الإمارات والصوفية في مصر :خرائط الفكر والحركة(1)

 محمد عماشة – المعهد المصري للدراسات السياسية

“في رمضان صيف 2012 أفسدت، دون قصدٍ مني، دعوة قدمها صديقي للحبيب على الجفري ليلقي محاضرة؛ ولم أدرك أني أنا الذي أفسدتها إلّا بعد أعوام. كان هذا بعدما رافقت صديقي لمحاضرة يلقيها الجفري في ساقية الصاوي في القاهرة، حيث كان صديقي على موعد مع الجفري لترتيب المحاضرة؛ وبينما نحن في سيارة الجفري نتبادل أطراف الحديث، ذكرت أحد العلماء المحسوبين على الإخوان، وتبع هذا صمت جعلني أتشكك إن كنت قد ارتكبت خطئًا دون أن أشعر. بعدها بأيام، وجدت منشورًا للجفري ينفي ما جاء في تقريرٍ عن هذه المحاضرة على موقع “إخوان أون لاين” أن الجفري قد أشاد بمحمد مرسي كرئيس للبلاد، لكنني اعتبرت هذا وقتها مجرد تقرير لحقيقة. هذا البحث هو توضيح للأبعاد الحقيقية لهذا الحدث الذي مررت به.”

مقدمة

شهدت مصر ازدهارًا للخطاب الصوفي في السنوات القليلة الماضية، ويرى هذا الازدهار في الترحيب بمشايخهم على الفضائيات بشكل مستمر، والاهتمام المتنامي بأخبارهم في الصحافة، وفي تقلّد بعض رموزهم لمناصب عليا في الدولة، بالإضافة إلى إفساح الطريق أمام فرق الفن الصوفي للانتشار. لكن هذا الانتشار قد تزامن مع تضييق تام لخطابات إسلامية أخرى كالإخوان (أو ما تسمى تجاوزًا بالإسلام السياسي) وبعض الخطابات السلفية.

وفي حين تُرى أصابع السياسة قابعة خلف كثير من الظواهر الدينية، فقد تبنت هذه الدراسة التنقيب عن أثر السياسة على تلك الظاهرة سابقة الذكر. فمشكلة هذا البحث في صميمها تتبعٌ للسياسي خلف الديني، والبرجماتي خلف الأيديولوجي؛ أو بلفظ أوضح وأدق، هي البحث عن أثر السياسة الإماراتية (وبالتالي سياسات نظام الانقلاب) على الخطاب الصوفي في مصر. تكمن أهمية تلك الدراسة أن الأدبيات في هذا الصدد لم تتناول ما سيتم تناوله هنا (خاصة فيما يتعلق بالصوفية الإماراتية)، وأن كل ما توصلنا إليه متعلق بموضوع دراستنا كان في الغالب تقاريرًا صحفية، أكثر منها أبحاثًا علمية.

والأبحاث الموجودة متعلقة بالصوفية الطُرُقيّة في مصر، في حين أن الصوفية الإماراتية أكثر مركزية وأهمية في بحثنا، وهي التي لم يتطرق إليها أبحاث مسبقًا. ونهدف من هذا البحث دراسة العلاقة بين الإمارات والصوفية في مصر ضمن إطار نظري يمكننا من تتبع الدوافع المصلحية، النفعية في العلاقة بين الإمارات والصوفيين في مصر.

