الإمارات والصوفية في مصر(5)..هل الصوفية في مصر مستقلة؟

محمد عماشة- المعهد المصري للدراسات السياسية

 

سنناقش هنا مدى استقلالية الصوفية الإماراتية والطرقية من سيطرة الدولة (الإماراتية أو المصرية)، مستخدمين معايير “توفت” الستة: (1) وجود دين رسمي للدولة يعوق الاستقلالية، (2) حماية الحرية الدينية يعضد الاستقلالية، (3) تعيين الدولة للقيادة الدينية يعوق الاستقلالية، (4) وجود رأي رسمي للقيادة الدينية في سياسات الدولة توريط لها ويعوق استقلاليتها، (5) تمويل الدولة للمؤسسات الدينية يعيق استقلاليتها، (6) وأخيرًا، كون المؤسسات الدينية عابرة للحدود يعطيها استقلالية أكبر.

أولًا، حيث أنه يوجد دينٌ رسميٌ في مصر متمثل في الأزهر بطبعته الصوفية (وهو ما تحاول الصوفية الإماراتية استغلال سلطته)، فإن ذلك يعني عرقلة استقلالية الدين (خاصةً الرسمي)، ولأن الطرق الصوفية هي مؤسسة من مؤسسات الدولة وتابعة للخطاب الرسمي، فاستقلاليتها هي الأخرى معاقة بهذا الأمر. ثانيًا، ولأنه لا توجد حريّة دينية في مصر كما هو ظاهر فيما بيّنا من استهداف الخطابات الإسلاموية والسلفية وكل ما هو عكس هوى الخطاب الرسمي، فإن الخطاب الديني في مصر غير مستقل، بل ومرتهن بهوى السلطة. ثالثًا، كل المتحكمين في المشهد الديني الآن (الطيب، جمعة، القصبي، الشريف) معيّن من مبارك (عدا شوقي علام عيّن من قبل مرسي)، وبالتالي فإن ولاءاتهم السياسية لنظام مبارك (الذي تدعمه الإمارات) لها دور في تقويض استقلاليتهم. (لكنه يجدر القول أن تحصين شيخ الأزهر من العزل بالدستور أكسبه استقلالًا كبيرًا في تعامله مع السيسي ووزارة أوقافه في العديد من القضايا التي اختلفوا فيها).

استقلالية الطرق الصوفية أيضًا مقوضة إذ المجلس الأعلى للطرق الصوفية (الذي يشمل أعضاء من خارج البيت الصوفي كوزارة الداخلية) هو الذي يوافق على تعيين وتأديب وعزل مشايخ الطرق الصوفية. (لكنه يجب القول أنه في حين أن مركزية السيطرة عل الطرق الصوفية تقوض استقلاليتها، إلّا أن ما فيها من استقلالية [لا تهدد الدولة] يُستمد من أعرافها وتقاليدها التي ما تزال تحظى باحترام [و إن كان مبارك خالفها ولكنه لم يسلم من المعارضة]، ومن القواعد الصوفية الواسعة التي ليس لها علاقة بالتنظيم الإداري، بل هي علاقة روحية بين الشيخ والمريد).

رابعًا، بالطبع يوجد للأزهر ودار الإفتاء رأي في بعض سياسات الدولة، وهذا يضعف استقلاليتها؛ وهذا واضح في حالات أحكام الإعدام المسيّسة التي يصدق عليها المفتي، ونجده أيضًا في المشادات بين الطيب والسيسي إذ يريد السيسي أن يجبر شيخ الأزهر بكل الأشكال أن يرضح ويقبل بسياسة السيسي (كمثال قضية الطلاق الشفوي الذي لا يريد شيخ الأزهر أن يغير رأي الشرع فيها لهوى السيسي). خامسًا، فالأزهر ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف والمجلس الأعلى للطرق الصوفية معتمدة على الدولة في مواردها المالية بنص القانون، ما يجعل خطابهم أيضًا شديد التابعية؛ والتابعية المادية للإمارات أيضًا منطبقة على كل مؤسسات الصوفية الإماراتية كطابة، و”تعزيز السلم”، و”حكماء المسلمين”، وأمانة دور الإفتاء وغيرها. أمّا سادسًا وأخيرًا، فإن الصوفية الإماراتية لها شبكة عابرة للحدود، لكن هذا لا يكسبها استقلالية كما توقع “توفت”، إذ تلك الشبكة الصوفية العابرة للحدود هي صنيعة دول متحالفة ترى الصوفية حليفًا. (ولعل تعديل النقطة السادسة، كما أسلفنا، يأتي بقول أنه إن كانت عالمية المؤسسة الدينية سابقة على حوسلة الدولة لها، فإن استقلاليتها تكبر). أمّا عالمية الصوفية الطرقية فقد تكسبها استقلالية، لكن الافتقار لروابط تنظيمية عالية بين الطرق وفروعها العالمية تقلل من إمكانية استقلال الصوفية الطرقية، خاصة وهي محكومة بالمجلس الأعلى للطرق الصوفية. الخلاصة هي أن كلا الخطابين الصوفي الإماراتي (أو الرسمي الأزهري الصوفي)، والصوفي الطرقي لا يتمتعان بالاستقلالية.

