مافيا شركات الأدوية ورحلة المادة الخام من المصانع إلى دماء المصريين

شهدت مصر في الآونة الأخيرة تعرّض بعض المواطنين المصريين إلى مشاكل صحية عديدة بسبب تناول أدوية بها شوائب مسرطنة وغير مطابقة للمواصفات العالمية للاستهلاك، ما دفع وزارة الصحة لسحبها من الأسواق على الفور، فما هي حكاية هذه الأدوية وكيف يتم تصنيعها وهل الدواء الذي يتعاطاه المصريون خالي مطابق للمواصفات 100%؟

تُصّنَع الأدوية في الهند والصين وتدخل مصر دون ملف «دي إم إف» أو دراسة تكافؤ حيوي معتمدة دوليًا، يقول رئيس منظمة “الحق في الدواء” أن 3مستوردين كبار يتحكمون في تجارة المواد الخام في مصر وأن القول القائل أن مصر تصدر الدواء في الخارج هي كذبة كبيرة ف٨٠% من المادة الخام لـ «سوفالدي» تُصنع بالسعودية، ويقول مصدر بالرقابة الدوائية: أن 90% من عينات الأدوية التي تحللها الهيئة لا تلتزم بوجود العينات الأصلية القياسية(الماستر) وهناك14 مركزا لعمل دراسات التكافؤ الحيوي على الأدوية، ليس من بينهم مركز واحد معتمد دوليًا.

تحذيرات رقابية

إذا كنت تستخدم دواء يومي فمن المرجح أنك تبذل قصارى جهدك للحفاظ على وظائف جسمك في حالة عمل صحية ومع ذلك، وجد بعض المرضى الذين يعانون من مشاكل واضطرابات في القلب أنفسهم في الفترة الأخيرة يتناولون أدوية مزمنة تهدد حياتهم مع خطر الإصابة بأورام سرطانية قاتلة.

أثار التحقيق الذي أجرته إدارة الأغذية والأدوية الأمريكية (FDA) بشأن استدعاء أكثر من 50 دواءً مختلفًا يحتوي على دواء يرتبط بالسرطان، علامات الاستفهام بشأن طرق تصنيع الخامات الدوائية حيث تبين احتواء أدوية الضغط التي يوجد بها مادة «فالسارتان» على مادة N-nitrosodimethylamine (NDMA) والتي يتم تصنيفها من قبل FDA على أنها مادة مسرطنة ما يعني أنه يمكن أن يتسبب في تشكل الأورام السرطانية عند مستخدميها، وقد وجد في 55 دواءً مختلفًا تحت اسم valsartan، والذي تم وصفه لمرضى قصور القلب و حالات ارتفاع أو انخفاض ضغط الدم.

وجاء في تحذيرات المنظمات الرقابية الدولية أن الشوائب نتجت عن تغيير في طريقة التصنيع من قبل الشركة الصينية ZhejingLtd Pharmaceuticals Huahai التي تزود بعض المصانع وشركات الأدوية حول العالم بالمادة الفعالة التي تدخل في عملية التصنيع.

يعد قطاع الدواء من أكبر القطاعات المتضررة من قرار تعويم الجنيه نتيجة أن المادة الخام الفعالة المكونة تستورد من الخارج بنسبة 99%، ومن ثم تزداد تكلفة التوريد في ظل غياب وجود مصنع انتاج دوائي وطني في الوقت الذي يجعل استيراد المواد الخام الدوائية من الخارج، الصناعة الدوائية فى مصر تحت قبضة السوق العالمي للدواء، بجانب تحرير سعر صرف الدولار الذي رفع من «تسعيرة الأدوية» الجبرية مرتين.

تصنيع الخامات الأولية الفعالة للأدوية التي تعرف باسم المادة الخام (API’s) Active Pharmaceutical Ingredients هي بمثابة قضية أمن قومي بالمقام الأول وخصوصا ما يتعلق بأدوية الأمراض المزمنة المنقذة للحياة كأدوية السكر والقلب والضغط والكُلى وأدوية الجهاز العصبي وغيرها.

