شباب السيسي بين الهزل والجد

بقلم قطب العربي

على قدر ما حمله مؤتمر شباب العالم الذي استضافه نظام السيسي في مدينة شرم الشيخ من سفه، وإهدار للمال العام والخاص في غير  محله، في بلد يعاني”العوز” أو “فقير قوى” بتعبير السيسي نفسه، وبقدر ما صاحب هذا المؤتمر كسابقيه من سخرية وتندر على كلمات السيسي وبعض تصرفاته مثل حكاية تدشين النصب التذكاري للإنسانية والذي هو عبارة عن عدة صناديق بلورية، وقف السيسي أمام إحدها كما لو أنه ساحر يناجي بلورة سحرية، وبقدر السفه الإعلامي (السيساوي) لتغطية المؤتمر، وإيهام الشعب أنه أكبر مؤتمرات العالم رغم ان الإعلام العالمي لم يلتفت له، ولم يفرد له أي تغطية، رغم كل هذه الأمور إلا أن من المهم التعامل بجدية مع توجه السيسي نحو الشباب، ومحاولته صناعة رافد شبابي داعم لحكمه داخليا وخارجيا.

يحتفظ السيسي بعداوة متاصلة ضد شباب ثورة يناير الذين أحدثوا تغييرا خارج كل الحسابات، والذين زلزلوا الحكم العسكري الجائم على أنفاس المصريين منذ العام 1952، وتمكنوا من إطاحة رأس هذا الحكم والعديد من أركانه، ورغم أن السيسي كان من الذين استفادوا من هذا التغيير حيث انتقل من موقعه كمدير للمخابرات الحربية إلى وزير دفاع وهو ما مكنه لاحقا أن يقود انقلابا يستولي به على السلطة كلها، إلا أنه ظل يضمر العداء لهذا الشباب، وزاد عداوته لهم بعد مقاطعتهم الواسعة لهزليته الانتخابية في 2014 التي صرخت فيها وسائل إعلامه بسبب خواء اللجان، وكان انتقام السيسي من الشباب واضحا للجميع، عبر القتل والحبس والمطاردة، لكنه مع ذلك ظل يفكر في طريقة لتأسيس جيل خاص من الشباب السطحي غير المعني بقضايا وطنه وأمته، والأكثر اهتماما بالماديات، ويرتبط حصوله على هذه المنافع بارتمائه في حضن السيسي من خلال كيانات يجري إعدادها بهدوء، تستلهم خبرة منظمة الشباب في الستينات، وتستلهم خبرات دولية أخرى في تكوين منظمات أو مجموعات شبابية داعمة للسلطة وتتولى مهمة المواجهة لبقية الشباب الوطني.

قبل عشر سنوات كانت خطة جمال مبارك لتكوين منظمة شبابية (جمعية المستقبل) لا تزال في بداياتها، وقد اتخذت من جامعة القاهرة مقرا لها بالمخالفة لكل النظم والقوانين، ومع ذلك لم تتمكن من تحقيق نجاح كبير رغم كل ما انفق عليها من دعم مالي وسياسي ورعاية حكومية وأمنية، وقد سبقهتا تجربة فاشلة أخرى هي تأسيس أسرة حورس في الجامعات، وكان لها فرع في كل كلية، ولم تغب عن أي جامعة، كان صاحب فكرتها وراعيها هو عبد المنعم عمارة وزير الشباب في عهد مبارك، وقد أغدقت السلطة على تلك الأسر مالم تفعله مع غيرها من الأسر الطلابية بهدف جذب شباب الجامعات لها، وأصبحت حورس تنظيما شبابيا يأخذ الشكل العام من منظمة الشباب، لكنه يختلف عنها في المضمون حيث كانت المنظمة تفرخ شبابا مثقفا، حتى وإن كان مواليا للسلطة ومدافعا عنها، بينما حرص تنظيم حورس على إبعاد الشباب عن الوعي السياسي، وقصر تركيزه على الأنشطة الترفيهية مع جرعة سياسية خفيفة موجهة تجعله حريصا دوما على الإرتباط بالسلطة.

