الصراع بين السلطة والقضاء

المستشار أحمد سليمان

 

كان من الطبيعى جدا أن يلجأ الانقلابيون إلى تأمين أنفسهم وأعوانهم من المحاسبة أمام القضاء عن الجرائم التى عزموا على ارتكابها من قتل وخطف وتصفية جسدية ، ومحاكمات بناء على تحريات مزورة ، وشهادات زور لقهر الشعب الغاضب الثائر لامتهان كرامته، وإهدار إرادته، والإطاحة بالرئيس الذى انتخبوه، ورفضا لعودة العسكر للحكم ثانية، وهم الذين ذاقوا فى ظله الويلات، ولم يجنوا منه إلا التبعية والتخلف والهزائم العسكرية .

إن كل حاكم مستبد – والانقلابيون هم أشد الناس استبدادا وطغيانا – يحرصون دوما على اختراق القضاء، وأن يكون لهم من بين أعضائه أعوانا لهم يحققون بهم أهدافهم، ويحاولون دوما إخضاع القضاة لهيمنتهم وبسط نفوذهم عليهم بشتى السبل والوسائل، كل ذلك مفهوم ومتصور، ولكن غير المتصور أن يخضع الكثير من القضاة لهذه السلطة وعلى هذا النحو المقيت والمخزى وغير المسبوق ، وأن يصمت عموم القضاة عن المجازر والمظالم التى تقتحم عليهم أعينهم خوفا من بطش هذه السلطة الغاشمة طمعا فى النجاة من بطشها ، أو كسبا لودها وتأكيدا للولاء لها .

كان لابد أن يضمن الانقلابيون عدم محاسبتهم وأعوانهم على مايقترفوه من جرائم ، وضمان معاقبة المناهضين لهم الرافضين لانقلابهم بأقسى العقوبات حتى تستقر الأمور لهم ، وقد ظهرت آثار ذلك التأمين فى عدم محاسبة قوات الانقلاب التى ارتكبت العديد من الجرائم بالإخفاء القسرى والتعذيب والتصفية الجسدية للمتهمين حتى بعد اعتقالهم أو دون ارنكابهم جريمة كسائق وركاب الميكروباس الذين اتهموهم بأنهم قتلة ريجينى ، وشهداء شقة أكتوبر الذين قالوا بعد قتلهم إنهم على صلة بواقعة اغتيال النائب العام ، كما ظهر فى الأحكام الهزلية التى صدرت فى جريمة سيارة الترحيلات ، وكذلك فى أحكام الإعدام والسجن المؤبد التى صدرت بحق المعارضين فى محاكمات تفتقد لضمانات العدالة ، كما ظهرت فى إصدار القانون الذى يوجب موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على محاكمة كبار الضباط عن الجرائم التى وقعت منذ 3 يوليو وحتى انعقاد أولى جلسات مجلس النواب ، ومعلوم أن صدور مثل هذه الموافقة أمر يكاد يكون مستحيلا . .

لايهتم العسكر بطريقة التأمين من المساءلة ووسيلته ، ومدى مطابقتها للقانون ، فهم لايعرفون القانون ولا يحترمونه ولا يخضعون له ، ولايرغبون فى ذلك ، ولايطيقونه .

لقد سمع الشعب المصرى التسجيل الذى يطمَئن فيه السيسى الضباط من المحاسبة عما قد يقع منهم من جرائم .

وقد رأى الشعب المصرى كله قرارات الحبس التى تصدر ضد أبناء الشعب حتى لو كان غلاما حاز مسطرة تحمل شعار رابعة ، أوطبيبة تضع هذه الشارة على ملابسها ، أو من ارتدى قميصا يحمل عبارة وطن بلا تعذيب ، أو من هتف بمصرية الجزيرتين ، أو إسلامية القدس ، وتجديد الحبس فى غياب المتهمين خلافا للقانون ، وعاش متهمون كثر وراء القضبان لسنوات طويلة دون إحالتهم للمحاكمة ودون الإفراج عنهم .

أصدر السيسى وعدلى منصور عدة قوانين أطلقت الحد الأقصى لمدة الحبس الاحتياطى ، وأنتزع جزءا من اختصاص القضاء العادى وأحاله للقضاء العسكرى ، وأعطى المحكمة الحق فى عدم سماع الشهود ، وجعل لمحكمة النقض الاختصاص بالفصل فى الموضوع إذا انتهت لنقض الحكم بدلا من إعادة الدعوى لمحكمة الجنايات مرة ثانية لتفصل فيها دائرة أخرى مجددا .

وفى بداية المحاكمات أعلن عدد من القضاة تنحيهم عن الفصل فى الدعاوى المقدمة لاستشعارهم الحرج ، وإزاء ذلك طلب عدلى منصور القائم على إدارة شئون البلاد بعد الانقلاب تشكيل دوائر تختص بالفصل فى قضايا الارهاب ، وكان له ماأراد ، وتم اختيار مجموعة معينة من القضاة منهم العديد له تحقيقات مفتوحة ضدهم أغلقت قبيل اختيارهم للفصل فى قضايا معينة ضد متهمين معينين ، وبدأت المحاكمات الهزلية التى صادر فيها القضاة أحكام القانون ، وأهدروا ضمانات العدالة وحقوق الدفاع ، وأصدروا أحكاما بالإعدام والسجن المؤبد للمئات استنادا للتحريات التى يجريها أمن النظام وحدها .