بالبحث توصلنا إلى أن المادة الفعالة «فالسارتان» المستوردة من دولتي الصين والهند، وهي مادة مشابهة بنيكوتين السجائر في درجة السمية، يتم إنتاجها من قبل الشركة الصينية ، ومصنع «هيترو» الهندي (الذي سبق أن أنتج العقار المثيل لدواء السوفالدي الخاص بعلاج مرضى الالتهاب الكبدي الوبائي “فيروس سي”).ويتم انتاج المادة الخام فقط في مصانع الهند
والصين ثم يجري تصديرها إلى مختلف دول العالم، ومنها إلى مصر، وقبل أسابيع تقدم العملاق الصيني المنتج للمادة الفعالة بعقار (valsartan) المستخدم في علاج أمراض ارتفاع ضغط الدم واعتلال عضلة القلب بتحذيرات إلى شركات التوزيع بسحب العقار وعدم توزيعه مجددًا وحذرت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) من تداولها لاحتوائها على شوائب مسرطنة غير نقية لا تصلح للاستخدام الأدمي.

تليف في الكبد 

ووفقًا لوكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA)تتشكل المادة الفعالة للعقار المُحذر منه N-nitrosodimethylamine (NDMA) خلال العمليات الصناعية والطبيعية، حيث كانت تستخدم سابقا في إنتاج وقود الصواريخ السائل، ومضادات الأكسدة، ومواد مضافة إلى زيوت التشحيم، وتبين لدى وكالة حماية البيئة أن ما يعرف عن مخاطر هذه المادة الكيميائية يأتي بالدرجة الأولى من الدراسات المعملية والتي حذرت بأن التعرض لمستويات عالية من NDMA التي وجدت في منتجات (valsartan) يتسبب في حدوث تليف في الكبد عند الأشخاص، وصولًا إلى مخاطر الإصابة بالسرطان على المدى الطويل.

هذا ما دفعنا لفتح ملف المواد الفعالة وكيف يتم انتاجها والدول التي تقوم بتصنيعها وكيف تدخل إلى البلاد في ظل قيام غالبية موردي المواد الخام في مصر بتوريد أردأ أنواع الخامات جودة، وبالتالي الأكثر ربحًا والأرخص سعرًا وقيام أخرين بإستيراد نوعين منهما أحدهما للتصدير والأخرى للتوزيع المحلي.

تسليط الضوء الآن على قصة مادة «فالسارتان» المسرطنة التي دخلت إلى البلاد وتم توزيعها على آلاف المرضى، والشركة الصينية كانت مفتاح الخيط لفتح ملف استيراد المواد الخام الفعالة مرة أخرى، والتعامل بحزم مع إلزام شركات استيراد المواد الخام بتطبيق قرار الوزير السابق الدكتور أحمد عماد الدين الذي يحمل رقم 5 لسنة 2017 بشأن قواعد استيراد الأدوية والخامات والمستحضرات الحيوية وألبان الأطفال والمستلزمات الطبية من الدول المرجعية وغير المرجعية.

المادة الخام

المادة الخام للدواء هي المادة الفعالة (APIS)التي تستخدم في تحضير أي دواء تنتج عن طريق عوامل وسيطة يتم تحويلها إلى منتج نهائي عبر إجراء تفاعلات كيميائية مختلفة تتم في مصانع المواد الخام ويتكون المستحضر الدوائى من شقين: مادة فعالة وهي الدواء نفسه والمكون الأساسي في المستحضر ومواد مضافة لإخراج المادة الفعالة في شكل مستحضر دوائي (مثل الاقراص، الكبسولات) وإضافة خواص ضرورية له مثل خواص تتعلق بالإمتصاص والطعم والذوبان وغيرها.

