د. ياسين أقطاى : تستطيع ارتكاب ما تريد من جرائم لو لديك المال الكافي

لا زلنا نواصل الحديث عن جريمة خاشقجي. ويبدو أننا سنواصل الحديث عنها لفترة أطول بكثير. ذلك أن الجريمة، من ناحية ماهيتها، تتمتع بأبعاد تصل للجميع وتخصهم. لم تكشف كل التفاصيل المتعلقة بالجريمة حتى الآن، وستزيد كل معلومة يكشف عنها حول الواقعة من لهب القضية. كما ستواصل وسائل الإعلام نشر الأخبار عن مواقف الدول بشأن ما حدث. وربما يكون البعض يخشى أن يغلق ملف الجريمة بهذه الطريقة أو تلك وينجو الجاني من العقاب الذي يستحقه.

ولنذكّر سريعا أن الجاني لن يفلت من العقاب أبدا. بل إن هذه المرحلة شهدت دفع مرتكبي الجريمة أغلى ثمن يمكن أن يدفعه أحد بسبب جريمة من هذا النوع. وما دفعوه يعتبر أول مثال على ما سيدفعونه مستقبلا كذلك. لقد فضحوا امام العالم بأسره بسبب هذه الجريمة، حتى أنهم بدؤوا بالتعرض لذل لم يتعرض له مرتكبو أي جريمة حتى هذه اللحظة. فلا يجرؤ أحد حتى على النظر في وجوههم.

وبالإضافة إلى الذل والفضيحة التي تعرضوا لهما، فإنهم تعرضوا للكثير من الخسائر المادية والسلطوية. فلا يغرنكم تمسكهم الشديد بمناصبهم الحالية، فثقل هذه المناصب وقوتها وتأثيرها على المستوى الدولي يتعرض لصدمة كبيرة للغاية.

لا يغرنكم موقف ترامب ولا تعتقدوا أن هذا الموقف سيكون قادرا على حماية الجناة للنهاية. وفي الواقع كان الجميع متلهفا لمعرفة ماذا سيفعل الرئيس الأمريكي إزاء تقرير السي آي ايه، وكان الكل يعتقد أن هذا الموقف سيحدد ملامح التطورات المتعلقة بجريمة خاشقجي. غير أن موقف ترامب راعى منذ البداية، كما كان متوقعا، المصلحة المادية وليس العدل.

لقد صرح ترامب بقوله “تواصل استخباراتنا جمع المعلومات، لكن ربما يكون ولي العهد قد علم مسبقا بنية ارتكاب هذه الجريمة الشنيعة، وربما لم يعلم ذلك” ليكون قد أعلن منذ البداية أنه لن يهتم بنتيجة التقرير وأنه سيراعي المصلحة الأمريكية في المقام الأول.

ولن نخطئ لو اعتقدنا أن هذا الموقف إنما يعتبر موقفا متوقعا من ترامب الذي يمثل التيار البراغماتي الأمريكي التقليدي. ولا يمكن أن ننتظر أن يتحقق العدل من خلال هذا الموقف. بيد أن البراغماتية ليست حكرا على ترامب، بل وليست حكرا على أحد في الولايات المتحدة. وهو ما يعني أن ثمة فائدة كبرى سيحصل عليها منافسو ترامب من خلال الكشف أمام ترامب عن الجانب اللاأخلاقي الواضح من هول جريمة خاشقجي وغض الطرف عنها من أجل هذه الفائدة، فليس لدينا أدنى شك من أن منافسي ترامب سيتمسكون بهذه الفائدة لأقصى درجة. وهو ما يبرهن على أن غض ترامب الطرف عن الجريمة سيكلفه هو أو فريقه ثمنا باهظا.

