باريس تحترق!

بقلم :ياسين أقطاي

مرت ثلاثة أسابيع بالتمام والكمال على الاحتجاجات التي اجتاحت أولًا ضواحي فرنسا ثم انتشرت في شتى مدنها وتحولت بمرور الوقت إلى تمرد على الحكومة. وأما أهم شيء شاهده العالم خلال هذه الأسابيع الثلاث هو أنه بالرغم من كل محاولات التستر على هذا التمرد وإخفائه، فإنّ أحدًا لم يعد قادرًا على إخفاء الصورة التي تصور العاصمة باريس بأنّها صارت كتلة لهب.

وبالرغم من أنّ الأحداث التي تشهدها فرنسا تعتبر أوسع انتشارًا وأطول من الناحية الفترة الزمنية مقارنة بأحداث “غيزي بارك” التي شهدتها تركيا قبل خمس سنوات ونصف (منتصف 2013)، إلا أنّ وسائل الإعلام حول العالم لم تشملها بتغطية مشابهة بتلك التي شملت أحداث إسطنبول. وهو ما يعتبر في حد ذاته أمرًا مثيرًا للاهتمام.

فهل المثير في هذا الأمر هو احتلال أحداث غيزي بارك صدرَ صفحات وسائل الإعلام العالمية لأيام بل لفترة طويلة عقب انتهاء الأحداث حتى؟ أم أنّ المثير هو إفراد وسائل الإعلام العالمية مساحة أقل لما يحدث في فرنسا؟ فأيّ هاتين الواقعتين تعتبر حالة طبيعية برأيكم؟

ونتذكر بهذه المناسبة أن فرنسا كانت دائمًا – في حقيقة الأمر – بلد المظاهرات والاحتجاجات والتمرّدات والثورات. ويمكننا أن ننظر إلى الماضي لنرى أنّ ما يحدث إنما هو جزء من تقليد تاريخي. بيد أنّ الأحداث الأخيرة تتمتع بأبعاد مختلفة كثيرًا عمّا حدث في الماضي. فهناك توجد حركة، لكن هذه الحركة لا تمتلك حتى هذه اللحظة أي رسالة أو قائد أو توجه، فالتمرد تحول إلى غرض في حد ذاته.

يشارك أشخاص من كل التيارات في تلك الحركة التي بدأت للاحتجاج على كثير من الإجراءات وفي مقدمتها زيادة أسعار المحروقات. وقد تحولت حركة “أصحاب السترات الصفراء إلى حركة تمرد شعبية بعدما حازت بتأييد 72% من الشعب الفرنسي وفق استطلاعات رأي وجمعت بين كل أبناء الشعب من اليمين واليسار (وأشارت استطلاعات الرأي ذاتها إلى أنّ 85% من الشعب الفرنسي يعارض أحداث العنف). لكنها حركة ليس لها قائد، كما أن ليس لها رؤية سياسية تحمل هدفا نهائيا سوى “دعوة ماكرون للتنحي”.

ليس هناك شعار أو هدف مشترك لهم. وأما “السترة الصفراء” التي يرتدونها وأصبحت الرمز الذي يميزهم عن غيرهم فهي الشيء التي يجب أن يلتزم كل صاحب مركبة في فرنسا بشكل قانوني بوجود واحدة منها داخل مركبته، وهي تتمتع بذلك بخاصية ذاتية لتوحيد أبناء الشعب الفرنسي كله تقريبًا دون أدنى تفرقة.

إن هذه السترة لا تفرق بين أحد، ذلك أنه لا يهم إن كانت المركبة رخيصة أو غالية الثمن، كما لا يهم كونها مملوكة لشخص من أي جماعة عرقية أو مهنية معينة. فالجميع يمتلك تلك السترة، كما أنّ الانتساب إلى حركة التمرد هذه سهل لهذه الدرجة، والخروج فيها سهل بدرجة سهولة إخراج هذه السترة. ومثل هذا النوع من التمردات لا يحمل أي خاصية طبقية أو أيدولوجية معينة.

