بعد تراجع ماكرون ..هل يثور الشعب المصري على السيسي لغلاء الأسعار؟

بعد احتجاجات دامت أكثر من أسبوعين متتاليين في العاصمة الفرنسية باريس، تخللها موجه من العنف بين أصحاب السترات الصفراء وقوات الأمن الفرنسية ، وخسائر بلغت مليون يورو ومقتل أثنان وإصابة 222متظاهر، أعلنت الحكومة الفرنسية أمس الثلاثاء تعليق الضرائب على الوقود التي يفترض أن تبدأ في يناير/كانون الثاني، في خطوة تهدف إلى وضع حد لتلك الاحتجاجات، واستجابة لمطالب أخرى للشعب الفرنسي منها الحد من البطالة وتحسين مستوي الدخل والتراجع. عن السياسات الاقتصادية الاصلاحية، التقشفية  والتي كانت محفزًا لاندلاع التظاهرات، خاصة المتعلقة بارتفاع أسعار الوقود.

وبالربط بين الحالة الفرنسية والمصرية سنجد أن ثمة تشابه بين الحالتين فيما يتعلق برفع أسعار الوقود وتراجع الدخل وزيادة نسبة البطالة، باختلاف الحالة المصرية في أمور أخرى أكثر صعوبة، والتي تعيش تحول اقتصادي شامل وفقا لخطة تقشفية وضعتها الحكومة المصرية، وفقا لإملاءات صندوق النقد الدولي القائمة على تقليص الدعم وزيادة الجباية الضريبية بهدف خفض العجز الكلي في الموازنة.

بعد حدوث الانقلاب العسكري وإجهاض أول تجربة ديمقراطية في مصر، أشارت العديد من الدراسات إلى أن السياسات التي ينتهجها  نظام السيسي الاقتصادية والاجتماعية بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي، ستؤدي إلى دخول مصر في أكبر موجة تضخم اقتصادي، لم تحدث منذ انتهاء الحرب المصرية-الإسرائيلية في السبعينيات، فمع تعويم قيمة العملة المحليّة ورفع الدولة يدها عن الاقتصاد بشكل كامل ونهائي في المستقبل القريب، تتزايد احتمالات حدوث حراك اجتماعي وطبقي عنيف ومتسارع في المجتمع المَصري، مما يُعد بمنزلة تهديد جذري لأنماط حياة العديد من الفئات والقوى والطبقات الاجتماعية في مصر.

على الشعب دفع الثمن

مع اتجاه الدولة المصرية نحو إقامة اقتصاد نيوليبرالي في  ظروف غير مناسبة، يبقى السؤال: كيف لتجربة تحول اقتصادي نيوليبرالي بهذا الحجم بكل توابعها ، وفي بلد كبير مثل مصر يملك جهازا بيروقراطيا ضخما وطبقة وسطى عريضة، وهما المُتضرران الأساسيان من هذا التحول النيوليبرالي، لا يبدو فيها مؤشرات، حتى وإن كانت بسيطة، على اعتراضات شعبية تجاه ما يجري، حيث لم يُشع حتى الآن عن غضب اجتماعي أو احتجاج فئوي أو نقابي أو عُمالي ذي قيمة، أو أي عمل جماعي مُنظّم ضد السياسات التعسفية التي تتخذها السلطة، خصوصا وأنها تمس المصالح المادية الصلبة للعديد من قطاعات المجتمع. لاسيما وأن هذا النظام يتم فرضة بشكل سُلطوي وغير ديمقراطي، بل وفي مرات ليست بالقليلة كانت تتم بطريقة دموية وعنيفة، وفي أغلب الأحيان أتى هذا التحول وسط حالة استقطاب سياسية واجتماعية حادة، وتمت مُجابهته بمعارضة شرسة من قطاعات واسعة داخل المجتمعات لا تقتصر فقط على العُمّال، بل من فئات كبيرة من شرائح الطبقات الوسطى وسُكّان المدن، وأحزاب سياسية وقوى اجتماعية متنوعة.

علينا أن ندفع جميعاً الثمن”.. مقولة أكدها عبد الفتاح السيسي في إفطار الأسر المصرية، الذي حضره في 12 يونيو 2018، قبل أيام قليلة من رفع حكومته أسعار الوقود بنسبة وصلت إلى 66.6%.

