جروبى

فى الذكرى العاشرة لإحراق حزب الغد .. من مذكرات د. أيمن نور فى المعتقل

ورقة من مذكراتى في المعتقل (3)

فى الذكرى العاشرة (3/4)

جروبى

 

.. مكتب جروبي، الذي احترق، لم يكن فقط محلاً لعملي ومقرًا لنشاطي، بل كان قطعة من تاريخي الشخصي!!
.. عندما كنت طفلاً صغيرًا، كان أبي.. عضوًا في مجلس الشعب.. ثم مجلس الأمة.. وفي أيام الجلسات، كثيرًا ما كنا نحضر من المنصورة للقاهرة (أبي وأمي وأنا) ليذهب هو لجلساته.. بينما نقضي (أنا وأمي) بعض الوقت في المكتبات الفرنسية بوسط المدينة.. ثم ننهي الجولة في «جروبي» سليمان باشا لانتظار عودة أبي من جلساته!!

.. كنت أشعر بالسعادة الغامرة.. منذ أن ندلف إلي جروبي.. من بوابته الأمامية.. المصنوعة من الفسيفساء الملون، وكانت عيناي تبتهج بمجرد رؤية الرسوم المبهجة التي تكسو هذا المدخل.. استعدادًا لما هو أهم، أي الجولة علي فاترينات عرض الفواكه المسكرة، والشيكولاتة والفونضام، والمارون جلاسيه، وهو ثمرة «أبوفروة» مغموسة في سكر عالي التركيز والتي اشتهر وانفرد بها جروبي حتي سنوات قريبة.

.. كانت تجبرني عند المدخل الأمامي لجروبي وعلي عتبته، كلمة مكتوبة تحت قدميك بالفسيفساء، وبخط واضح، هي: «فقير النحل» سنوات وأنا أسأل نفسي عن معني هذه الكلمة، وهل هي اسم أم فعل أم تميمة؟ لم أجد إجابة طوال أكثر من 35 عامًا، حتي عرفت مؤخرًا، أن الكلمة المكتوبة علي عتبة جروبي تعني خلية النحل!!

.. وعندما انتقلت للإقامة في القاهرة – بدايات الثمانينيات – كنت أكافئ نفسي بالتردد علي جروبي لأملي عيناي وأنشط ذاكرتي بذكريات الزمن الجميل عندما كنت أري في طفولتي كل رموز الفن والثقافة والسياسة في مصر يتوزعون علي طاولات جروبي، وكأنهم بالفعل خلية نحل.

.. تاريخ طويل من التفاعل شهدها هذا المكان، الذي أسسه صانع الحلويات السويسري «جياكوم جروبي» عام1889، عندما اختار هذا الموقع المميز، وشيد هذا العقار علي طراز «الباروك» ليجعل من البدروم ودوره الأرضي مطعمًا ومقهي وليسكن في دوره الرابع والأخير.

.. العديد من الوزارات والحكومات شكلت داخل جروبي، كما شهد العديد من المؤامرات وسقوط شبكات الجواسيس «وكان أشهرها عملية جورج استاماتيو – أحد عمال جروبي – والذي أوقع به وعشرة آخرين الفنان سمير الإسكندراني عام 1960.

.. كما استهدف هذا المكان عام 1954، عندما قالت السلطات إن الإخوان كانت تخطط لنسف جروبي!!

.. والغريب أن السلطات – كما تدعي – استطاعت عام 1954، أن تجهض وتكشف مخطط محاولة نسف جروبي قبل وقوعها، بينما عجزت عن كشف محاولة حرقه عام 2008، رغم أن المحاولة التي تمت صباح الخميس 6 نوفمبر سبقها تحذير وتنبيه من جانبي ومن سجني وكذلك تحرير محضر رسمي 6734 يوم 2 نوفمبر – أي قبل الحريق بأربعة أيام-.

.. الأغرب أن جروبي عام 1954 لم تكن تحاصره سيارات الأمن المركزي ويحتل مدخل عقاره عدد كبير من ضباط الشرطة السريين وضباط أمن الدولة المقيمين، ورغم هذا تمكن الأمن عام 1974 من أن يفعل ما لم يفعله الخميس الماضي 6 نوفمبر 2008.. فأجهض مخططًا لم يكن يعلم بتفاصيله بينما لم يفعل ذلك عام 2008 رغم أننا أبلغناهم بكل التفاصيل أو بالأصح لأنهم هم الذين دبروا وخططوا ونفذوا كل التفاصيل.

.. الذي احترق لم يكن مكتبي، ولا مقري، ولا الجدران التي شهدت مولد حزبي، بل هو قطعة نادرة من تاريخ ومصر وتحفة فنية من أروع كنوز مصر المعمارية!!

.. الذي تورط في هذه الجريمة ليس فقط مجرمًا وخائنًا للأمانة بل الأخطر جاهلاً ومجنونًا!! وكأنه رجل أصاب رأسه صداع فأخرج مسدسه ليطرد الصداع فأطلق النار علي رأسه!!

د. أيمن نور