وجه ماكرون انتقادات لاذعة للاحتجاجات من الأرجنتين التي وصلها للمشاركة في قمة مجموعة العشرين، لكنه لم يجد أمامه مجموعة ضيقة يمكن أين يميزها ويوجه لها خطابه. فهو أمام حركة جماهيرية تحتم عليه أن يخاطب الشعب الفرنسي كله تقريبًا. هذا فضلًا عن أنه عندما يبحث ماكرون عمن يخاطبه لفهم شكاوي الثوار ومطالبهم لا يظهر أحد أمامه، بل لا يستطيع أحد الظهور أمامه. ذلك أنه لا يوجد من يقود هذه الحركة التي تخطت حدود فرنسا حتى وصلت هذه الأيام إلى بلجيكا وهولندا وألمانيا. فهي تتحول إلى كرة من اللهب من خلال أعمال العنف والتخريب في كل مكان تمر به. فما هذا العنف وذلك الجلال؟

إنها وضعية مثيرة للدهشة من كل جوانبها. وقد استحدث علماء الاجتماع مؤخرًا مصطلحًا أطلقوا عليه “الحركات الاجتماعية الجديدة” وحاولوا التفريق بين الخصائص غير الظاهرة على الإطلاق مقارنة بالماضي لدى الحركات الاجتماعية التي تحاول التعبير عن مطالبها بطرق سلمية أو غير سلمية.

ولقد كانت الحركات الاجتماعية في الماضي حركات تحاول تغيير العالم بالكامل بدعوة ثورية في سبيل تحويله إلى ما يشبه مدينة فاضلة معينة. إلا أن الحركات الاشتراكية أو القومية أو التحررية صارت جزءا من الماضي، الأمر ذاته ينطبق على الحركات النسائية وحركات البيئة والمبادرات من أجل مدينة أفضل.

وأما حركة الربيع العربي فقد وضعت أمامنا نموذجًا مختلفًا تمامًا، فالشعوب العربية تحركت فقط من أجل الشرف والعيش والحرية دون البحث عن أي هدف أيدولوجي رنان. وربما كان الربيع الذي استمر لفترة ليست طويلة أملا لحركة ربيع حقيقية، لكن الثورة المضادة تذيق المجتمعات العربية حاليًّا الظلم بشتى صنوفه.

وأما ما يحدث في باريس فأعتقد أنه يتخطى حاجز الحركات الاجتماعية الجديدة. فنحن أمام وضعية تجبرنا على إعادة النظر في كل النظريات التي نعرفها عن علم الاجتماع. فعندما ننظر للوهلة الأولى ونتابع الكثير من التحليلات نرى أنه لا يوجد أي سبب منطقي يدفع الفرنسيين للتمرد بهذه الطريقة وهم قد حصلوا على كل مطالبهم واحتياجاتهم الأساسية.

لعلنا نعتبر تلك الاحتجاجات بفعل المعارضة، لكن ما الذي ينقل هذا القدر من العنف إلى أحد أبعاد التمرد الشديد؟ أم أننا لا زلنا نعتقد أنه من الضروري ألا يلغى شيء آخر من السلاسل التي ستفقد من أجل إطلاق حرك عصيان؟ ألم تكن أكبر خيبة أمل لدى أصحاب الفكر الماركسي هي عدم حدوث التمرد المرجو بين أفراد المجتمعات المقهورة إلى هذه الدرجة وفي مقابل ذلك كون المجتمعات التي حصلت على حقوقها كاملة مهيأة بشكل أكبر للتمرد؟

وعندما يكون النقاش حول المجتمع وأفراده وطالما واصلنا تصوير هؤلاء الأفراد من جانب واحد بصفتهم الأتباع “المتعلمين” والمنقادين لمدننا الفاضلة ومخططاتنا الكبرى، فإنهم سيواصلون إفشال كل تلك الأحلام والآمال.وسنرى أين ستضرب موجات تمرد فرنسا 2018 وإلى أين ستنقل الرياح الموسمية وأحلام من ستهدم وستوقظ الآمال لدى من..