعلام الرسمية وغيرها من وسائل الإعلام الإخبارية بحدوث آلاف عمليات مكافحة الإرهاب منذ أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي الحرب على الإرهاب. ففي خلال الاثنا عشر شهرا السابقين لخطاب تفويض السيسي عام 2013، أُبلغ عن حوالي 50 عملية أمنية في مصر، وقعت 61٪ منها في سيناء. ومنذ يوليو 2013، أبلغت الوزارات رسمياً عن 1800 عملية أمنية في جميع أنحاء مصر، وتم الإبلاغ عن 1672 عملية إضافية في وسائل الإعلام. حوالي 39% من هذه العمليات تم الإبلاغ عنها في شمال سيناء.

عمليات مكافحة الإرهاب المبلغ عنها

أُبلغ عن توقيف ما يزيد عن 27000 شخص في عمليات مكافحة الإرهاب. وبلغت تقارير الاعتقالات ذروتها مع الإعلان عن توقيف 3000 شخص في شهر مايو 2015 بمفرده، ورغم ذلك فقد انخفضت الاعتقالات منذ ذلك الحين. ووُصف نصف هؤلاء الموقوفين تقريبا بأنهم أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين التي أُعلن عن تصنيفها كجماعة إرهابية في أواخر عام 2013، وأُلقي القبض على أكثر من 11500 شخص دون أن يكون لهم ولاء معلن لأي جماعة إرهابية معروفة.

الموقوفون المبلغ عنهم في عمليات مكافحة الإرهاب

 

أُبلغ عن عدد هائل من الوفيات في عمليات مكافحة الإرهاب، حيث بلغ مجموع الضحايا المبلغ عنهم أكثر من 7097 شخصا منذ إعلان الحرب على الإرهاب، مع فترات من التصعيد على مدار السنوات الخمس الماضية. وقد وقعت 95% من إجمالي الوفيات المبلغ عنها في شمال سيناء، وأُبلغ عن 41% منهم بواسطة الجيش أو وزارة الداخلية مباشرة.

الوفيات المبلغ عنها في عمليات مكافحة الإرهاب

الاتجاهات والتطورات في شمال سيناء
 من يوليو 2013 إلى يوليو 2015  ارتفعت وتيرة العمليات في شمال سيناء بعد خطاب التفويض لتتأرجح حول 21 عملية و44 حالة وفاة لأشخاص يتم الإبلاغ عنهم شهريا، وعادة ما يوصفون بأنهم مجرد “تكفيريون”. وارتفعت هذه الأعداد بعد أن باغت مسلحو ولاية سيناء لفترة وجيزة مدينة الشيخ زويد في هجوم لقي ردا قويا من الجيش المصري الذي نفذ قصفا جويا فوريا لدفع المقاتلين للخلف. وفي حين أُبلغ عن أدلة على أعمال القتل خارج نطاق القضاء وسقوط ضحايا من المدنيين، فإن الجيش لم يعترف بأي أضرار جانبية في حربه المستمرة منذ خمس سنوات على الإرهاب.
عمليات مكافحة الإرهاب المبلغ عنها في شمال سيناء
من سبتمبر 2015 إلى فبراير 2018 وفي أعقاب هجوم الشيخ زويد، أعلن الجيش عن عملية “حق الشهيد”، وهي حملة من المفترض أن تكون لها عدة  مراحل، وتشمل في البداية ضربات نشيطة، ثم لاحقا خطط للتنمية الاقتصادية، لكن هذه الخطط اللاحقة لم تتحقق أبدا. وأُبلغ عن 514عملية ضمن حملة “حق الشهيد” مما أسفر عن مقتل 3163 حتى سبتمبر 2017. ولم يُعلن رسميا عن أي نهاية للعملية.
من فبراير 2018 إلى الوقت الحاضر وبعد ثلاثة أشهر من هجوم مسجد الروضة، أعلن الجيش عن بدء حملة جديدة بعنوان عملية سيناء 2018، ووصفت بأنها حملة شاملة في جميع أنحاء البلاد. وحتى الآن، أعلن الجيش عن مقتل 347 مسلحا واعتقال أكثر من 4000 آخرين ضمن تلك العملية. وكما هو الحال مع عملية حق الشهيد، لم يُعلن الجيش عن أي أهداف واضحة أو جدول زمني محدد يشير إلى نجاح أو نهاية الحملة.
حالات الوفاة المبلغ عنها في عمليات مكافحة الإرهاب بشمال سيناء