ففي صباح ثاني أيام عيد الفطر، 16 يونيو 2018، رفعت الحكومة المصرية الجديدة- بعد توليها مهامها بأيام- أسعار الوقود بنسبة تراوحت بين 17.5% و66.6%، كما رفعت أسعار أسطوانات الطهي للمنازل والاستخدام التجاري. أعقب ذلك القرار إعلان مجلس الوزارء المصري زيادة تعريفة ركوب سيارات النقل بجميع محافظات الجمهورية بين 10% و20%، وسط استنفار وحضور أمني مكثف بجميع مواقف السيارات بالمحافظات المختلفة وانتشار الكمائن الأمنية على الطرق، وداخل محطات مترو الأنفاق أيضاً.

وخلال شهر واحد رفعت الحكومة المصرية أسعار جميع الخدمات، بدءاً من تذكرة المترو التي ارتفعت بنسبة 250%، ورفع أسعار المياه بنسبة 46.5%، ورفع أسعار الكهرباء 26%، إلى رفع أسعار الوقود وأسطوانات الغاز ورفع أسعار وسائل النقل مؤخراً.

ومنذ تولي السيسي الحكم في 2014، شهدت أسعار الوقود وأسطوانات الغاز زيادة وصلت إلى 900%، إذ ارتفع سعر بنزين عيار 80 بنسبة 511%، وبلغت نسبة الزيادة في بنزين عيار 92 ما يقرب من 265%، وزاد بنزين عيار 95 بنسبة 32%، وارتفع سعر السولار 400%، كما ارتفع سعر البوتجاز (الغاز المنزلي) بنسبة 900%؛ إذ ارتفع سعر الأسطوانة بعد الزيادة الأخيرة في يونيو 2018 إلى 50 جنيهاً، مقارنة بـ8 جنيهات في يوليو 2014.

ويتحمل المواطن المصري وحده فاتورة ما تُطلق عليه الحكومة “خطة الإصلاح الاقتصادي”، فرغم ثبات دخول المصريين باتوا مجبرين على تحمل تلك الزيادة الكبيرة بالأسعار، التي تلتهم رواتبهم، وتستخدم الدولة عصا الأمن المرفوعة بوجه من يحاول الاعتراض.

الحكومة تمسح جيوب المواطنين

القرارات الاقتصادية الخاطئة التي تتخذها الحكومة تساهم في تفاقم الكارثة وتضيف مزيد من الأعباء على حياة المواطنين، فهم وحدهم من يدفعون ضريبة السياسات الفاشلة للحكومة،ويبدي الخبير الاقتصادي مصطفى عبد السلام تخوفه من تزامن الزيادات المستمرة في مواد الطاقة مع ارتفاع كلفة الاستيراد نتيجة رفع قيمة الدولار الجمركي ، حيث يرى أن ذلك سيؤدي إلى زيادة كبيرة في أسعار السلع المختلفة خلال الأيام المقبلة، وزيادة التضخم وتآكل المدخرات المحلية وضعف القدرة الشرائية للمواطن.

ويؤكد عبد السلام في حديثه  أن زيادة أسعار مشتقات الوقود ستؤدي إلى ارتفاع كلفة إنتاج الحاصلات الزراعية، وهو ما سيؤدي إلى تضاعف أسعار السلع الغذائية. كما ستدفع هذه الإجراءات البنك المركزي إلى رفع سعر الفائدة لجذب المدخرين نحو حيازة العملة المحلية، وهو ما سينجم عنه تفاقم مشكلة الدين العام المحلي.

في المقابل لا يرى عبد السلام أن قيام الحكومة بإجراءات حقيقية مصاحبة لهذه الزيادات سيعمل على حماية الطبقات الفقيرة والمتوسطة، مشيرا إلى أن الزيادة المحدودة الموجهة لدعم السلع التموينية ستلتهمها الزيادات المتوقعة في الأسعار المحلية وكذا أسعار الأغذية والنفط العالمية المتوقع ارتفاعها حسب توقعات منظمتي الفاو وأوبك.

من جانب أخر أكد الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن مصر تسير في منعطف خطير جداً، ولا يوجد تحسن في الاقتصاد، وما تفعله الحكومة عبارة عن خطة فشل في الإصلاح الاقتصادي. وأبدى النحاس استغرابه من رفع الحكومة المصرية أسعار الوقود والخدمات في ظل غياب الاستقرار الاقتصادي والأمني، مشيراً إلى أن هذه القرارات ستؤدي لمزيد من التضخم.وأشار إلى دور القرارات السلبية على المواطن وانعكاسها؛ بانخفاض حاد في القيمة الشرائية لرواتب الموظفين الثابتة، مؤكداً أن “الحكومة تضع يدها في جيب الشعب وتحمله رفع الأسعار”، مع غياب واضح لخطط الإصلاح الاقتصادي منذ بداية حكم الرئيس السيسي، بل باتت السلطات الحكومية تعتمد في تسيير المالية على المساعدات والديون الخارجية.

