جورج فريدمان: هل الخبرة وحدها كافية لاتخاذ قرار شن الحرب؟

مقالٌ بنكهة مختلفة، كتبه خبير الجغرافيا السياسية جورج فريدمان، مؤسس جيوبوليتيكال فيوتشرز وستراتفور، تحت عنوان “حدود الخبرة”. يركز على “قرار شن الحرب”، لكنه من منظور أوسع يتناول مسألة أكثر تعلُّقًا بمصائر الشعوب، إذ يخلُص إلى أن: الخبرة وحدها لا تكفي للبت في المسائل شديدة الحيوية- دون التقليل من شأن التجربة- بل ثمة حاجة أيضًا إلى الحكمة.

هل الخبرة لها حدود؟

تتكون الخبرة من المعرفة والتجربة التفصيلية في مجالٍ يسمح لك للقيام بأعمال ناجحة. والأمثلة على ذلك لا حصر لها، بدءًا من الشخص الذي يقوم بإصلاح أجهزة تكييف الهواء وصولا إلى الجراح مرورًا بالمهندس المالي.

وليس هناك شخص عاقل يجادل بأن العالم لا يحتاج إلى الخبرة الفنية. بيدَ أن الأسئلة الأكثر أهمية هي ما إذا كانت الخبرة لها حدود، وما إذا كان الاعتماد المفرط على الخبرة لحل المشاكل وإدارة الشؤون الإنسانية قد يكون أحيانا غير كاف، بل وضار.

هذه ليست مناقشة فلسفية غريبة، لكنها مسألة عملية جدا. في المجال الذي أنا مهتم به، الجغرافيا السياسية، هناك أشخاص يخلعون على أنفسهم لقب “خبراء”. في الواقع، هم خبراء من حيث التعليم والتجربة التي خاضوها في المكاتب الحكومية ومراكز الأبحاث والجامعات.

لكن السؤال هو: هل الخبرة في مجالٍ ما هو أساس الثقة في الخبير الذي يتعامل مع أمور هامة مثل السياسة الخارجية وإصلاح مكيفات الهواء؟

الثمن المحتوم وعواقب الهزيمة

سُئِل أفلاطون عما إذا كان الطبيب الذي لا يعالج مريضه ينبغي اعتباره طبيبا. فكانت إجابته: لا. كانت وجهة نظر أفلاطون أن الاختبار الذي يخضع له الخبير هو تحقيق الغرض الذي من أجله حُصِّلَت هذه الخبرة. إذا فشل، فإنه ليس خبيرًا.

مهمة الرجل المكلف بإصلاح تكييف الهواء واضحة: إصلاح مكيفات الهواء المعطوبة. لكن ما هي الغاية التي يستهدفها خبراء السياسة الخارجية؟ من الواضح أن الجواب هو: تنفيذ سياسة خارجية ناجحة. لكن في حين أنني أعرف كيف تبدو مهمة إصلاح تكييف الهواء، فإنني لا أعرف ما هي السياسة الخارجية التي تبدو جيدة. وحين توظف خبراء في السياسة الخارجية، من الصعب قياس خبراتهم؛ لأن النهاية غير مؤكدة.

الخبراء يعرفون أشياء كثيرة، لكن معرفتهم بـ ”الشيء الكبير”- الثمن الواجب دفعه وعواقب الهزيمة- ليست أكثر مما أعرفه أنا وأنت. الأهم من ذلك أنهم لا يعرفون الشعب مثلما يعرفه الرئيس أو عضو البرلمان.. إنهم لا يعرفون حدود الجمهور، أو احتياجاته، وقبل كل شيء، إرادته.

ألف حفل شواء أم ألف ندوة في هارفارد؟

إن قرار الذهاب إلى الحرب لا يتطلب الخبرة، بل الحكمة. يتطلب تفهُّمًا عميقا للشعب، وهو ما يرجح أن يأتي من سياسي حضر ألف حفل شواء أكثر من شخص حضر ألف ندوة في جامعة هارفارد.

الرؤساء الذين شقوا طريقهم إلى الرئاسة، وأعضاء مجلس الشيوخ والكونجرس الذين شغلوا مقاعدهم لعقود طويلة، يعرفون أكثر بكثير عن الطبيعة البشرية من معظم الخبراء. لذلك، فإنهم يعرفون أيضا المزيد عن كيفية تصرُّف العدو إذا أشعلنا الحرب، وكيف يمكن للشعب أن يتصرف إذا خسرناها.

لا غنى للعالم عن الخبراء الفنيين. لكن أولئك الذين يخلعون على أنفسهم خبراء استراتيجيين (بما فيهم أنا) لم يُحصِّلوا الحكمة المكتسبة بالتجربة الشاقة من كون المرء سباكًا، أو فني تكييفات أو مضاربًا ماليًا.

من يتخذ قرار الحرب؟

الحياة التي عاشها الخبراء ضيقة، مقارنة بالحياة الواسعة التي عاشها السياسيون. هم اضطروا إلى ذلك. وإذا كان قرار الحرب مهمٌ جدا لدرجة ألا يُترَك اتخاذه للجنرالات، فمن المؤكد أنه مهم جدًا أيضًا لدرجة ألا يُترَك لأمثالي وأمثالك. هذا ليس هجومًا على الخبرة. فمعرفة الأشياء التفصيلية أمر ضروري. لكنه دفاع عن الحكمة، خاصة حكمة المؤسسين، وحكمة الشعب، وحكمة ممثليهم. وأظن أن الحروب التي وقعت منذ عام 1945 كانت ستنتهي بشكل مختلف، أو ربما لم تكن شُنَّت، إذا كان الدستور قد احتُرِم، وتُرِكَ الخبراء لممارسة ما يحسنون: الأمور الأقل حيوية.