وكذلك تمر صناعة المستحضر الدوائي على مرحلتين: أولهما مرحلة إنتاج المواد الخام بشقيها (المواد الفعالة والمواد المضافة) من مصاردها الأصلية سواء كانت بترولية أو نباتية أو بيولوجية ومرحلة تصنيع الدواء فى شكله النهائي كمستحضر دوائي.

صناعة المواد الخام هي صناعة مختلفة كليًا عن صناعة الأدوية ومكوناتها ايضًا مختلفة وتُصنع في معامل تسمى المفاعلات، ويتم انتاج ما يقرب من 80% من مادة السوفالدي الموردة إلى المصانع والشركات المختلفة في مصر وعلى رأسها فاركو للأدوية داخل معمل «كاد» السعودي بالرياض.

صناعة المادة الخام هي معادلة كيميائية متكاملة تكون فيها الجودة مرتبطة بوجود الشوائب من عدمه والأمان يعتمد على نوع المذيب، والكفاءة والفعالية ترتبط بنوع البولي مورف المستخدم والذي يكشف كل ذلك الـ DMF المرفق بالخامات الدوائية المستوردة، ودون توفير ذلك الملف يصبح الدواء محل علامات استفهام وشبهات قاتلة.

للمادة الخام بصمة وشهادة تحليل خاصة بها وكل ما يتعلق بمكوناتها مثل تحليل الشوائب والصناعة تعتمد في الاساس على استخدام مذيبات مختلفة لإجراء التفاعلات الكيميائية اللازمة لتحويل العامل الوسيط إلى مادة خام، وبعض المذيبات تُباع بأسعار رخيصة والبعض الأخر باهظ التكلفة وكلما ارتقى مستوى المذيب كلما ضمنت أمان المنتج الدوائي النهائي.

مذيبات رديئة

المذيبات هي أغلى مادة في صناعة المواد الخام في مصانع عدّة بالهند مثلًا يستعملون بنزين (أردأ أنواع المذيبات) ويسبب سرطانات بينما هناك مصانع أخرى أوروبية تستعمل مذيبات مرتفعة الثمن ما ينعكس في النهاية على سعر المادة الخام وفي مصر لا يريدون الإنفاق على المادة الخام، وبالتالي يتم استيراد الخامات بدون DMF ما يعني أنهم يستعملون في تصنيعها مذيبات رديئة تكون نتائجها مسرطنة على المواطنين.

وهذا ما أكده الدكتور أحمد السواح، خبير استراتيجيات الدواء ورئيس مجلس إدارة المركز المصري للحق في الدواء وأحد الأطباء المصريين الذين أشرفوا على تنفيذ المفاعل السعودي «كاد الشرق الأوسط» عام 2013 لإنتاج المادة الخام في المملكة لأول مرة في منطقة الشرق الوسط وشمال إفريقيا.

في محاولة منهم لإحياء صناعة الدواء المصرية وإلحاح وضغط متواصل من المراكز الحقوقية على القائمين على وزارة الصحة في عهد تولي الدكتور طارق سلمان الإدارة المركزية لشئون الصيدلة تم إصدار القرار الوزاري رقم 5 لسنة 2017 الخاص بقواعد ضوابط ومعايير استيراد الأدوية والخامات والمستحضرات الطبية وألبان الأطفال والمستلزمات الطبية من الدول المرجعية وغير المرجعية (دول لديها سلطة رقابية كفء ومعترف بها عالميًا من الجهات الدولية) وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية (WFO) وهيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) ووكالة الأدوية الأوروبية (EMA) وتطبيق معايير الرقابة العالمية.

شروط غائبة

ويشترط أن يقدم ملف التسجيل مستوفيًا كافة متطلبات التسجيل وفقًا لإرشادات الجودة (ICH GUIDLINES) التي تضع معايير ومقاييس الجودة والكفاءة والأمان لأي عقار أو مستحضر دوائي على مستوى العالم وإجراء دراسات الثبات وإدارة مخاطر ممارسات التصنيع الجيدة (GMP) Good manufacturing practice).