نزعم في دراستنا هذه أن ما يحكم علاقة الإمارات (وسلطة الانقلاب) بالخطابات الدينية هي علاقة مصلحية يحافظ بها النظام السياسي على بقائه وتعظيم منافعه وتقليل خسائره؛ وعلى هذا الأساس تتأسس علاقته بالصوفيين. ندّعي أيضًا أن هناك صوفيتان في مصر: صوفية أسميناها الإماراتية، وأخرى طُرُقِيَّة تقليدية (وكلاهما مرتبط ارتباطًا عضويًّا بالأزهر وقياداته)؛ وأن الإمارات ونظام الانقلاب يدعمانهما لمواجهة تهديد سياسي من خطاب سياسي ديني (متمثل في الإسلام السياسي في الأساس)، حتى يصل الدعم إلى تمكين هذا الخطاب الصوفي (خاصة الصوفية الإماراتية) ليكون الخطاب الرسمي في مصر، بل وفي العالم السني. في المقابل، فإن الصوفية تلعب دورًا وظيفيًّا مهمًا لتثبيت أركان هذا النظام السياسي وضمان بقائه عن طريق شرعنته، وتحريم الخروج عليه، والحفاظ على الوضع القائم تحت دعاوى الاستقرار. فهي علاقة تبادل تنتفع فيها الصوفية في نشر أفكارها، وتنتفع بها الدول في تثبيت أركان حكمها.

مقدمة نظرية:

تعتمد هذه الدراسة على الإطار الذي بلوره “جوناثان فوكس” في كتابه مقدمة في الدين والسياسة: النظرية والتطبيق 1، والتي تتلخص في شكل (1).

شكل 1 إطار لفهم الدين والسياسة:

هذا الإطار يرى المعتقدات الدينية هي الحافز الرئيسي خلف أفعال معتنقيها (بما فيها أفعالهم السياسية)، إذ هذا هو الدين نفسه، والذي إن فقد قدرته الذاتية في تحفيز معتنقه على الفعل، فإنه (أي الدين) يفقد واحدة من أهم وظائفه وخصائصه. تلك المعتقدات الدينية هي الأساس الذي تبنى عليه هوية معتنقيها؛ وهي التي تملك سلطة الشرعنة أو نزعها، لاتصالها عند المعتنق بمصدر إلهي، وهي جوهر المؤسسات الدينية التي لولاها (أي تلك المعتقدات) ما كان لتلك المؤسسات هذه السلطة عند أتباعها.

لكن إطار “فوكس” لا يغفل أن الدين يتم استخدامه كأداة مصلحية، لكنه مع هذا لا يتفق مع بعض الافتراضات المستبطنة عند نظريات أخرى (كالوظيفية والفاعل العقلاني) والتي تجعل الدين مجرد أداة يصنعها ويديرها مصلحيين (على غرار قول ماركس “الدين أفيون الشعوب” مثلًا)، بل يذهب “فوكس” إلى أنّ استخدام الدين كوسيلة شرعنه نابع من شرعية الدين المستقرة في مجتمع معتنقيه، والتي هي (أي شرعية الدين) سابقة لحوسلته (بلفظ المسيري). ويضيف “فوكس” لإطاره أخيرًا الصراع بين الدين والعلمانية -القائم في معظم دول العالم- كمؤثر على التفاعل بين الدين والسياسة. ويشير “فوكس” أنّ كلّاً من هذه العوامل تحمل (وتحتاج) في داخلها المزيد من التنظير المفصل.

سنركز في هذه الدراسة على جانب المصالح السياسية ودورها في صياغة التفاعل بين السياسي والديني. وسنستعين بالزوايا التي تتعامل معها نظريات الفاعل العقلاني والوظيفية، ولكن مع الأخذ في الاعتبار ملاحظات “فوكس” سابقة الذكر. يعرض “فوكس” في فصل “الدين العقلاني الوظيفي” من نفس الكتاب عدة نظريات، سنستعرض أجزاء منها، وسنقوم بتركيب تلك الأجزاء في نموذج جديد سنستخدمه لدراسة الظاهرة موضع البحث.

في استعراضه النظرية الوظيفية، أورد “فوكس” أهم الوظائف التي تفسر بها أدبياتها وجود الدين، ويرى أن أهمها لدراسة الظاهرة الدينية/السياسية: الضبط الاجتماعي، والاستقرار الاجتماعي، يليهما الشرعنة والهوية. عملية الضبط الاجتماعي تتم خلال أوامر الدين وقواعده (كحرمة السرقة أو الخروج عن الحاكم) والتخويف من العواقب الدنيوية والأخروية من ذلك، والاستقرار الاجتماعي حاصل من حث الدين على تجنب الفتن (لكن التغيير الاجتماعي وظيفة أخرى للدين، حيث يوفر مسوغات أيدولوجية لحركات ثورية)، والشرعنة تتم بالحديث باسم الإله لإقرار أمور (كطاعة ولي الأمر) أو رفضها، وأخيرًا فالهوية تحصل برابطة العقيدة التي تجعل لأهل العقيدة الواحدة عصبية وتكافل.

