د. أيمن نور يكتب : من وحى الـ54 .. يوم ميلادى .. وإعتقالى .. وحلم جمال

أيمن نور - جمال خاشقجى أيمن نور - جمال خاشقجى

من وحى الـ54

يوم ميلادى .. وإعتقالى .. وحلم جمال

بقلم د. أيمن نور

5 ديسمبر.. يوم استثنائى فى حياتى، لذلك تعودت أن أسجل فيه، بعضاً من خواطرى وملاحظاتى!!

فى 5 ديسمبر 1964 ولدت!! وفيه- أيضاً انتخبت فى 1979 رئيسا لاتحاد طلاب الجمهورية، وفى 1995 نائباً بمجلس الشعب، وفى عام 1984 كتبت أولى مقالاتى فى «الوفد»، وفيه أيضاً- أُعتقلت!! وفيه كتبت أولى مقالاتى فى «الدستور»

قضيته مرتين في لبنان

وثلاث مرات في إسطنبول، شاطرنى في أخرها صديقى جمال خاشقجى

وخمسة مرات في المعتقلات

و45 مرة بين أهلى وأحبابى وأسرتى الصغيرة والكبيرة

كما قلت، انه يوم إستثنائى للأحلام والآلام ..

أحمد الله وأشكره أن معظم أحلامى قد تحققت، ليس بجهدى واجتهادى، بل بفضل الله وكرمه وتوفيقه- أولاً- وقبل كل شىء!! أما آلامى فهى أيضاً من رحم أحلامى البسيطة التى لم تتحقق.

فأحلامى وأنا صغير، كانت كبيرة، لأنى كنت أرى العالم حضن أب كبير، يضمنى بفرح، ويرقب ما أصبو إليه باهتمام، واحترام!! كانت معانى الكلمات فى ذهنى مستقرة، لا تحمل غير معناها الظاهر الذى أعرفه.. فالحب يعنى «الحب».. والوطن يعنى «الوطن» والشرف هو «الشرف».. والصداقة هى الصدق فى المشاعر، ورفاق النضال والدرب هم من يقاتلون معك من الوريد للوريد

وليسوا من يذبحونك من الوريد للوريد.

لم تكن هذه المعانى والقيم تعرضت بعد لأى خصم أو إضافة

لم أكن أتصور بعد أن شرف حب الوطن، يمكن أن يتحول إلى خيانة «!!»

وأن الصداقة يمكن أن تتحول إلى نذالة!!

وأن أخلص الخلصاء هو من يقاتل «معك» حتى آخر مليم فى جيبك، أنت

وحتى آخر قطرة فى دمك،أنت

وآخر نفس فى حياتك، أنت!!

أما جيبه ودمه وحياته فهى خارج دائرة الحسابات والتوازنات والممكن والمتاح «!!».

مطلوب منك أن تضحى بكل شئ من أجله هو؟ بينما تضحيته الكبرى هى أن يتسع عقله وجيبه وقلبه لقبول تضحياتك‼

لم أكن أرى فى السياسة إلا أنها شرف خدمة الوطن

ولم أرى فى القانون غير صورة ذلك التمثال المعصوب العينين الذى «لا يرى» ولا «يعرف» ولا يكيل إلا بمكيال واحد «!!»

ولم أكن أرى فى القضاة والنيابة سوى حصن للمظلومين، وسيف على رقاب الظالمين!! لم أكن أرى إلا بعضا من الحقيقة!!

ما أملك أن أبوح لكم به الآن، وبعد 54 عاماً، أنى أشكر الله على كل دقيقة فى عمرى، أشكره على الضحكات والأنين، على البسمات والدموع، على الصحة والمرض، على النجاح والفشل.. على السعادة والشقاء، على نعمة العقل، في زمن لا عقل، ولا منطق ولا أخلاق فيه، وعلى عونه لى لإحتمال كل هذا الإفك والزور والكذب حتى لحظة كتابة هذه السطور دون أن أتورط في الإنحدار بالرد بالمثل، فأنا أرى النقائص دعوة للتمسك بالمبادئ، وليس العكس

فلولا الاستبداد ما عرفت قيمة الحرية

ولولا الغدر، ما عرفت عظمة الوفاء

ولولا الظلم ما عرفت قيمة العدل

ولولا مرارات الغربة وأوجاعها ما عرفت أرق الشوق للوطن ..

ولولا ما حدث لجمال خاشقجى ما عرفت معنى أن البعض يرحل ليبقى..

<.. في 5 ديسمبر من كل عام أجلس وحيداً في جرد لأحداث العام، وغالباً ما ينتهى الجرد والحصاد بقرار أتخذه وألزم نفسى به، وهذا العام الذى أودعه غداً .. أسوأ ما مر علىّ فيه هو رحيل جمال، وقرارى لأعوام قادمة متبقية من حياتى أنى لن أنسى أبداً صديقى جمال، ولن أتوقف عن الدفاع عن حلمه..

أشكر الله، لأنى استفدت – ومازلت – من الطعنات التى وجهت لى هذا العام، أكثر مما استفدت من الأيادى التى صفقت لى، فكل ضربة سددت لظهرى، دفعتنى للأمام، وكل عثرة صادفتنى أوقفتنى أكثر مما أوقعتنى، وكل ظلم تعرضت له حفز قدرتى ورغبتى فى مقاومته.

<.. إغتيال جمال كان ضربة عنيفة في قلبى، وصدمة هائلة لعقلى، لكنها جددت الأمل .. والقدرة على العمل، لآن دم جمال لن يذهب سُدى..