كافة الدول المحيطة بنا تسير على المعايير الدولية التي يضعها المجلس الدولي لتنسيق المتطلبات التقنية للمستحضرات الصيدلانية للاستخدام البشري ICH (International Conference on Harmonisation) المسئولة عن وضع معايير الجودة والأمان والكفاءة لأي مادة خام على مستوى العالم وتأثيرها على هيئة الغذاء والدواء الأمريكية وهيئة التشريع البريطانية والإيما الأوروبية الذين يحصلون على المواصفات القياسية للدواء.

خطورة عدم اتباع تعليمات ICH في تصنيع وإنتاج المواد الخام الفعالة تتكون مشتقات انتاج المواد الخام من مذيبات وشوائب ونوع البولي مورف Poly Morph أو تعدد الأشكال في خطوة تحليلية في الانتاج للوصول إلى الكفاءة المطلوبة وهو المركب الكيميائي متعدد الاتجاهات وفي واحدة منها يكون الجزئ المستخدم أعلى فاعلية في المادة الفعالة الذي يكافئ الأصلي.

حبر على ورق

مع موجة أدوية علاج الالتهاب الكبدي الوبائي (فيرس سي) التي دخلت إلى البلاد خلال السنوات الماضية تخوف المركز المصري للحق في الدواء من عدم مطابقة العقار المضاد للفيروسات للمواصفات العالمية تم طرح الأمر على رئيس الإدارة المركزية لشئون الصيدلة بوزارة الصحة آنذاك والذي وافق عليه.

وعن المواصفات القياسية المطلوب مراعاتها قبل تسجيل أي دواء يجب أولًا أن تكون الخامات (المادة الفعالة) مطابقة للمعايير ومرفق بها DMF (The Drug Master File)، حسب نص القرار الوزاري الصادر في 2017 وهو مثل البصمة المتكاملة لنوعية المادة الخام التي يتم استيرادها من الخارج تتضمن قصة حياته بالكامل. المفاجأة التي كشف عنها السواح أن هذا القرار الوزاري الصادر قبل عامين لم يُفعل حتى الآن.

شهادات غير موثقة

كما توصلنا إلى أن المادة الخام تدخل البلاد ويتم شحنها إلى المصانع الدوائية المصرية وتمر عبر الجمارك بشهادتين فقط (صورة شهادة GMP Scientific تفيد بأن المصنع الذي أنتج المادة الخام يُطبق ممارسات التصنيع الجيدة، وشهادة تحليل مضمون Certificate Of Analaysis تتضمن معلومات غير موثقة أو معتمدة) دون أن تكون مرفقة بشهادة الـ DMF ودراسة التكافؤ الحيوي.

تكتفى إدارة التسجيل بوزارة الصحة بما يعرف بـ (GMP)، وهي عبارة عن شهادة عن أسس ممارسة الصناعة الجيدة، وهى ورقتان فقط يحصل عليها المصنع من الشركة الموردة للمادة الخام، ومن السهل جدا التلاعب فيها، كما أنها لا تحوى البيانات التفصيلية عن المادة الخام المستخدمة، وتكلفتها ربع تكلفة ملف الـ (DMF).

ملف «دي إم إف» يحتوي على 200 صفحة ويشمل كافة بيانات المادة الفعالة المستخدمة فى الصناعة مثل الشوائب والمذيبات والبولي مورف وغيرها من التفاصيل الفنية، وشركات الدواء الكبرى هي فقط من تشترى هذا الملف لأنه غير ملزم لها رسميًا، في المقابل لا تلزم وزارة الصحة في مصر الشركات الراغبة في تسجيل أدوية جديدة بتقديم هذا الملف.