كما قام وزير عدل السيسى بإحالة قضاة من أجل مصر للصلاحية لإعلانهم نتيجة انتخابات الرئاسة ، وأحال قضاة البيان الذين طالبوا باحترام إرادة الأمة واحترام نتائج الانتخابات التى أشرفوا عليها واحترام القانون والدستور ونبذ العنف وحقن الدماء للصلاحية أيضا بزعم اشتغالهم وقضاة من أجل مصر بالسياسة ، وانتهى الأمر بعزل العشرات منهم فى محاكمة هزلية صادر فيها مجلسى التأديب حقوق القضاة فى الدفاع عن أنفسهم ، ولم يحققا طعنهم بالتزوير على التحريات رغم تقديمهم مستندات رسمية تكذَب ماورد فيها ، وقد خشى زملاؤهم إبداء أى مظهر من مظاهر استنكار مصادرة حقوقهم فى الدفاع ، أو عدم تحقيق طعونهم ، كما أحال قاض للصلاحية لرفضه الموافقة على حبس متهمين خلت الأوراق من أية أدلة ضدهم ، وقضى لاحقا ببرائتهم أمام محكمة الموضوع ، كما أحال قاضيين لاشتراكهما فى ندوة وفى اقتراح مشروع قانون بمناهضة التعذيب ، فى الوقت الذى تمت فيه حماية الزند واعضاء مجلس إدارة نادى القضاة ورفاقهم الذين فتحوا النادى لحركة تمرد المؤسسة خلافا للقانون والتى ثبت بعد ذلك أنها كانت ممولة من الخارج ، وكان الزند يتولى قيادة فيها ويصدر أوامره لأعضائها ، وحوَل الجمعيات العمومية للقضاة إلى مؤتمرات سياسية يحضرها السياسيون والمحامون والفنانون وهتفوا فى بعضها بسقوط النظام ، وأعلن الزند مرارا على الهواء مباشرة أنه يشتغل بالسياسة ويدعو القضاة للاشتغال بالسياسة ، وطالب أوباما بالتدخل فى شئون مصر ، وقال أنه قائد الثورة المضادة فى القضاء ، وأنه لايوجد قاض فى مصر يستطيع رفع الحصانة عنه لما لمسه من حماية أجهزة ومسئولين يقفون خلفه ويحركونه ويحمونه ورغم ذلك لم يحاسب وتم حفظ البلاغات المقدمة من القضاة والمحامين وعموم الشعب ضده وضد من يلوذون به .

بعدما اطمئن السيسى لاستسلام القضاة وعدم قدرتهم على المقاومة ، بل ومساندة الكثير منهم لنظامه ، وصمتهم على المجازر والمظالم التى تعرض لها أبناء الشعب المصرى والقضاة ، وصمتهم على عزل زملائهم ظلما وعدوانا ، وصمتهم على مصادرة الحقوق والحريات ، وانتزاع جزء من اختصاصهم وضمه للقضاء العسكرى ، وصمتهم على الجرائم التى يرتكبها نظامه من تعذيب وإخفاء قسرى وقتل خارج القانون ، وامتهانهم القانون والدستور ، وصدور الأحكام الهزلية والمحاكمات الصورية التى تتم ، كان من اليسير عليه طعن استقلال القضاء وهو آمن أنه لن يكون هناك رد فعل مقلق له ، ومن ثم استصدر من مجلس على عبد العال قانونا يمنحه الحق فى تعيين رؤساء الهيئات القضائية ، وقد اعترضت جميع الهيئات على هذا القانون لمخالفته لنصوص صريحة فى الدستور، ولكنه لم يعبأ باعتراضهم بعدما أيقن بأن الوضع تحت السيطرة ، وأن الاعتراض هو من قبيل تسجيل موقف ليس إلا ، ومن ثم أصدر عبد العال القانون وصدَق عليه السيسى ونفذه القضاة ، ولم يكن لهم موقف يذكر سوى المجلس الخاص لمجلس الدولة الذى أصرَ على ترشيح أقدم أعضائه المستشار يحى دكرورى رئيسا للمجلس خلافا لما نص عليه القانون غير الدستورى.

فى ظل هذه الهيمنة لم يكن غريبا على السيسى أن ينتزع اختصاص مجلس القضاء الأعلى بتعيين أعضاء النيابة العامة فيعلن أن الأكاديمية الوطنية هى التى ستعين أعضاء النيابة العامة رغم نص المادة 77 مكرر 2 من قانون السلطة القضائية الصادر بقرار بقانون رقم 46 لسنة 1972 والتى جعلت الاختصاص بكافة شئون القضاة وأعضاء النيابة العامة لمجلس القضاء الأعلى سواء ماتعلق بالتعيين أو الترقية أو النقل أو الندب أو الإعارة أو غيرها من سائر شئونهم .

لقد سبق للسيسى ونظامه أن امتهن القانون والدستور عشرات المرات وفى شتى المجالات ، ولم يجد من يتصدى له بعدما أسكن الرعب فى قلوب القضاة ، فلم نعد نسمع لهم صوتا يحق حقا أو يبطل باطلا .

وغدا سينتزع السيسى باقى اختصاصات المجلس فى الترقية والنقل والندب والإعارة وغيرها حتى تصبح السلطة القضائية مجرد إدارة تابعة للسلطة التنفيذية ، وتبقى كسائر مؤسسات الدولة مجرد منفذ لأوامر السيسى ، بعدما فرَط القضاة فى الكثير من اختصاصهم وسلطتهم ، ولم ينتفضوا دفاعا عن القانون والدستور والحقوق والحريات كما انتفض أسلافهم .