 

الصوفية الوظيفية: كيف تدعم الصوفية السلطة؟

رأينا كيف تدعم الإمارات (وسلطة الإنقلاب) الصوفية، بَقي أن نرى كيف أنها توظّف هذا الدعم لتثبيت أركانها وتدعيم بقاءها. تقوم الصوفية بثلاث وظائف أساسية كفيلة بدعم بقاء السلطة: الشرعنة (بإكساب الإمارات وسلطة الإنقلاب شرعية سياسية دينية يقبلها الشعب المتدين)، الضبط الاجتماعي (باستخدام الدين لتجريم وتحريم ممارسات المخالفين للسلطة)، والاستقرار الاجتماعي (بالإبقاء على الوضع القائم عن طريق تثبيط روح التغيير السياسي [أو الثورة]).

وإذا بدأنا بوظيفة الشرعنة التي تخدم بها الصوفية السلطة، فإننا نجدها في شكلين: شرعنة لشخوص الحكام كمتدينين، وشرعنة لمواقف الحكام بأنها موافقة للشرع. لو بدأنا بشرعنة شخوص الحكام، فإننا نرى ذلك مثلًا في تكريم جوائز المحبة (فاعلية طابة والجفري) لعبد الله بن زايد كشخصية العام في 2006 لتأسيسه جائزة البردة ، ومحمد بن راشد آل مكتوم في 2008 لإنشائه متحف عن سيرة الرسول. نرى ذلك أيضًا في خلع ألقاب كـ”حبيب الله” على السيسي من أهل الصوفية الطرقية في مصر، والقول بأنه “مؤيد من الله ورسوله” ، بل وأنه “رسول”. يظهر هذا أيضًا في الدعاء للسيسي وأبناء زايد ، وللدعاء للسلطان معنىً رمزي للشرعية السياسية في تاريخ المسلمين. أمّا شرعنة المواقف فظاهر أكثر شيءٍ في شرعنة الإنقلاب.

يُرى هذا مع الطيب الذي وقف بجانب السيسي يوم إعلان الإنقلاب بناءً على القاعدة الشرعية القائلة “بأن ارتكاب أخف الضررين [و هو الإنقلاب] واجب شرعي”. أما علي جمعة فقد كان أكثر حميّةً في تأكيد شرعية الانقلاب، وقد أُحضِر ليحاضر لضباط الجيش حتى لا يزاول أحدهم شكًّا في شرعية ما يقوم به، فيقول لهم: “أنتم على الحق، أنتم على طريق الله”، وأنه “قد تواترت الرؤى على تأييدكم من قبل رسول الله وأوليائه”، فـ”الدين معك، والله معك، والرسول معك، والملائكة”؛ وما جرى في رابعة من مجزرة بدم بارد قد يُتَفَهّم  في إطار الشرعنة التي قدمها جمعة لقتالهم كـ”خوارج”. والجفري هو الآخر يتنقل بين ثكنات الجيش المصري وفي ندواته التثقيفية ليثبت الصف العسكري وراء قائده السيسي لمواجهة الفتن، بل إنه جعل من انتخاب السيسي شكلًا من أشكال الرد من أهالي ضحايا الجيش على قاتليهم.

