مظاهرات فرنسا ..درس التاريخ

A protester wearing yellow vest, a symbol of a French drivers' protest against higher fuel prices, stands on the red light on the Champs-Elysee in Paris, France, November 24, 2018. REUTERS/Benoit Tessier TPX IMAGES OF THE DAY

سيد حمدي

 

ما تشهده فرنسا حاليا من غضب شعبي كبير تستدعي الذاكرة معه سلاسل ثورات أوربا في القرنين (19) و(20) والتي يجب على كل مهتم أن يعيد دراستها لاستخلاص الدروس والعبر ، فالسلوك البشري متقارب لحد كبير على مر العصور ..

 

وأظن من المهم الآن ألا ننجرف إلى التفسير السطحي لحالة الغضب الشعبي الذي يتصاعد يوما بعد يوم القائل بأن الغضب مرده إلى ارتفاع أسعار الوقود، والسياسات الاقتصادية التي يتبعها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ..

 

شهدت أوربا في القرنين التاسع عشر والعشرين ثلاث سلاسل ثورات ضخمة كان لها انعكاس في تغيير المشهد العالمي ، ولهذا فكل حراك هناك علينا أن ندرك أن تأثيره لن يطال فرنسا وحدها أو أوربا وحدها ..

 

ثورات 1830 التي اجتاحت أوربا في ثلاثينات القرن المنصرم انطلقت من فرنسا وتحديدا في يوليو وتمكن الثوار من الإطاحة بملك فرنسا شارل العاشر وتصعيد ابن عمه لويس فيليب الأول، ومن فرنسا انتقلت عدوى الثورة إلى معظم أنحاء أوربا ، اللافت والمفيد في هذه السلسلة من الثورات أنها رغم فشلها الكبير في إحداث أي تغيير إلا أنها مثلت حلقة مهمة ضمن حلقات الفعل الثوري فاقد الخبرة ، كان لها فيما بعد أكبر الأثر في إحداث التغيير المطلوب ، فلم تكن الوحدة الإيطالية والوحدة الألمانية بمنأى عن هذه الحلقة التي وسمت بالفشل !

 

وفي صيف عام 1848 شهدت أوربا موجة أخرى من الثورات ، كانت انطلاقتها أيضا من فرنسا ثم انتقلت إلى سائر البلدان الأوربية ، نجحت في بدايتها إلا أنها فشلت في تحقيق ما انطلقت من أجله بالأخير ، صحيح نجح الثوار في فرنسا في تأسيس الجمهورية الثانية خلال أيام ، واستطاع الثوار الألمان طرد ملك بافاريا وهرب الملك وتم تشكيل وزارة وحدث اتفاق على إجراء انتخابات برلمانية ، ونجح الثوار في إيطاليا في صفع العسكر التابع للإمبراطورية النمساوية ، علاوة على إحداث جوهري كبير في مختلف دول القارة العجوز، إلا أن ذلك كله ارتد واستطاع الاستبداد أن يركب أكتاف الثوار مرة أخرى ..

 

أما عن آخر سلسلة من هذه السلاسل (ثورات 1989) فقد كانت ناجحة على كل المستويات ، وذلك لأمرين مهمين ، استفادة الفعل الثوري من خبرات سابقة وتضحيات كبيرة وخطوات مهمة مهدت لنجاحه .. فالسبب الأبرز لنجاح ثورات 1989 التي اجتاحت أوربا الشرقية يكمن في (توحد الهدف ) ، فالجميع سئم من الشيوعية ويريد الانفكاك منها ، حتى لو ألقي به بعدها في النار .

 

السبب الثاني يكمن في اختبار الفعل الثوري بأدوات لا تستنزف الثوار ، فالمجر التي أعلنت عن تخفيف القيود التي كانت تعوق حركة الأشخاص وما نتج عن ذلك من هجرة أعداد كبيرة من ألمانيا الشرقية إلى ألمانيا الغربية عبر المجر ، كان ذلك بمثابة رسالة واضحة لمتخذ القرار السلطوي أن الصدور مشحونة ورسالة للثوار أن الهدف الذي يسعون إليه دقيق للغاية !

 

في السلسلة الأخيرة استطاع الثوار أن يضربوا رأس مستبد رومانيا بالأحذية القديمة ، ويهيل الثوار جدار برلين ، وتبدأ أوربا الشرقية مرحلة جديدة من النمو الاقتصادي والاجتماعي فضلا عن السياسي .

 

اللافت في تلك السلاسل أن هناك أمور تعجل بالنصر وتؤخر من الهزيمة أبرزها توحد الهدف ودقته ، وتهيئة الأرض ، واكتساب الخبرة ، وإدراك أن هزيمة اليوم مقدمة لانتصار الغد إذا أ استفيد من الخطأ وتم تصويبه ، فحلقة ثورات الثلاثينات مثلت حلقة ضرورية أسهمت في نجاح شكلي لثورات 1848 ، ونجاح كلي لثورات 1989 .

 

أيضا إدراك أن عنصر المتغير الخارجي مهم ولا يمكن التقليل من شأنه ، فأمريكا ساعدت أوربا الشرقية لتوحد الهدفين ، كلاهما يريد التخلص من الشيوعية ، وجيوش الإمبراطوريات الأوربية التي كانت تحارب بجانب الجيش الفرنسي وتقتل ثوار فرنسا توحدت هدفها مع هدف المستبد الفرنسي من القضاء على أي ثورة يمكن أن تنتقل لإمبراطورية أخرى مجاورة .

 

ودعم فرنسا لثورة بلجيكا ومخالفتها لكل الدول الأوربية التي رفضت الوقوف جانب الثوار البلجيك لم يكن نابع من حب عاطفي بين المستبد الفرنسي والثوار البلجيك ، بل نابع من منفعة مادية بحتة برزت تجلياتها في رغبة فرنسا في إنشاء دولة محايدة على حدودها تضمن ولائها وللتأكيد على قدرة فرنسا ورد بعضا من هيبتها التي أهينت في فيينا عام 1815

 

وأخيرا من المهم جدا إدراك بعد التماسك الاجتماعي ، فكلما توحدت الأهداف ، وقلت الانقسامات كلما كل الفعل الثوري مقتربا من تحقيق أهدافه ..

 

ولهذا أدركت أن ثورة يناير في مصر لن تؤتي ثمارها وكتبت في 2011 مقالا تحت عنوان ( حتى لا تكون ثورة يناير كسابقتها ) . لافتقارنا إلى خبرة ثورية ، في ظل تشعب الأهداف ، وضعف التماسك الاجتماعي الذي كان يقل يوما بعد يوم ..