ويناقش “فوكس” أهم تطبيق لنظرية الفاعل العقلاني لـ “أنثوني جيل” والتي توضح العلاقة بين الحرية الدينية (ويعرفها بعدم وجود دين رسمي للدولة وعدم التضييق على الأقليات الدينية) والحسابات المصلحية السياسية من قبل كلا السياسيين والمؤسسات الدينية (دون التعرض لأسباب دينية).

ما يهمنا في  نظريته ثلاث نقاط: (1) أهداف السياسيين في سياستهم تجاه الدين تتلخص في: بقائهم السياسي أولًا، ثم تعظيم الدخل وتقليص التكلفة ثانيًا؛ (2) يحاول السياسيون متى أتيحت لهم الفرصة استمالة الدين لدعمهم ويمكنهم في سبيل هذا إعطاء هذا الدين احتكارية متمثلة في كونه دين الدولة الرسمي، وهذه العملية رغم كلفتها إلا أنها أقل كلفة من استخدام القوة للحصول على البقاء السياسي والاستقرار المجتمعي؛ (3) كلما قلت المنافسة السياسية، كلما قل احتياج السياسيين إلى دعم دين معين وإكسابه سلطة الدين الرسمي (و العكس صحيح).

وآخر ما سنورده من نقاش “فوكس” هو تعليقه على نظرية “أنثوني جيل” الذي يؤكد فيه مرة أخرى أنه كما أن للحسابات المصلحية دورًا في مواقف السياسيين (كالبقاء السياسي مثلًا) والمؤسسات الدينية (كالهيمنة الأيدولوجية مثلًا)، فإن للمعتقدات الدينية أيضًا دور كفاعلٍ مستقل في المجتمع والسياسة (إذ الاعتقاد بامتلاك الحق المطلق مثلًا هو الذي يدفع المؤسسات الدينية للسعي وراء مصلحة الهيمنة الأيدولوجية). ولإيجاد وسيلة لمعرفة الوزن النسبي بين الدافع العقلاني المصلحي من جهة والديني من جهة أخرى في فعل المؤسسات الدينية، فإن “فوكس” يضيف ستة أبعاد وضعها “توفت”، ومجموعة من الباحثين معه لحساب مدى استقلالية المؤسسات الدينية في بلد ما:

(1) وجود دين رسمي للدولة يعوق الاستقلالية.

(2) حماية الحرية الدينية يعضد الاستقلالية.

(3) تعيين الدولة للقيادة الدينية يعوق الاستقلالية.

(4) وجود رأي رسمي للقيادة الدينية في سياسات الدولة توريط لها ويعوق استقلاليتها.

(5) تمويل الدولة للمؤسسات الدينية يعيق استقلاليتها.

(6) كون المؤسسات الدينية عابرة للحدود يعطيها استقلالية أكبر.

باستخدام ما سبق نرسم نموذجنا الموضح في شكل (2). لكن قبل هذا يجب أن ننوه أنه يمكن (بل يفضل) الحديث عن تيارات، تفسيرات، أو خطابات دينية بدلًا من الحديث عن الدين كوحدة واحدة. ففي حين أنه قد يفهم من النظريات في هذا المقام أن الدين الواحد يتم التعامل معه كوحدة واحدة كأن تدعم الحكومات مثلًا للمسيحية مقابل الإسلام (ولا خطأ في هذا)، إلّا أن الواقع أكثر تعقيدًا، فنجد أن الدين الواحد يضم تيارات أو خطاباتٍ تتنافس، ويكون للسياسة أيضًا دور مفصلي في دعم واحدة ومعاداة أخرى.