التكافؤ الحيوي الغائب

المرحلة الثانية الغائبة في صناعة انتاج المواد الخام تكون بعد الوصول للمنتج النهائي وهي تُعرف باسم دراسة التكافؤ الحيوي Bioequivalence وهي العمود الثاني الذي تُقام عليه صناعة الدواء التي لا يتم الموافقة على أي عقار أو اعتماده دون إجراء هذه الدراسة.

لمراكز التكافؤ الحيوي مصادر اعتماد فلابد أن تكون معتمدة من 4 جهات دولية من منظمة الصحة العالمية وهيئة الغذاء والدواء الأمريكية وMHRA البريطانية وTEG الاسترالية والأردن يوجد به مراكز معتمدة دوليًا ولا يوجد مركز تكافؤ حيوي وحيد معتمد في مصر للتأكد من أن هذا الدواء المتداول في مصر له نفس الكفاءة والفعالية الخاصة بالدواء الأصلي.

كما أن غياب مراكز التكافؤ الحيوي المعتمدة دوليًا حسب محمود فؤاد مدير المركز المصري للحق في الدواء يسهل التلاعب في دخول المواد الفعالة الضارة وهذا أيضا يهدد الاستثمار في مجالات الأدوية أمام الشركات العالمية بما يؤثر على سمعة الدواء المتداول في السوق المصري وستمنع الشركات الجادة من الاستثمار وسوف تعرض صحة ملايين المصريين للأخطار الجسيمة لاحقًا، حيث أن احتمالات الإصابة بالأورام لا تظهر سريعا.

التلاعب

الكارثة هنا في دخول الخامات الدوائية لسنوات طويلة منذ بدء صناعة الأدوية ورغم صدور قرار وزير الصحة السابق لم يفعل ذلك حتى الآن ما يزيد من مرضى السرطان واحتمالات الاصابة بالأورام بصورة كبيرة نتيجة جشع وطمع قلة من المستوردين، وقيل لي حرفيًا من أحد الأشخاص المسئولين عن استيراد المواد الخام بشركة المهن الطبية التابعة لنقابة الصيادلة: «احنا بنستورد نوعيتين واحدة للتصدير مطابقة للمواصفات والثانية للسوق المحلي بدون شهادة DMF مرفقة»، وهذا ما يعني أن صحة المريض الأجنبي أهم من صحة المريض المصري.

يوجد في مصر 14 مركزا لعمل دراسات التكافؤ الحيوي على الأدوية، ليس من بينهم مركز واحد معتمد دوليا، ولا توجد إرادة لعمل مراكز معتمدة، هنا تضطر الشركات الدوائية الراغبة فى التصدير للخارج إلى إجراء تلك الدراسات في دولة الأردن بما يعادل 60 ألف دولار، في حين ثمنها فى مصر 40 ألف جنيه فقط.

في السعودية مثلًا أثناء تصدير الخامات الدوائية هناك ما يعرف باسم الجزء المفتوح (Open Part) الذي يقوم بشرائه المُصّنِع من مصدر تصنيع المادة الخام وهناك جزء أخر سري يسمى الجزء المقفول (Close Part) يحتفظ به المصنع ومن حق جهات التسجيل الحكومية أن تتواصل مباشرة مع المُصنِع وتطلع على هذا الجزء (سر الصنعة وطريقة التصنيع) لتغطية نقاط أساسية قبل تسجيل الدواء.

أدوية غير مطابقة للمواصفات

وأكد مصدر مسئول بهيئة الرقابة والبحوث الدوائية أن 90 % من العينات التي تحللها الهيئة لا تلتزم بوجود العينات الأصلية القياسية العالمية للشركات المعتمدة، لإجراء عمليات التحليل والمطابقة بالمقارنة بالعينات الاصلية، ما يؤدى إلى تمرير المواد المخدرة والمواد الخام غير المطابقة للمواصفات التي تهدد صحة المصريين.

