السلطة فاقدة العقل والرشد والعفة

بقلم محمد الصباغ

لعل أبرز خسائر كل المصريين من إنقلاب 3 يوليو” تموز ” 2013 هو تقييد المجتمع بقيد الأمن ولسنين طويلة قادمة ” ووضع قيود الديكتاتورية المتسلطة ” التي كَسرت في بنية الدولة المصرية بمنتهي العنف والغشم الناتج عن الضربات الهوجاء ؛ و بعد الإعتقالات الأخيرة في هذا الأسبوع من “نوفمبر الأسود ” 2018 التي طالت المزيد من النساء المصريات العفيفات ؛ فإن ما يحدث الآن ليس عملية تقييد فصيل أو جماعة بعينها ؛ بل “قويدة” جماعية لكل الشعب ؛ بما في ذلك الأفراد والجماعات المؤيدة للنظام نفسه . والأشد سوءاً في الأمر أن كافة مؤسسات الدولة والمجتمع المدني قد تعرضت خلال سنوات الإنقلاب العسكري “السيسي” والحكم المتسلط المصاحب لديكتاتورية ” الرجل الذي يشغل مقعد السلطة الأول” للتجريف والتخريب والإفساد العمدي .

ولهذا تأتي نتائج ممارسات مؤسسات الدولة المصرية حافلة بكافة التوضيحات عن النهاية التي سوف تؤول إليها أعمال السلطة المصرية الحالية ، بعد سنوات من السير في طريق الديكتاتورية ذات الخلفية العسكرية والمرجعيات الدينية المهادنة للسلطة والطيعة لها ، سواء في الكنيسة المصرية الأرثوذكسية أو في مؤسسة الأزهر والهيئات الدينية المنبثقة عن النظام ، وهي التركيبة التي جعلت من مصر “دولة فاقدة الرشد ” بقيادة سلطة عسكرية أمنية مستبدة ؛ لا تعقد تحالفاتها إلا مع الأنظمة المشبوهة التي تقوم بمثل جريمة قتل مواطنيها داخل المقرات الدبلوماسية لها في الخارج ؛ وتقوم بجهود ومساعي من أجل إبعاد الإتهام عن القاتل الملكي المتورط .

ووفق تصريح سابق ل “عبدالفتاح السيسي ” نفسه قاله: بعد عامين له في قيادة مؤسسة الرئاسة المصرية : فإن مصر أصبحت “شبه دولة”، وهو تعبير وإن كان غير موفق وغير دقيق ويحتوي علي خلط بَيْن السلطة الحاكمة وبين الدولة ذاتها : فإن مصر “العريقة ” دولة ( تمتلك إمكانات الدولة الإمبراطورية ) ولكن هذا التصريح يكشف ما أصبح واقعا في عهد ” السيسي” وأن مصر الدولة التاريخية أصبح ما لديها : “شبه سلطة رئاسية ” و ” شبه برلمان ” و “شبه حكومة ” و” شبه سلطة قضائية ” بموجب وضع مَفروض يختزل كل هذه السلطات في شخص ومكتب رئيس الجمهورية ، وهيمنة للمؤسسة العسكرية وأدواتها المخابراتية وتحكم المؤسسة العسكرية والشركات المنبثقة عنها في أغلب الأنشطة الإقتصادية في الدولة .

والوضع الآن في مصر ؛ أصبح الظاهر ، فيه وكأن هناك نظام مستقر للحكم يمارس فعل السلطة ولكن الواقع أن الموجود : مؤسسات حكم شكلية ؛ في ظل وجود دستور ـ لم يُحترم من واضعيه ومن السُلطة الخفية القوية ؛ وتجري المحاولات المستميتة من أجل خرق هذا الدستور الغير مطبق من أجل استمرار السيسي في الحكم ؛ لأطول عدد من السنوات القادمة .

وهذا الوضع ” المائل للإنقلاب ” في أي وقت ، يصبح إستمراره فيه هدم لكيان الدولة المصرية وسيخلق تنافرا شعبيا لا يمكن إلتئامه مستقبلا ؛ مهما بذلت الجهود المخلصة ؛ وسيجعل الشعب المصري يبدأ طريق ” التحرر الديمقراطي ” من أوله وعليه أن يدفع فاتورة ” هدم الديكتاتورية ومكافحتها أضعافا مضاعفة .

والحاصل أنه : بعد وجود “السيسي ” في قمة السلطة في مصر ؛ فإن حصاد هذه الفترة من الحكم  قد أفقدت المصريين بعض ما كانوا قد حصلوا عليه من شبع ومن خدمات أساسية ومن حرية نسبية في عهد ” مبارك ” الذي تم تدبير إنقلاب عسكري ضده من قبل المؤسسة العسكرية في 11 فبراير ” شباط ” 2011 والذي يشعر الكثير من المصريين الآن بعد طوابير البطاطس وعدم توافر الطعام للأغلبية من المصريين : بالأسي ، علي الخسارة التي حدثت بعد مفارقة مبارك السلطة ودون أن يفارق السُلطة ، نفس الرجال ونفس الأساليب التي أوصلت مبارك إلي الحالة الديكتاتورية .