ولذا سيكون حديثنا (خاصة في هذا البحث) عن تلك التيارات أو التفسيرات والتي نعبر عنها بالـ “خطاب”، بتعريفها أنها “طريقة للتعبير عن وفهم العالم (أو جانب منه).”

هذا بالإضافة أننا نعدل العنصر السادس فيما أورده “توفت”، ليكون أن عالمية المؤسسة الدينية تزيد من استقلاليتها في حالة أن عالميتها كانت سابقة عن حوسلتها من قِبل فاعل سياسي، وألّا تكون عالميتها فِعل سياسي مُهَندَس مسبقًا.

شكل (2) يرسم نموذج لتأثير الحسابات المصلحية على تفاعل السياسي مع الديني، بناءً على ما سبق وعرضناه. استهداف الفاعل السياسي لبقائه وتعظيم منافعه وتقليص خسائره تجعله (إلى جانب أمور أخرى كثيرة) يستميل ثم يدعم خطاب ديني ليدعم شرعيته السياسية؛ والأول (أي أهدافه) ثابت، والثاني (أي سعيه لاستمالة ودعم خطاب ديني) متغير تابع يزداد بزيادة المنافسة السياسية التي تصل أقصى درجاتها إن كانت بمسوغ ديني. غاية عملية الدعم هو تمكين الخطاب الديني المدعوم من الدين الرسمي ليشكل احتكارًا وهيمنة دينية (وهو مطلب مغرٍ لمعظم الخطابات الدينية). وبزيادة الدعم أيضًا غالبًا ما تزداد تبعية الخطاب الديني للسياسي وتقل استقلاليته، بناءً على الستة أبعاد التي أوردناها عن “توفت” في الأعلى. هذا بدوره يؤدي إلى مقدار من حوسلة الدين لوظائف كالضبط والاستقرار الاجتماعيين والشرعنة، اللازمين لتقوية قدرة الفاعل السياسي على البقاء وتحقيق باقي أهدافه.

شكل 2 نموذج لتأثير الحسابات المصلحية على تفاعل السياسي مع الديني:

نقاط منهجية في البحث:

نهدف في هذه البحث دراسة الخطاب الصوفي في مصر وعلاقته بالسياسة الإماراتية باستخدام النموذج في شكل (2). وإن كان كل النظريات التي تناولناها قائمة على افتراض قُطري (أو الدولة القطرية)، فإن مستوى تحليلنا يتجاوز الدولة القطرية (الإمارات أو مصر وحدها) ليتعامل مع السياسة المحلية والإقليمية، بل ويشمل أصداء السياسة الدولية عليهما. تحليلنا في الأساس لسياسة الإمارات ليس مصر، لكننا سنوضح فيما بعد كيف أن الإمارات تعتبر فاعل سياسي حقيقي مؤثر على السياسة المصرية بعد الانقلاب العسكري في 2013، وبالتالي فإن مناقشة السياسة المصرية بعد الإنقلاب تجاه الخطاب الديني (الصوفي خصوصًا) سيكون من صميم مناقشتنا للسياسة الإماراتية. أما الخطاب الصوفي في مصر، فهو أيضًا متشابك مع خطاب صوفي إقليمي (وعالمي)؛ وتحليلنا سيتضمن عرضًا مختصرًا للخطاب الصوفي المتعلق بالإمارات عامةً، لكن تركيزنا الأساسي منصب على الخطاب الصوفي في مصر سواء كان خطاب الصوفية الإماراتية أو الصوفية الطُرُقِيّة التقليدية.

ستبدأ الورقة برسم خريطة عامة للصوفية في مصر أوضح فيها الفرق بين الصوفية الإماراتية والصوفية الطرقية التقليدية، ثم أبين خريطة رموز، مؤسسات، وهياكل كلٍّ منهما. يلي ذلك عرضٌ للسياق المفضي لدعم الصوفية، أي تصور الإسلام السياسي كتهديد سياسي/ديني للإمارات في مناخ عالمي لدعم الصوفية لمحاربة “الإرهاب الإسلامي”. بعد هذا أوضح أشكال دعم الإمارات للصوفيين، وأنهي بمناقشة تحول هذه الخطابات الصوفية إلى خطابات وظيفية تقوم بأدوار الاستقرار والضبط الاجتماعي والشرعنة.