وإذا تحدثنا عن وظيفة الضبط الاجتماعي نجدها تتم بتجريم وتحريم كل ما يهدد بقاء السلطة، سواء كان هذا بفتوى مباشرة؛ أو بتجريم الخطابات الدينية المعارضة للسلطة، متمثلًا في رفع الشرعية عن الخطابات الإخوانية (بالإضافة للسلفيين [بما فيهم الجهاديين] منافس الصوفية التقليدي) التي هي من أسس الخطاب الصوفي الإماراتي، كما بينّا، وهم يضعون كل الخطابات الدينية المعارضة (الجهادية، السلفية، الإخوانية) في سلة واحدة ما يسهّل ضربهم بخطأ الواحد فيهم. بدايةً بالفتوى المباشرة فهي ظاهرةٌ في طاعة ولي الأمر، وتحريم الخروج على الحاكم (إلا أن يُرى كفرًا بواحًا [و هذا لن يحدث في ظل حاكم يحوسل الدين ويستفيد منه])، كما يؤكد الجفري وجمعة في المنتديات المختلفة. وأمّا تجريم المعارضين فظاهر في تسمية الخطابات الدينية المعارضة بـ”الخوارج” (الواجب قتالهم شرعًا)، والإرهابيين (الواجب محاربتهم قانونًا)، و”التكفيريين” (أعداء المجتمع)، وأنهم “على باطل”، كما نرى في خطابات رموز الصوفية.

ويظهر هذا أيضًا في برنامج “آمنت بالله” للجفري بمواسمه الثلاثة التي بدأت مع الثورة وانتهت بالانقلاب، وقد كانت دحض ممنهج للثلاث خطابات السابق ذكرها؛ خاصة في سنة مرسي، نجد أن الجفري ينتقد ديكتاتورية مرسي تحت مسمى طاعة ولي الأمر من جهة ، وينتقد الديموقراطية (التي أتت بمرسي) من جهة أخرى كآلية لانتخاب ديكتاتور. وهذا أيضًا ظاهر في البيان الذي أصدره علي جمعة والجفري وأسامة الأزهري أيام اعتصام رابعة يصفون دفاع المعتصمين عن شرعية مرسي “حرص [مذموم] على الإمارة”، وأنهم دعاة فتنة وسفك للدماء.

ويتم هذا أيضًا بالتشنيع على العلماء المعارضين وحججهم بأن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، وذلك بإظهاره أنه مداهنة للجماهير “التي لا تقل قبحًا ولا ضررًا ولا إثمًا من مداهنة الحاكم” ، وتصنيف “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” ذو التوجهات الإخوانية كداعم للقتل. وجهود تفكيك تلك الخطابات المعارضة، وبيان خطأها، والرد عليها باسم “الإسلام الوسطي الصحيح” جهود هائلة تشمل آلاف العاملين، ومئات الكتاب والباحثين، وعشرات المؤسسات والمبادرات والبرامج، ومن أمثلتها برنامج المتشددون لعلي جمعة على التليفزيون المصري والتي يشنع فيها على الإخوان وحسن البنا وسيد قطب، كما فعل الجفري والأزهري على تليفزيونات أخرى، ومبادرة سند، ومرصد الفتاوى التكفيرية، وكتاب “الحق المبين في الرد على من تلاعب بالدين” للأزهري.

وإذا ما نظرنا إلى وظيفة الاستقرار الاجتماعي، فنجدها حاضرة في خطاب الصوفية الإماراتية؛ ويتم هذا بترويج قبول الأمر الواقع بذريعة الاستقرار، وبتثبيط روح التغيير السياسي (الثوري)، وتوجيه المعركة التي يجب أن يخوضها العلماء بعيدًا عن السياسة. الاستقرار في خطاب الصوفية الإماراتية رديف “للأمن والأمان”، و”السِّلم”، و”للدولة” و”الجيش”، وهما (أي الدولة والجيش) في خطاب الصوفية الإماراتية وكأنهم ليسوا جهة في صراع، بل بُنى مستقلة محايدة ضرورية للبقاء الاجتماعي.

هذا ظاهر في أقوال الجفري مثلًا في أن الأمن والأمان وتماسك الدولة من حقوق الإنسان أيضًا، حينما سؤل عن تأييده الأنظمة القمعية في المنطقة؛ ويرى أنه من العبث الحديث عن ترف حرية التعبير (“عندما تصبح في أيدي أناس يوظفونها في هدم دول”) في حين الشعوب تبحث عن لقمة، وكأنهما متناقضان. والهدف من منتدى تعزيز السلم ومجلس حكماء المسلمين، كما ينصون هم، “تعزيز السِّلم في المجتمعات المسلمة… [و] المساهمة في تعزيز السِّلم في المجتمعات المسلمة، وكسر حدَّة الاضطرابات والحروب التي سادت مجتمعات كثيرة من الأمَّة الإسلاميَّة في الآونة الأخيرة، وتجنيبها عوامل الصراع والانقسام والتَّشرذم . “