وفي تهور واضح ومقامرات سياسية يقوم نظام الحكم الحالي في مصر ؛ في استمرار لجمهوريته “الملكية الشمولية العسكرية ” في قتل وإقتلاع شتلات أي نبتة يمكن زرعها لإنتاج الديمقراطية ، ويقوم هذا النظام القمعي في نفس الوقت بتهميش قيمة النُظم الديمقراطية ، ويسلط كل أجهزة الدعاية السياسية لتعمل علي تسفيه وتشويه التفاعل الديمقراطي في نظر الأغلبية من المواطنيين .

وتقوم أجهزة العمل السري المتوارثة والمستمرة منذ بدأ ” الأنقلاب الأول” في يوليو ” تموز ” 1952 تقوم هذه الأجهزة السرية بهندسة أقلية مُسيطرة ، تتبني خَطابا مؤداه ؛ أن المصريين ليسوا في حاجة إلي الديمقراطية الآن ، وأن الديمقراطية قد تكون عاملا قاتلا للدولة المصرية، وهذا الخطاب يعتمد علي إستمالة أغلبية من “المغفلين والمغيبين ” مع جماعة المغرضين الإنتهازيين ، وهؤلاء يعملون علي إستمرار الرئيس الحالي في السلطة بأي شكل من الأشكال وحتي لو تطور الأمر إلي حد الحرب الأهلية وهدم كل كيان الدولة .

حل المأزق الحالي يستلزم أن تكون : الديمقراطية واجبة ، فهي العلاج المأمون الآثار الجانبية في الحياة الإنسانية و السياسية ؛ خاصة وقد لجأ نظام ” السيسي ” إلي أساليب تم إنماءها في مصر في فترة حكم الرئيس “جمال عبدالناصر” وفي الفترة التي إعتمد فيها “ عبد الناصر “ الأساليب السرية إلي أبعد مدي وكان من ضمن هذه الأساليب السرية خلق علاقة تعاون هو ومجموعته في الحكم مع رجال من المخابرات المركزية الأمريكية وهي العلاقة التي بدأت مبكرة منذ ما قبل الإنقلاب بعامين وقد بدأت في يناير” كانون الثاني ” 1950 وبلغت أوج إزدهارها في نوفمبر” تشرين الثاني ” 1954 وقد صارت الأساليب المخابراتية الأمريكية المنماة في مصر من أجل ” عسكر السلطة ” : جمال عبدالناصر ومجموعة الإنقلابيين الأولي ، هي قاعدة العمل التي لجأ إليها “الإنقلابيون الجدد”” الذين قادهم ” الفريق عبد الفتاح السيسي ” وقد استمر هذا التأسيس الديكتاتوري فاعلا مجدداً إلي الآن والسيسي يسعي لمط فترة رئاسته . ومن ثم كان هذا النهج الديكتاتوري يستلزم رجال ذوي طبيعة خاصة ، بحيث يكونوا قادرون علي الخداع بالنسبة للجماهير ، وفي نفس الوقت هم خُدام طائعون من أجل ” لقمة العيش المقدمة من الديكتاتور “المسيطر علي هذا النظام الديكتاتوري العتيد” ولهذا وفي ظل هذا النظام الديكتاتوري فما خيرُ ” السيسي ” الذي هو ظاهر النظام وباطنه ـ والأمثلة أكثر من الحصر – بين أشخاص ليكونوا مساعدين في إدارة الدولة إلا واختار الفاسد والأفسد من بين المتاح من بين الشخصيات التي تتولي العمل التنفيذي في السلطة .

وفي ظل هذا فقد دُمرت الخَميرة النقية من رجال العمل العام والتنفيذي ومن رجال القضاء ورجال الإدارة ورجال الصحافة والإعلام ، ولم يبق إلي جانب النظام الحاكم إلا ما تطرحه وتربيه الأجهزة الأمنية وأجهزة المخابرات من ” قطعان” مراعي الولاء للسلطة ، وهؤلاء كانوا بالضرورة ذوي نقص أخلاقي ومهني ، واعتمدوا في صعودهم علي مساعدة الأجهزة التي تدعمهم ، وكونهم جاهزون دائما ليكونوا خدامين لكل من إعتلي السلطة ؛ بينما يقوم النظام نفسه بملاحقة الشرفاء وترصدهم ، ليسود الفسدة الخاضعين ، وهي مرحلة لا يمكن أن تستمر إلي مالا نهاية ؛ فإنتهاء النظام بالتدمير الذاتي أو بالثورة الشعبية وارد جدا في مثل هذا الوضع المتنامي في التأزم ؛ والخاسر الأكبر من هذا الإنفجار المتوقع بفعل سياسات النظام وأساليبه هم الأغلبية العددية من المصريين ، وإلي جانب هؤلاء فإن الخسارة ستشمل أيضاً ” المغفليين ” الذين قبلوا أن يتحايل عليهم النظام الذي فشل في أن يقدم لهم أساسيات الحياة الإنسانية وظل يخادعهم بالدعاية المراوغة .