حياتى منذ الطفولة رحلة من المعارك- الصغيرة والكبيرة- اخترت بعضها واختارت لى الحياة معظمها، انتصرت فى نهاية أشاوط معظمها، وانهزمت فى قليل منها، لكننى تعلمت من كل هزيمة كيف أنتصر!! وهزيمتنا بإغتيال جمال هي كلمة السر في إنتصارنا في المعركة التي مات جمال من أجلها..

<.. سنوات الإعتقال كانت أكبر كتاب قرأته في حياتى، وسنوات الغربة، هى أسوأ إعتقال شهدته في حياتى، كنت دائماً أؤمن أن أجمل ما في الدنيا هم الناس، أحببت الكثيرين، ولم أكره أحداً، حتى من أذونى في حياتى، كنت أعامل بعض الذين يكرهوننى بغير سبب، ويفترون على بغير سند، ويكيدون لى بغير تفسير، وكأنهم مرضى، وأدعوا لهم كل يوم بالشفاء، كنت أعطى عذراً لهم، بغير طلب منهم، لكن أعترف أن سنوات الغربة كشفت لى صنفاً من البشر لم أصادف مثله في أكثر من نصف قرن من الحياة، عرفت في حياتى مجرمين بالفطرة، وعرفت في الغربة فطرة الإجران وهى ترتدى ثوب الشرف والوطنية والتضحية.

اقزاماً يتوهمون أنهم عمالقة، وعمالقة يتقذمون على أرض الواقع، طوالاً عراضاً من خارجهم، متضائلين من داخلهم.

أعترف انى تعلمت من صديقى جمال عبر 35 سنة من الصداقة فضيلة الحلم، إلا أن قدرتى في العام الـ 54 على حل هذه الألغام البشرية أقل بكثير من ذى قبل.

فلم تؤلمنى يوماً معارك كبيرة، وخصوم غلاظ الطبع، لكن أجهدنى التعامل مع صغار، أو الدخول في دهاليزهم وجحورهم وأكاذيبهم، التى لا تنتهى ولا سقف لها من حقيقة أو خجل أو شرف..

عندما كنت فى العشرين، كنت أقول يكفينى أن أعيش حتى الأربعين!! وعندما أصبحت نائباً فى سن الثلاثين قررت أن أتوقف عن العمل النيابى فى سن الأربعين!! وعندما ترشحت لرئاسة الجمهورية فى سن الأربعين، قررت أن أعتزل الحياة السياسية فى سن الخمسين، وعندما تجاوزت عامى الـ 53 أنتظر أن يعود الوطن وأعود إليه لأنفذ قرارى المؤجل إذا كان في العمر بقية.

وأنا أطفئ اليوم الشمعة الـ54 فى عمرى، لا ألبث إلا أن أشكر الله، فقد عشت أكثر ما كنت أتمنى وأنا فى سن العشرين!! فما أكثر الشموع التى أشعلتها، والشموع التى أطفأتها!!

سنوات سجنى وغربتى لم تكن- أصلاً- فى دائرة حساباتى وحلمى، والخناجر التى أغمدوها فى جسدى خلال هذه السنوات العشرة هى أهداف أحرزوها فى شباكى فى «الاستراحة» ما بين شوطى المباراة «!!».

أحسب أن من سجنونى ظلما لو كانوا يعلمون أن سنوات السجن ليست إلا وقتا مستقطعا يضيفه الحكم العدل لمدة المباراة الأصلية.. لما فعلوا ما فعلوه!! لو كانوا يعرفون أننى سأحتفل يوماً بفخر بيوم سجنى وميلادى لما فعلوا ما فعلوا.

أكثر ما يثير أسفى في السنوات الأخيرة هو تدنى مستوى الخصوم وقذارة أدواتهم وأسلوبهم وحقارة معاونيهم من رجالهم ومن رجالهم لدينا..

<.. من المفارقات الغريبة في الحياة، ان أستاذى الذى أراه، وزعيمى الذى لم ألتقيه يوماً، مصطفى باشا النحاس، كان يتمنى أن يرحل عن الدنيا في اليوم الذى رحل فيه زعيمه ورفيق نضاله سعد زغلول، وهو 23 أغسطس !! وقد أستجاب الله لما تمناه النحاس، فمات في نفس اليوم 23 أغسطس !! ومن المدهش أن تلميذ النحاس أستاذى ومعلمى فؤاد باشا سراج الدين تمنى أن يلقى ربه في نفس الشهر، فأستجاب له الله ومات في أغسطس!!

<.. أما صديقى جمال فقد كان يحلم أن يرحل عن عالمنا في يوم ميلاده في يناير، حتى تظل أسرته ومحبيه يذكرون يوم رحيله، فأستجاب له الله وأصبح يوم رحيله 2 أكتوبر علامة فارقة ليس في تاريخه الشخصى، لكن في التاريخ كله..

<.. في 54 عاماً مضت، كان الله دائماً كريماً معى .. فما أقل ما أعطيته بالمقارنة بما حققه الله لى، وحلمى هذا العام، أن يكون رحيلى عن هذا العالم في يوم مولدى، أو في يوم من تلك الأيام التي رحل فيها أناس أحببتهم، وتعلمت منهم، رحلوا عنا، لكنهم معنا إلى أن نلقاهم وسيظلون..

<.. من وحى الـ 54 عاماً .. بات الرحيل على الأبواب .. اللهم احسن خاتمتنا .. ولا تشق علينا .. وأسترنا فيما تبقى من الحياة، وما بعد الحياة

د. أيمن نور

4/12/2018