وإذا انتقلنا إلى عملية تثبيط التغيير الثوري، فإنه يتم بالترويج للمنهج الإصلاحي على حساب المنهج الثوري كقول الجفري أن “الإصلاح لا يتم بالمظاهرات” ، وأن مواجهة الظلم تتم بعملية إصلاح قلبي روحاني. أمّا أخيرًا، ففرض الأمر الواقع (السياسي) أيضًا تم بتحويل معركة العلماء من النضال السياسي إلى قضايا غير سياسية كالإلحاد (وسواء إن كان هذا مقصودًا أم لا، فهو في النهاية يصب في هذه الوظيفة). ولوحظ هذا في كلام الجفري في 2012 حينما تكهن أن الإسلاميين (يقصد الإسلام السياسي) سيحاولون وسيفشلون وسيترتب على هذا معركة أهم من السياسة وأهم من دولة الخلافة، ألا وهي معركة الإيمان والشك. وبعد الانقلاب توجه كثير من جهد طابة، الجفري، والأزهري لمواجهة الإلحاد في برامج تليفزيونية (كلحظة سكون للجفري)، ولقاءات تليفزيونية (كالمناظرة مع إسلام البحيري)، وكمبادرة “سؤال” التي كان هدفها مساعدة ذوو الأسئلة الوجودية للوصول لله بكلام معمق.

 

خاتمة

خلصنا في هذا البحث إلى توصيف العلاقة بين الإمارات وسلطة الانقلاب وبين الصوفية في مصر. فبينّا أن تعامل الإمارات مع الخطابات الدينية قائم بما يحفظ بقاءها السياسي، وتعظيم منافعها وتقليل خسائرها. وبينّا أن دعم الإمارات للصوفية ليس حبًّا في الصوفية ولا لأن الصوفية كمسلك روحي لا يمكن أن يشكل تهديدًا سياسيًّا، بل إن السياق حينها قد جعل من مصلحة الصوفية قبول دعم الإمارات لمجابهة هجمات الوهابيين ذوو الدعم المؤسسي الهائل، وجعل من الصوفية الخطاب الإسلامي “المعتدل” المستحق للدعم ضد التيارات المتشددة، كما أملت توجهات سياسات الحرب على الإرهاب فيما بعد الحادي عشر من سبتمبر.

أوضحنا أن مصر فيها خطابان صوفيان: صوفية إماراتية وصوفية طرقية، وكلاهما متصل بالأزهر وقيادته اتصالا عضويًّا؛ ورغم أن كلاهما مساند للسلطة، إلّا أن تعويل الأنظمة على الصوفية الإماراتية أكبر، ويصل الدعم الرسمي لهم ليُمكّنوا من تشكيل الخطاب الديني الإسلامي تحت سلطة نسخة صوفية من الأزهر، بل وليشكلوا الخطاب الرسمي في العالم السني. لكن أشكال الدعم الرسمي للصوفية الإماراتية تشمل أيضًا دعمًا مؤسساتيًّا ضخمًا، هذا غير الدعم غير الرسمي المقدم من الإمارات وسلطة الإنقلاب متمثلًا في المناصب، الجوائز، والتلميع الإعلامي، والتقدير من الحكام. وكذا فإن الدعم المقدم للصوفية الطرقية شمل دعمهم بالمناصب، وإشراكهم في فاعليات كبرى، بالإضافة إلى تغطية إعلامية واسعة لقضايا البيت الصوفي ورموزه. وبهذا الدعم فإننا انتهينا أن الخطاب الصوفي في مصر تعوزه الاستقلالية لحد كبير.

ونهايةّ، وضّحنا كيف أن الصوفية في مصر بشقيها يُدَعِّمون بقاء السلطة بقيامهم بوظائف لازمة لهذا البقاء: كشرعنة تلك الأنظمة (سواءً شخوصها أو مواقفها)، وكالضبط الاجتماعي (سواءً بفتاوى مباشرة توجب طاعة ولي الأمر وتحرّم الخروج عنه، أو بتجريم الخطابات الإسلامية المعارضة للحكام)، وكالاستقرار الاجتماعي أخيرًا (و هو إمّا بجعل الأمن والأمان ذريعة لقبول الأمر الواقع، أو بتثبيط روح التغيير الثوري إلى الإصلاح القلبي الفردي، وتوجيه معركة الدين من الاستبداد السياسي إلى الإلحاد)