في أواخر التسعينات صاحبت فوجا سياحيا طلابيا (1000 طالب وطالبة) ضمن ما كان يعرف بقطار الشباب الذي ينطلق في رحلة أسبوعية لكل من الأقصر وأسوان، كانت الرحلة كالعادة تضم أغلبية من شباب الجامعات (العاديين) وأقلية من شباب أسر حورس، وكانت هه الأقلية تنعم بميزات خاصة سواء في عربات منفصلة في القطار أو في سكن منفصل في الأقصر وأسوان، وهو ما كان يثير حفيظة بقية طلاب الجامعات (العاديين)، رصدت بكاميرتي وكلماتي سوء سلوكيات شباب حورس، وتمييزهم عن غيرهم من الطلاب، ونشرت ذلك في جريدة الشعب التي كنت أعمل بها، وكانت هذه التحقيقات هي قاصمة الظهر لتنظيم حورس، الذي تم تجميده بعد انتشار فضائحه على ألسنة الطلاب، ولكن جمال مبارك الذي كان يهيئ نفسه في ذلك الوقت لوراثة والده، لم ييأس، فعمد إلى تأسيس جمعية المستقبل، واتخذ لها مقرا رئيسيا داخل جامعة القاهرة، وكان المخطط يقضي بتأسيس فرع للجمعية في كل مدينة مصرية بل في كل قرية او حي، لكن المخطط لم يكتمل بسبب الهجوم الإعلامي الذي تعرضت له الجمعية من قبل الإعلام الخاص الذي ازدهر منذ العام 2005، وجاءت ثورة يناير لتقضي على ما تبقى من تلك الجمعية.

كانت جمعية المستقبل تحاول استلهام منظمة الشباب التي أسسها نظام عبد الناصر في الستينات والتي كانت تقوم بتربية الكوادر السياسية والإدارية وتدفع بها لمراكز صنع القرار، وقد ظل العديد من خريجي منظمة الشباب في سدة المراكز التنفيذية في مصر حتى اليوم، وقد حاول السيسي أن يستلهم تلك التجربة أيضا مع تجنب ما يراه سلبيا فيها وهو منسوب الوعي السياسي الذي كان يتمتع به شباب المنظمة، والذي يخشى السيسي وجوده لأنه يمثل خطرا عليه، فهو عكس عبد الناصر ليس لديه رؤية سياسية محددة متماسكة يستطيع الدفاع عنها، أو تستطيع الصمود في مواجهة أسئلة الشباب، بينما كان عبد الناصر صاحب مشروع قومي تحرري حتى وإن كانت له أخطاء كارثية في التطبيق العملي.

أعلن السيسي عن مبادرته باعتبار العام 2016 هو عام الشباب، ومر العام ولم يفعل فيه شيئا للشباب سوى عقد المؤتمر الأول الذي جمع فيه 2500 شباب انتقاهم من بين 70 ألف متقدم، ووفر لهم إقامة كاملة في فنادق القوات المسلحة في دورات تدريبية استمرت 8 أشهر، ومنذ ذلك الوقت عقد السيسي 5 مؤتمرات شبابية توجها بما يوصف بالمؤتمر الدولي للشباب الذي استضاف 5 آلاف شاب من دول مختلفة، تتحمل مصر إقامتهم وتنقلاتهم بشكل كامل لمدة أسبوع، وليس صحيحا أن تكاليف المؤتمر دفعها القطاع الخاص فقد شاركت بنوك حكومية فيها أيضا، كما أننا إزاء حالة من عدم الشفافية تجعلنا لا نصدق ما يروج عن عدم دفع الدولة مليما واحدا في تكاليف المؤتمر.

يستهدف السيسي صناعة قوة شبابية ناعمة في الداخل والخارج، تساعده في مواجهة الشباب الوطني الواعي الراغب في التغيير، حيث سيكون من مصلحة هؤلاء الشباب الجدد الحفاظ على الوضع القائم، وعدم السماح بتغييره حتى لا يفقدوا امتيازاتهم التي حصلوا عليها، وقد كرر السيسي على مسامعهم في مؤتمره الأخير وما سبقه كلاما كثيرا عن خطورة السعي للتغيير، مكررا أكاذيبه حول أثر ثورة يناير السلبي على استقرار الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في مصر، وهي الرسالة التي يريد إيصالها لكل الشعب المصري عبر هؤلاء الشباب الجدد الذين يحرص السيسي على وجود أعداد منهم في كل حي وقرية، ليتولوا إدارة شئون الحكم المحلي.

يخطئ السيسي بتصوره أنه يصنع من هؤلاء الشباب “خازوقا” جديدا لمن يأتي بعده، فمثل هذه التنظيمات المصطنعة التي لم تولد ولادة طبيعية ولم تنمو نموا طبيعيا تختفي مع النظام الذي استبنتها، ورعاها، بل على الأرجح فإن هؤلاء الشباب “سيتبخرون” فور حدوث أي تغيير كما تبخرت منظمة الشباب، وحورس وجمعية المستقبل، وكما تبخر فدائيو صدام، وكمسمول لينين، ولجان القذافي الثورية، وكل التنظيمات الشبابية المرتبطة بالحكام الطغاة.