وعقب التصريح الذي أدلى به ترامب مباشرة، نشرت صحيفة واشنطن بوست، التي كان خاشقجي يكتب مقالات بها، خبرا رئيسيا تشير فيه إلى أن موقف ترامب يعني أن “لو أن لديكم المال الكافي وأنكم مستعدون لتقديمه إلينا، فيمكنكم ارتكاب أي جريمة بالوحشية التي تريدونها”. ولا يخفى على أحد أبدا الضرر الذي تلحقه هذه الحقيقة بصورة الولايات المتحدة على المستوى الدولي أو القيم التي تدعي أنها تمثلها. ومن الآن فصاعدا سيجد كل المستبدين والإرهابيين الجرأة والثقة ليرتكبوا أي جريمة إنسانية يريدونها طالما يقدمون الرشاوى إلى واشنطن.

وفي الواقع يمكن القول إن ما حدث هو ملخص السياسة الأمريكية الخارجية في الشرق الأوسط والعالم بأسره. فمتى علمنا أن أمريكا حاولت إسقاط طاغية فقط لأنه ارتكب جريمة ضد الإنسانية بل ومجازر جماعية؟ فما اهتمت به واشنطن بشأن الجرائم بحق الإنسانية حتى يومنا هذا كان متعلقا بأن مرتكبي تلك الجرائم يعملون بشكل منفصل عنها أو أنهم قدموا له الرشاوى أو الجزية اللازمة.

لكن يمكن التستر على هذه السياسات من خلال الخطابات المنمقة دائما. فالأسطورة الأمريكية تتطور بشكل كبير من خلال هذه الأقنعة. فواقعة خاشقجي والموقف الذي ظهر به ترامب ستنزع هذه الأقنعة وتجبر من يدعمون علانية هذه السياسة ليدفعوا ثمنا سياسيا.

وبطبيعة الحال لا نستطيع القول أن العدالة ستتجلى حتى النهاية، لكن لا شك أنها ستفتح الطريق أمام زلزال سياسي عنيف لدرجة أنه لا مرتكبي الجريمة ولا من تغاضوا عنها أو حموا القتلة سيفلتون من العقاب.

لا يزال هناك من يقول إن الولايات المتحدة أو ترامب هو الذي خطط ونفذ هذه الجريمة لإجبار بن سلمان على دعم بعض السياسات. غير أن إحدى أكثر الحقائق وضوحا من هذا المشهد هي أن تطور الجريمة بهذه الوتيرة يضر ترامب وإسرائيل أكثر من ضررها ببن سلمان نفسه.

ولنطرح هذا السؤال البسيط، فهو كاف جدا للتوضيح: ما الذي طلبته أمريكا وإسرائيل من بن سلمان ولم يقدمه لهما؟

لقد أعلنت وسائل الإعلام والأوساط السياسية الإسرائيلية الصهيونية الحداد منذ واقعة خاشقجي. ولا ليفهم أحد هذا الأمر بشكل خاطئ، فالحزن ليس على خاشقجي، بل على بن سلمان الذي يعتبر حليفا وثيقا لا يمكنهم الحصول عليه سوى مرة واحدة في القرن، ولهذا فيحزنهم كثيرا، وترامب كذلك، ما حدث لولي العهد السعودي.

وربما هم غاضبون لأنهم يعتقدون أنه – بن سلمان – فشل في ارتكاب جريمة بسيطة كهذه، لن يعترضوا عليها أبدا في سرية تامة دون أن يكشف عن نفسه. ولهذا فإن التفكير في أنهم هم الطرف الذي يقف خلف هذه الواقعة التي ستضع حليفا كهذا في موقف لا يحسد عليه يعتبر أمرا في غاية الصعوبة ولا يتخيله عقل بشر.

وخلاصة القول؛ يمكن التغاضي عن الجرائم في مقابل المال، لكن الوضع مختلف في جريمة خاشقجي، إذ إننا أمام وتيرة سيجاب فيها كل من المتستر على الجريمة ومن غض الطرف عنها ومن تلقوا الرشاوى من مرتكبيها.

لا نعلم إلى أي مدى ستمتد هذه الوتيرة، فالأحداث لم تهدأ، ولهذا فإننا سنتابع لنرى ماذا سيحدث.

243 total views, 9 views today