الاتجاهات والتطورات في البر الرئيسي

 من يوليو 2013 إلى مايو 2015 وخلال الفترة التي أعقبت خطاب تفويض السيسي، شنت وزارة الداخلية المصرية حملة جارفة من المداهمات والاعتقالات في البر الرئيسي بمصر، مع التركيز بشكل كبير على جماعة الإخوان المسلمين. فأبلغ عن أكثر من 1400 عملية لمكافحة الإرهاب خلال ذلك الوقت استهدفت أعضاء مزعومين في جماعة الإخوان، وأسفرت عن أكثر من 12000 حالة اعتقال شملت جرائم غير عنيفة، مثل حيازة مقتنيات تابعة لجماعة الإخوان أو إدارة صفحات فيسبوك تدعم الجماعة، وكلاهما تعتبر من جرائم الإرهاب بموجب القانون المصري.
الاعتقالات المبلغ عنها لعناصر مشتبه بولائها لجماعة الإخوان المسلمين

 

من مايو 2015 إلى ديسمبر 2017 وخلال ذلك الوقت، زادت وتيرة البلاغات التي تتحدث عن “اشتباكات” أو “إطلاق نار” في المقام الأول مع أعضاء مزعومين في حركة حسم، مع انخفاض معدل الاعتقالات. وبدأت البلاغات عن الاعتقالات تتراجع في عامي 2016 و2017، حيث انخفضت إلى 19 حالة اعتقال في الشهر، وتوقفت وزارة الداخلية عن الإبلاغ عن أي نشاط لمكافحة الإرهاب على صفحتها الرسمية على الفيسبوك. وقد أسفرت هذه “الاشتباكات” عن مقتل 173 شخصا منذ مايو 2015. وقد أثار هذا النشاط الشكوك إثر تقارير عن أن هؤلاء “الإرهابيين” المزعومين كانوا محتجزين لدى الشرطة وقت وقوع تلك الاشتباكات.
الوفيات المبلغ عنها خلال عمليات مكافحة الإرهاب خارج شمال سيناء

من يناير 2018 إلى الوقت الحاضر تراجعت تقارير العمليات والاعتقالات في البر الرئيسي بشكل كبير، بالرغم من أن أسباب ذلك لم تتضح على الفور، وقد يكون التراجع نتيجة لانخفاض فعلي في العمليات، أو نتيجة للتوقف عن الإبلاغ عن العمليات، أو لمزيج من الاثنين معا.
السياقات القانونية والسياسية والقضائية

بعد خطاب التفويض، أصدر السيسي تشريعا لمكافحة الإرهاب في غياب البرلمان، مما أوجد إطارا قانونيا لتسهيل عمليات الاعتقال الواسعة وغير الشرعية، والمحاكمات. وسمحت هذه القوانين التي اُقرت بمجرد انعقاد مجلس النواب الجديد في يناير 2016، باعتبار مجموعة من الأنشطة غير العنيفة أنشطة إرهابية، ومنحت الشرطة، والجيش، والمحاكم القدرة على اعتقال وفرض عقوبات قاسية على المعارضين السلميين. وقد سارت قوانين الأمن القومي الجديدة التي أصدرها مجلس النواب في هذا الاتجاه، لتوسع تعريف الإرهاب، ونطاق النشاط الذي يمكن تفسيره على هذا النحو.

• فرض حالة الطوارئ في إبريل 2017 أعاد إحياء السيناريو الذي عاش المصريون خلاله في ظل حالة استثناء قانوني دائمة، ومنح السلطات التنفيذية قوة كبيرة واستثنائية للحفاظ على الأمن القومي. ومثل تجنب هذه الحالة نقطة محورية للمطالبات الثورية عام 2011، ووُضعت ضمانات ضد تطبيقه بشكل مستمر في دستور عام 2014. وبالرغم من ذلك، واصلت الحكومة انخراطها في في الحيل القانونية لضمان تطبيقه بشكل مستمر لأكثر من عام، مع عدم وجود مؤشرات على السماح بإنهاء حالة الطوارئ في المستقبل القريب.

• تُحاكم قضايا الإرهاب في ظل اختصاصات اعتباطية أمام العديد من المحاكم المصرية، إذ يمكن محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية أو في دوائر لمكافحة الإرهاب تابعة للمحاكم الجنائية أو في محاكم طوارئ أمن الدولة لجرائم الإرهاب. وفي كل نظام من أنظمة تلك المحاكم، تثير المخالفات بخصوص الإجراءات القانونية المفترضة مخاوف جدية بشأن القدرة على مقاضاة الإرهاب بشكل فعال، واحترام حقوق الإنسان. فتسييس هذه القضايا الإرهابية التي تضم عددا من المنشقين السلميين يؤدي إلى مزيد من تقويض حكم القانون.