لا يقتصر الأمر عند هذا الحد، ولكن هناك ما يسمى بملفات الدواء التي تتضمن شهادات التركيب أو ما يعرف باسم بيان التصنيع الذي يحتوي على سر خلطة الدواء، للتأكد من مدى فاعليته، إضافة إلى طريقة التحليل للتأكد من درجة أمانه وهذا الملف الدوائي مثل البصمة يتضمن كل المعلومات والتفاصيل التي تخص الدواء والموافقات والتجارب السريرية التي أُجريت عليه، ويتراوح سعر الملف الدوائي ما بين 20 و50 ألف جنيه، ومن بينها بعض مثائل عقار علاج مرض الالتهاب الكبدي الوبائي (فيروس سي) والتي انتشرت في السوق المحلي وتسببت في انتكاسات لمرضى فيرس سي ويتم ضبطها ومصادرتها من حين لآخر من قبل التفتيش الصيدلي وكان آخرهم مستحضر sofoheb 400 mg F.C.T، من إنتاج شركة سبأ الدولية، والذي تم سحب التشغيلتين رقم 17127، و17054، لكونهما غير مطابقتين للمواصفات من حيث الخواص الطبيعية.

عدد من شركات الدواء الصغيرة المعروفة باسم شركات “التول” التي لا تمتلك مصانع انتاجية وتقوم بالإنتاج والتصنيع لدى الغير والتي ما أن تحصل على تراخيص الإنتاج للأدوية تقوم بعملية الاتجار في ملفات الدواء وشراءها وبيعها بأرباح تتخطى 300%، ليتم تسجيله داخل الادارة المركزية لشئون الصيادلة، وما أن ينتهي الترخيص والتسجيل تختفي الشركة من السوق بعد أن تتم مهمتها بنجاح.

مافيا المواد الخام

وعن أبرز المتحكمين في سوق المادة الخام في مصر ذكر السواح أن هناك 3 أشخاص مستوردين يتحكمون في تجارة المواد الخام ليكونوا نوع من مافيا الدواء في مصر يحاربون كل محاولات السعي نحو انتاج المادة الخام وتصنيعها محليًا بأياد مصرية .

وعلى رأس المستوردين للمادة الخام في مصر جورج أمين رئيس المجلس التصديرى للصناعات الطبية، علاء برهان، الشريك وعضو مجلس الإدارة بشركة «فارميد هيلث كير»، وماجد المنشاوي رئيس مجلس إدارة شركة «منا فارما» للأدوية. يوجد في مصر 9 شركات أجنبية، في المقابل يوجد 140 شركة محلية، وتستحوذ الشركات التسع على 58% من السوق الدوائية التي تصل حجم مبيعاتها إلى 40 مليار جنيه.

وهناك شركتين مصريتين إحداهما مملوكة للدولة وهي شركة النصر للكيماويات الدوائية كانت تقوم بإنتاج المادة الخام لـ 15 منتجًا دوائيًا من بينها المادة الفعالة لعقار الإسبرين وتوقفت لأسباب غير معلومة، المصنع الدوائي الأول في المنطقة الذي تم انشائه أثناء العهد الناصري خلال مرحلة النهضة الصناعية في مصر في ذلك الوقت.

وبمرور الوقت تدهورت أوضاع هذه الشركة الرائدة في تصنيع الخامات الدوائية وأصبح انتاجها للمواد الخام الدوائية شبه معدوم وتحولت تدريجيًا إلى مجرد شركة لاستيراد المواد الخام الدوائية من الخارج، أما الشركة الأخرى فإنها مملوكة للقطاع الخاص وهي شركة «فاركو» والتي تقوم بإنتاج المادة الخام لأدوية فيروس سي.