وتساءل بقوله” هل يستطيع المصريون تكملة تلك الخطة الإصلاحية؟ وكم سيتحمل المصريون؟ ومن سيسبق أولاً؛ المواطن أم خطة الإصلاح الاقتصادي التي تتبعها الحكومة.ولفت إلى أن المصريين لا يثورون من أجل غلاء الأسعار، ولكن يحدث نوع من العصيان المدني وسرقة للخدمات، ويتحايل المواطنون للتخلص من تلك الزيادة ويرتفع مستوى الجريمة. وقال: “الكارثة أن الوزراء يتباهون برفع الأسعار قبل نظرائهم بالوزارات الأخرى، ولا يهتمون بمتطلبات المواطن”. ووصف الخبير الاقتصادي البرلمان المصري الحالي بـ”البرلمان الصوري”، الذي لا يستطيع محاسبة الحكومة، التي لا تملك نظرة مستقبلية للعمل بها، بحسب رأيه.

وقال أن “سقف الدين وفوائده تزيد بشكل غير طبيعي؛ فمصر مطالبة يومياً بسداد 1.6 مليار جنيه ديناً”، مؤكداً أن ما تمر به مصر من كوارث اقتصادية هو تبعات قرار تعويم الجنيه وخفض قيمته. كما أشار إلى أنه لا يشترط أن تُكمل مصر رحلتها مع صندوق النقد الدولي، متسائلاً: “ماذا ستفعل مصر بـ12 مليار دولار قرض صندوق النقد الدولي؟”.

غليان يعيشه الشارع المصري

يحذر خبراء من تمادي حالة الاحتقان التي تسببت فيها قرارات الحكومة الأخيرة برفع الأسعار والتي مسّت السلع الأساسية التي يعتمد عليها المواطن بشكل رئيسي ، ولم يعد المواطن قارد على توفير حد الكفاف فضلا عن الكفاية. وبحسب رئيس الأكاديمية الدولية للدراسات ، ممدوح المنير، قال أن “المجتمع المصري في حالة غليان، وأن المصريين يحاولون التأقلم مع ما يعيشونه من ظروف اقتصادية سيئة”، لكن هذا الغليان قد يقود الشارع إلى فرض حالة من العصيان المدني ضد الحكومة.

وحذر من وصول المصريين إلى مرحلة لا يستطيعون فيها التأقلم مع معاناتهم، قائلاً: “وقتها سينكسر حاجز الخوف، وينزل المصريون للشوارع، لكن وقتها ستكون ثورة جياع مدمرة للجميع”.وأشار المنير إلى أن “النظام المصري يعلم حجم الجريمة التي يرتكبها بحق الشعب، لذا أعقب القرار الأخير برفع سعر الوقود استنفار أمني كبير”.ولفت إلى أن “السيسي يحاول إيصال رسالة الخوف للمصريين حتى لا يخرجوا للشوارع مرة أخرى”، متابعاً: “كما أنه يعمل على تحويل غضب المصريين عن حكمه إلى افتراس بعضهم بعضاً؛ من خلال السرقة والنهب نتيجة ما يعانونه من أوضاع اقتصادية متردية”. ورأى أن كل عوامل الثورة موجودة داخل الشعب المصري حالياً، ويمنعها من الظهور والانطلاق الخوف وفقدان الأمل والبديل المناسب للنظام.

 

 

 

 

 

2 Comments

  • المصريون ينتظرون خروج الإخوان المسلمين من السجون أو يعودون من المنفى كي يثوروا على السيسي فيقتلهم ثم يبقى المصريون عبيدا للبيادة للأبد (لا خبز ولا كرامة)

  • شعب فرنسا ليس في قاموس موروثه الثقافي مقولات تعشعش في عقول المصريين، مثل: عيش ندل تموت مستور – مليون جبان ولا يقولون الله يرحمه – إن كان لك عند الكلب حاجة قل له يا سيدي ۔۔۔۔!!!

Comments are closed.