الصوفية في مصر: نظرة عامة

الظاهر لنا أن هناك خطابان صوفيَّان في مصر: خطاب الصوفية الإماراتية (وهو خطاب مستحدث)، وخطاب الصوفية الطُرُقية التقليدي (التي تضرب بجذورها في التاريخ)، نورد التمايز بينهما، ثم نفصل فيهما، ثم نشير إلى علاقتهما بالأزهر.

التمايز بين الخطابين الصوفيين الإماراتي والطُرُقي:

السؤال الحقيقي الذي يتبادر إلى الأذهان حول هذا التقسيم هو: هل خطاب الصوفية الإماراتية مختلف نوعيًّا عن باقي الطرق الصوفية، وما هو هذا الخطاب أصلًا؟ السؤال الثاني سنتناوله بالتفصيل في قسمٍ تالٍ، لكننا نبدأ بالإجابة عنه بإظهار اختلافه النوعي عن الخطابات الطرقية. في الحقيقة، رموز الصوفية الإماراتية هم في الأساس أبناء الصوفية الطرقية، ولمعظمهم مشايخ ومريدين لا يختلفون في ذلك عن الصوفية الطرقية. لكن اختلافهما يتبلور في عدة نقاط: النشأة، التنظيم، الجمهور، حيّز الفاعلية، الأدوات، الصورة النمطية، الخطاب، والتفاعل مع السياسة لكلٍّ منهما.

أما النشأة، فنشأة الطرق الصوفية كانت نشأة أهلية في طبيعتها، على عكس الصوفية الإماراتية التي نشأت بأيدي السلطة في الإمارات. فالصوفية الطرقية في مصر نشأت في سياق تطور مدارس الزهد منذ القرون الهجرية الأولى لتواجه واقعًا فاسدًا (يشمل فساد الحكام) فحملت على عاتقها التذكير بأهمية الزهد في الدنيا والانشغال بتزكية النفس. أما الصوفية الإماراتية فنشأت في قصور حكام الإمارات بِدئًا من 2002، حيث استضافوا علماءً صوفيين (طرقيين وغير طرقيين) للمشاركة في محاضرات وفاعليات عربية وعالمية وأغدقوا عليهم باسم تقدير العلماء والاحتفاء بهم4 ، حتى تبلور هذا الخطاب حول أهداف تخدم الإمارات كما تخدم الصوفية.

أمّا الحديث عن التنظيم، فنجد الصوفية الطرقية تنتظم في طرق صوفية لها هياكلها بما فيها من هرمية المشايخ، والوكلاء، والنواب، والخلفاء، والنقباء، والمريدين؛ ويجمع بين الطرق في مصر مشيخة تسمى مشيخة الطرق الصوفية ويدير شئونها (أي الطرق) المجلس الصوفي الأعلى. في المقابل، فإن الصوفية الإماراتية تعتمد على شبكات من العلماء (من مختلف الطرق والمشارب الصوفية) والمؤسسات المهنية المحترفة. وفي حين كانت المأسسة لاحقة على الصوفية الطرقية، فإن المأسسة كانت أساسية لتبلور الصوفية الإماراتية وبزوغها.