لا يتوقف الامر على هذا فقط بل إن عدم وجود مصانع لإنتاج المواد الخام الدوائية يعتبر عنصر أساسي وراء تدهور البحث العلمي الدوائي بحيث إنه يلزم لاكتشاف أو ابتكار دواء جديد وجود مكان لتصنيع هذه المواد التي ستجرى عليها التجارب، لاختبار فاعليتها وصلاحيتها كدواء ما يشكل عائق إضافي أمام ابتكار أدوية جديدة ويساهم في تأخر البحث العلمي الدوائي ككل.

الحُلم

في ظل اقتصار الصناعة الدوائية في مصر على تصنيع الدواء في شكله النهائي فقط أي أنها لا تقوم بتصنيع المواد الخام الدوائية واستيراد نحو 90% من المواد الفعالة يبقى تساؤل هل هناك إمكانية لنقل تقنية الادوية البيولوجية الى مصر وكيف يحدث ذلك؟

أجاب على هذا التساؤل بالتفصيل الدكتور أحمد السواح الخبير في استراتيجيات الدواء أن الدول المتقدمة تولي رعاية خاصة للنهوض بتلك التقنيات، فعلى سبيل المثال يتم التعامل مع الادوية البيولوجية في الصين من خلال كيان مستقل تحت هيئة الغذاء والدواء الصينية (CFDA) وكذا توفير المنح الكافية للشركات المتخصصة.

كما تقوم العديد من الشركات الهندية والصينية والكورية بالاستفادة التجارية من تلك التقنيات عن طريق نقلها لدول أخرى واستثمار العائد في تطوير المزيد من الادوية الهامة، مثال: أدوية السرطان والمناعة والفشل الكلوي.

تتسابق الشركات العالمية في تطوير تلك الادوية وزيادتها لتحل محل الادوية التقليدية وانعكس ذلك على التكلفة الباهظة التي تترتب على استخدام الادوية البيولوجية والتي لا يقدر المريض البسيط على تحمل تكلفتها، في الوقت الذي تنبهت فيه دول جنوب شرق اسيا مبكرا منذ نهاية التسعينات لهذه الإشكالية وتحديدًا كل من الهند والصين وكوريا الجنوبية واستطاعت تطوير التقنية الحيوية بشكل متدرج ومن ثم انتاج الكثير من الادوية الحيوية المختلفة.

سابقة الاعمال المتكررة في دول أخرى بنجاح وعقد العديد من اتفاقيات نقل التقنية منذ عام 2005 بالعديد من الدول وحتى وقتنا هذا يؤكد أننا قادرون على ذلك، خاصة أن عدم الاستفادة من حجم السوق المصري الدوائي كورقة رابحة وعامل تفاوض مع أصحاب التقنية يعد أزمة بالغة، حيث أن تدرج نقل التقنية سيمثل عاملا استثماريًا كبيرًا لتلك الشركات. وأضاف أن التطور العالمي المذهل للتحول من الأدوية التقليدية إلى الأدوية البيولوجية يستحيل معه الوقوف موقف المتفرج والمستورد فقط، وهناك حتمية اختيار التقنية الموفرة والمتاحة بدول جنوب شرق آسيا مقارنة بما سوف تتكبده الدولة حال لجؤها للشركات المتعددة الجنسيات.

صُنِع في الصين

تعد دولتا الهند والصين من المصنعين الرئيسيين لإنتاج المواد الخام في العالم والولايات المتحدة الأمريكية تستوردها من الهند (40 شركة هندية بارزة 25 شركة صينية).الحل من وجهة نظر رئيس «الحق في الدواء» يكمن في توافر الإرادة السياسية اللازمة للبدء في التصنيع كما حدث في المبادرة الرئاسية الأخيرة، لإنهاء قوائم الانتظار في العمليات وعلاج فيرس سي صدر قرار رئاسي ثم الإرادة في التنفيذ وتفعيل القرار، لإنتاج المواد الفعالة للأمراض المزمنة وغيرها والتكلفة لن تزيد عن  100 مليون دولار.