السياق السياسي المحلي

لقد كشفت التعديلات الكبيرة في قطاع الأمن عن تفضيل السيسي الحفاظ على دائرة مقربة من الموالين له على حساب مكافأة المستحقين، وعدم المساءلة عن الفشل خلال الحرب على الإرهاب. فعلى الرغم من النكسات الكبيرة، والأدلة الكثيرة على الانتهاكات ضد الحقوق خلال فترة توليهم للمناصب، احتفظت شخصيات مثل وزير الداخلية مجدي عبد الغفار بمواقعها (حتى أُقيل في نهاية المطاف خلال تعديل سياسي إثر تنصيب السيسي رئيسا لولاية ثانية)، بينما كوفئ من أظهروا ولائهم للرئيس، مثل وزير الدفاع المعين مؤخرا محمد أحمد زكي.

• بذلت الدولة المصرية قصارى جهدها للسيطرة على السردية القصصية حول حربها على الإرهاب، ولجأت إلى إجراءات صارمة للحد من أي تقارير مستقلة عن الوضع الأمني للبلاد. وشمل ذلك مضايقات يتعرض لها الصحفيون من اعتقالات وملاحقات قضائية، وإدراج بند في تشريع مكافحة الإرهاب يجرم ذكر أعداد للضحايا خلاف تلك التي تصدرها الحكومة رسميا، وتكميم أفواه الإعلام خلال الأحداث الحساسة المتعلقة بالأمن، والرقابة الكبيرة على المنتديات الإعلامية عبر الإنترنت.

• وعلى الرغم من المخاوف الكثيرة حول نجاعة وشرعية الحرب على الإرهاب، إلا أنها حظيت بتأييد واسع من الجهات المحلية الفاعلة سياسيا في مصر. ولم يبدِ مجلس النواب أي معارضة على الإطلاق لأي تشريع أمني صدر عن الحكومة، وفشل في استدعاء أي وزير للمسائلة عن أي تقرير من التقارير العديدة عن انتهاكات حقوق الإنسان، في حين أن السياسيين عبر مختلف الأطياف الحزبية أعربوا عن دعمهم الكامل لحرب السيسي على الإرهاب.

السياق الجيوسياسي

• واصلت واشنطن دعمها لحرب مصر على الإرهاب إلى حد كبير عبر إدارتين مختلفتين للغاية، رغم أن الدعم المادي يتقلص بشكل متزايد. فبالرغم من أن رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب قد عبّر عن دعمه للسيسي، إلا أن تزايد عدم موافقة الحزبين في الكونغرس على انتهاكات مصر المستمرة للحقوق والحريات، إلى جانب تلاشي انكباب واشنطن على احتواء التهديد الأمني مع رغبة إدارة ترامب في الحد من الإنفاق الخارجي، والإحباط من علاقة مصر بكوريا الشمالية. وقد أدت هذه الديناميكية إلى انخفاض المساعدات المقدمة لمصر إلى أقل من مليار دولار في عام 2018، لأول مرة منذ عام 1983.

• تحولت مصر بصورة متزايدة إلى الدول الأوروبية للوفاء بعقود الأسلحة ذات التكاليف الكبيرة، وبالرغم من المخاوف المتعلقة بالنهج الأمني في مصر (والتي تركزت بشكل خاص على القتل الوحشي لطالب الدكتوراه الإيطالي جوليو ريجيني)، فقد وقعت دول أعضاء بالاتحاد الأوروبي عقود أسلحة بقيمة 10 مليار دولار منذ إعلان الحرب على الإرهاب. وجدير بالذكر أنه بعد شراء مصر لطائرات مقاتلة من طراز رافال وسفن حربية من طراز “ميسترال” في عام 2016، فقد تفوقت فرنسا على الولايات المتحدة بصفتها المزود الأول للأسلحة إلى مصر. كما زادت صادرات الأسلحة الألمانية إلى مصر بأكثر من 200 % خلال السنوات الخمس الماضية.

• واصلت الجهات الفاعلة الإقليمية دعم حرب مصر على الإرهاب، ووصلت العلاقات المصرية الإسرائيلية إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق، مع وجود مخاوف مشتركة بشأن أمن سيناء كحجر زاوية. وفي الوقت الذي نفى فيه كلا الجانبين تقارير عن ضربات إسرائيلية داخل مصر، فإن قدرة الجيش المصري على القيام بعمليات في المناطق منزوعة السلاح يدل على مصلحة البلدين المشتركة عندما يتعلق الأمر بمحاربة التمرد على حدودهما.

(المعهد المصري للدراسات+ بوابة الشرق الإخبارية)