وفي حين أن جمهور الصوفية الطرقية هم المريدون والمحبّون الذين يتواجدون في حضرات شيوخ الصوفية، وحلقات ذكرهم، وموالدهم، واحتفالاتهم، وغيرها؛ فإن جمهور الصوفية الإماراتية أوسع بكثير، إذ يشمل العلماء من ناحية والعامة من ناحية أخرى. وإن كانت الصوفية الطرقيّة تركز اهتمامها على المريد، فإن الصوفية الإماراتية تركز على العامة ليصبحوا مريدين صوفيين. فالأولى علاقة شيخ بمريده، والثانية علاقة داعية بالعامة (إلى جانب علاقة عالم بعالم). وهذا مرتبط بحيز الفاعلية، إذ الصوفية الطرقية محليّة الاهتمام والفاعلية (وإن كانت بنت طريقة عالمية)، في حين أن حيز فاعلية الصوفية الإماراتية إقليمي ودولي، وهذا بارز في شبكاتها التي لا تشمل العالم الإسلامي فقط، بل تمتد إلى أوروبا وأمريكا. الأولى قد تنتمي لطريقة عالمية أو للاتحاد العالمي للطرق الصوفية، لكن تأثيرها يبقى في حيز مريديها المحليين؛ والثانية عالميتها جزء من مشروعها الذي تبغي تحقيقه.

و الصورة النمطية للصوفية الطرقية عند الناس عامةً قد يشوبها شبهات البدع والخرافة واستغراب الطقوس، أما الصوفية الإماراتية فصورتها النمطية صورة علمائية إذ أغلب رموزها من العلماء ذوو القدر في الأوساط العلمية. وإذا أتينا إلى الأدوات، نجد أن الصوفية الطرقية تعتمد الأدوات التقليدية من الحضرات، حلقات الذكر، والموالد، واحتفالات الهجرة، ووجودهم على القنوات الفضائية يكون محصورًا غالبًا على علماء الأزهر منهم بصفتهم الأزهرية العلمائية (فتواجد شيوخ الصوفية على الإعلام غالبًا ما يكون لمناقشة قضية أكثر من كونه أداةً للوعظ الصوفي)؛ أما الصوفية الإماراتية فأدواتها احترافية إلى حدٍّ كبير وتشمل الاستخدام المحترف لمواقع التواصل الاجتماعي، القنوات الفضائية، المبادرات، المؤتمرات العالمية، وغيرها.

وفي حين أن خطاب الطرق الصوفية هو خطاب بطبيعته روحاني منصب على تزكية النفس وحب آل البيت، فإن خطاب الصوفية الإماراتية خطاب علمائي فقهي سياسي كما هو خطاب روحاني تزكوي، وذلك للطبيعة العلمائية لرموزها ولانشغالها بالرد على الخطابات السلفية، والجهادية، والإخوانية. وأخيرًا، فإنه وإن كان كلا الخطابان مؤيدان للسلطة، فإن السلطة لا ترتجي من الصوفية الطرقية أكثر من ولاء الطرق ودورهم في الضبط الاجتماعي وسط مريديهم حيث تنتهي حيز فاعليتهم، في حين أن السلطة تهدف أن تجعل للصوفية الإماراتية السلطة الدينية الرسمية لما لهم من حيز فاعلية أكبر، وصورة ذهنية إيجابية، وتواجد في مناصب دينية رسمية، بالإضافة إلى ارتباطهم الوثيق بالسلطة أكثر من الطرق الصوفية. وهنا يجب الإشارة أن رموز الصوفية الإماراتية لم ينشئوا داخلها، بل تلقفت الصوفية الإماراتية بعض الرموز الصوفية المتصلة بالأنظمة الحاكمة لتجعل منهم خطابًا موحدًا، لكنهم في الأساس لهم طرقهم، ومناصبهم، وقيمتهم العلمية.

الصوفية الطرقية التقليدية

في هذه القسم سنحاول إبراز ملامح عامة للصوفية الطرقية التقليدية في مصر وذلك بالحديث عن عددها، وتقنينها، وهيكلتها، وعلاقتها بالسلطة.