مصر لا تُصدر المادة الخام للدواء لأنها لا تمتلك DMF وهناك كذبة كبيرة اسمها التصدير يتزعمها أسامه رستم، نائب رئيس غرفة صناعة الدواء بالغرفة التجارية بالقاهرة ووهم كبير، في البداية يجب أن تعرف حجم التصدير كم في المائة من اجمالي الانتاج هناك معايير دولية تحكم ذلك.

في الأردن مثلًا تُصدِر 80% من إنتاجها الدوائي إلى الخارج، بينما في مصر يتم تصدير أقل من 1% فقط .. والسؤال هنا: ما معنى أن تذهب إلى أسواق إفريقيا الفقيرة التي تُحصل منها ملاليم بالمقارنة مع الأسواق الكبرى، ولكن يُطلق عليك اسم مُصدر حين تستورد منك دول كبرى كالسعودية والأردن وأوروبا والدول المحترمة.

هيئة عليا للدواء

«%99 من المواد الخام الخاصة بالدواء تستورد من الخارج».. يقول مازن ماجد المنشاوي، مدير التسويق وتطوير الأعمال بشركة «منا فارما» للأدوية (Mana Pharma) ونجل أحد كبار مستوردي المادة الخام من الخارج الذي اوضح أنه لا يوجد غير مصنع واحد لتصنيع المادة الخام في مصر «النصر للأدوية» ولا توجد الإمكانات التي تجعله يغطي السوق المحلية، وهناك فارق كبير بين إنتاج الدواء وتصنيع المادة الخام.

المنشاوي أوضح أن مراحل التصنيع واحدة وما يجري داخل المصانع الإنتاجية المصرية هو ذاته ما يتم داخل المصانع الدوائية الأمريكية والأوروبية، والمصنع لا يعمل إلا بعد تطبيق تلك المواصفات القياسية ولا يوجد فرق بين الدواء المصري ومثيله الأجنبي، لأن المادة الخام تأتي من نفس المورد سواء في (الصين، الهند، أوروبا، أمريكا)، وتجرى مقارنات بينه وبين «الأوريجيناتور» Originator أو المنتج الدوائي من بلد المنشأ، مرورًا بإجراء «باتشات» تحليلية، ولا يحصل الدواء على إخطار التسجيل إلا بعد مطابقته لتلك المواصفات القياسية.

وبشأن مراكز التكافؤ الحيوي في مصر أوضح أن هناك عدّة مراكز في مصر حاصلة على موافقات عالمية ومعتمدة دوليًا وهي معروفة لكل المصنعين ويتعاملون معها بصورة دورية، رافضا ذكر أحدهم، وهي جزء من عملية التسجيل للمقارنة بين الدواء التي تسجله وبين (الأورجانيك) الرئيسي، للتأكد من مدى مطابقته المواصفات القياسية العالمية ولا يحصل الدواء على إخطار التسجيل إلا بعد مطابقته لتلك المواصفات القياسية، ومثال بسيط لذلك علاج فيروس سي «السوفالدي» الذي نجحت مصر في توفيره للمواطنين بالسعر المحلي، وتعد مصر أقل دولة تُصنع هذا الدواء وفي مصر إمكانيات كبيرة تسمح بالتصنيع والمنافسة.

وطالب المنشاوي بأن تكون هناك هيئة مصرية مخصصة للدواء وتكون متفرغة لملف الدواء، ونحن لسنا أقل من المملكة العربية السعودية والأردن التي أنشأت هيئة خاصة بالأدوية والأغذية مثل الولايات المتحدة الأمريكية، شبيهه بـ «FDA» الذين يتعاملون على أعلى مستويات للتصنيع، ولدينا الكوادر والأطباء والصيادلة القادرين على ذلك، خاصة أن 80% من الصيادلة والأطباء المتواجدين في دول الخليج العربي مصريين.

(تم حذف هذا التحقيق من موقع التحرير بعد نشره بوقت قليل)