بدايةً، تحوي مصر على الأقل بضع وسبعين طريقة صوفية مسجلة ومعترف بها من قبل الدولة ، بالإضافة إلى طرقٍ أخرى غير مسجلة سواء كانت مصرية أو أجنبية. ويزعم البعض أن كل الطرق المصرية في حقيقتها متفرعة من أربع طرق رئيسية: الرفاعية، البدوية، الشاذلية، والقنائية. وقد بدأ تقويض أهلية الطرق الصوفية واستقاليتها بمحاولات تقنينها بأدوات الدولة الحديثة التي أنشأها محمد علي، وذلك بتعيين زعيم لجميع الطرق الصوفية بما في ذلك جميع الزوايا والتكايا والأضرحة، ومنذ ذلك الحين بدأ تنظيم الطرق الصوفية بالقوانين الحديّة للدولة المصرية الحديثة، وليكون أهم جهد تقنيني للطرق الصوفية بعد هذا في قانون رقم (118) لعام 1976 في عهد السادات.

وتتبع هيكلة الطرق الصوفية الحالية ما نص عليه القانون سالف الذكر، فيكون للمجلس الأعلى للتصوف السلطة الأعلى في إدارة شئون الطرق الصوفية، وهو متكون من ستة عشر عضوًا: شيخ مشايخ الطرق الصوفية الذي يعينه رئيس الجمهورية، وعشرة أعضاء من مشايخ الطرق الصوفية منتخبين من الجمعية العمومية لمشايخ الطرق الصوفية، وخمسة آخرين يتم تعيينهم من الجهات التي يمثلونها وهي وزارات الداخلية، الأوقاف، الثقافة، والتنمية المحلية والأزهر. هناك بعض المؤسسات الصوفية الطرقية ولكن ليست ذات ثقل حقيقي،  كنقابة الأشراف التي تُعنَى بدراسة الأنساب والتعارف بين أبناء البيت النبوي (و رئيسها يعيّن من قبل رئيس الجمهورية منذ 1991، ورئيسها الحالي السيد محمود الشريف الذي عينه مبارك عام 2008) ، والاتحاد العالمي للطرق الصوفية (الذي هو في الحقيقة اتحادًا للطريقة العزمية فقط) ، وجمعية علماء الطرق الصوفية، والاتحاد العالمي لعلماء الصوفية (الذي دُشّن في 2012بزخم كبير من صوفية أزاهرة بما فيهم رموز الصوفية الإماراتية، لكن الظاهر أنه لم يستكمل).

عمليات التقنين بشكل طبيعي تؤدي إلى (بل تهدف إلى) إضعاف استقلالية المُقنَّن. وبعدما كانت الطرق الصوفية في مصر أهلية تتمتع باستقلالية عفوية ساعدتها على التعبئة في الجهاد ضد المستعمر الفرنسي مثلًا، كان تقنينها حدثًا فاصلًا في تبعيتها لسلطة الدولة.

وإذا نظرنا للعهد الجمهوري للدولة المصرية، فإننا نجد أن صلات الصوفية بعبد الناصر والسادات ومبارك كانت صلات تعاون وانصياع إلى حدّ كبير. فالصوفية أيدت الأنظمة مطلقًا، ولم تنشأ بينهم اختلافات إلّا في حالات محاولة النظام التدخل في البيت الصوفي بالقسر على غير الأعراف. لكن الاختلافات حتى لم تؤدّ بالصوفيين إلى مناهضة السلطة على كلّ حال. فعبد الناصر عيّن أحدهم كشيخ المشايخ الصوفية على عكس الأعراف ما أثار بعض التوتر الذي لم يتطور بأي شكل، فأيد الصوفية عبد الناصر في حملاته على الإخوان، وخرجوا في مسيرات مؤيدة له بعد التنحي. وكذا الحال مع مبارك الذي عيّن عبد الهادي القصبي، عضو الحزب الوطني آنذاك، لمنصب شيخ مشايخ الطرق الصوفية، قبل الثورة بشهور، بدلًا من علاء أبو العزائم، أكبر المشايخ الصوفية، حسب التقاليد. ورغم الصراع الذي دار بين جبهتي القصبي وأبو العزائم للسيطرة على المجلس الأعلى، فلا يوجد دليل على مشاركة أيٍّ منهما في الثورة. وظلت الصوفية الطرقية موالية لنظام مبارك القديم، فعارضت الإخوان ودعمت انقلاب السيسي.