د.نادر فرجاني يكتب: إشكاليات المؤسسة العسكرية والحكم في مصر

CAIRO, EGYPT - OCTOBER 25: Egyptian President Abdel-Fattah El-Sisi (C) gives a speech during the press release following the meeting of the National Defence Council after the Sinai attacks. At least 30 soldiers were killed in attacks. (Photo by Presidency of Egypt/Pool/Anadolu Agency/Getty Images)

د. نادر فرجاني

يهدف هذا المقال إلى فحص محاذير هيمنة المؤسسة العسكرية على الحكم في مصر أولا بمحاولة الإجابة على التساؤل: هل القوات المسلحة في مصر فعلا مؤسسة وطنية منضبطة وعالية الكفاءة؟ ثم يتعرض لتقييم مدى صلاحية المؤسسة العسكرية لقيادة الوطن في المرحلة الراهنة من تاريخه الممتد.

لقد قام الترويج الحكم العسكري في مصر على أغاليط مؤداها أن القوات المسلحة هي عنوان الوطنية المصرية وهي أيضا المؤسسة الوحيدة من أجهزة الدولة التي مازالت متماسكة وتتميز باعتماد الأساليب العلمية وبالكفاءة والإنضباط بينما قد إنهارت جميع أجهزة الدولة الأخري تحت وطأة الإهمال والفساد وأن القوات المسلحة هي “النواة الصلبة للدولة المصرية” وهي “العمود الأخير القائم لخيمة مصر”.

والمغالطة في التبرير يتعين أن تكون واضحة لكل عاقل نظرا لأن المؤسسة العسكرية كانت من أهم القوى التي شكلت نظام الفساد والاستبداد الذي أضر بمصر وشعبها ضررا بليغا لعقود عديدة. ومن ناحية أخرى، فقد دفعت المؤسسة العسكرية برجالها العاملين أو السابقين لتقلد مناصب حاكمة في الدولة وحتى في قطاعي الأعمال العام والخاص و المجتمع المدني، من دون أن تشهد تلك الجهات تحسنا ملحوظا في أدائها، بل شهد بعضها ترديا شديدا بعد تولي القيادات العسكرية.

على معيار الوطنية، تبينَ أن الشريحة العليا من قيادات المؤسسة العسكرية تعاونت مع أجانب لشن إنقلاب على الحكم في مصر وتقاضت في مقابل ذلك ثمنا عشرات مليارات الدولارات لم يفلت منها شيء لتحسين معاش الغالبية الساحقة من المصريين المطحونين، بينما ظل رأسها يدعي الفقر وعدم القدرة ويستغلهما تبريرا للتضيق والتقتير على سواد المصرينن وإحالة حياتهم النكدة أصلا جحيما بغلاء الأسعار الملتهب والُمدار من حكومته تحت دعوى ضبط موازنة الحكم التي لا تخضع لرقابة شعبية على الرغم من روائح فساد تزكم الأنوف. كما تأكد من تصريحاتهم وأفعالهم أن الهم الأول المؤسسة العسكرية الآن هو حماية أمن العدو التاريخي لمصر والعرب الدولة العنصرية الغاصبة إسرائيل. وأنهم لا يتورعون عن التنازل عن ثرولت شعب مصر لدول وشركات أجنبية إكتسابا لمصداقية يفتقدونها في العالم الخارجي، بالرشوة الصارخة وبالتهاون في حقوق الوطن والشعب.

وكانت النتيجة أن انحطت مكانة مصر تحت الحكم العسكري الراهن من موقع الريادة والقيادة إلى دولة تابعة لقوى الرجعية العربية المتهادنة مع المشروع الصهيوني في المنطقة العربية بقيادة المملكة السعودية، بل وتابعة لتوابعها مثل دولة الإمارات الأصغر، ومُستغلة من قبل رأسمالييهاالاستغلاليين.

لذلك كانت أجهزة المؤسسة العسكرية، لاسيما المخابراتية، حريصة على أن تجد من يروج لهذه الأغاليط المروجة للحكم العسكري من بين المحسوبين زورا على النخب الثقافية وتكافئهم بسخاء. وكانت هذه  الحملات تشتد كلما تزايد شعور الشعب بفشل الحكم القائم على سيطرة المؤسسة العسكرية.

مثلا، في 2008 عندما إشتدت موجة النقد والاحتجاج الشعبي على فشل وفساد حكم الطاغية اللامبارك محمد حسني- الذي يعيده الحكم العسكري الراهن، هو وعائلته وبطانته الإجرامية، من قبور السياسة ليتصدروا المشهد السياسي والاقتصاد بالترويج في إعلام العهر المدار من المكاتب العسكرية- حينئذ شنت المخابرات حملة، أظنها كانت مدفوعة الأجر مقدما أو لاحقا، للترويج لحاكم آخر ولكن أيضا من المؤسسة العسكرية، يظنون أن له شعبية، عمر سليمان مثلا أو غيره، بإشاعة المبررات الزائفة الموردة أعلاه. وقد كان من أبرز المروجين لهذه الحملة باحث شاب في الشئون السياسية كان واعدا فيما سبق، كوفئ بعدها بتعيينه مديرا لمركز البحوث في مؤسسة الأهرام. وليس إلا نقيب الصحفيين السابق ورئيس هيئة الاستعلامات الآن والذي تكشف أنه كان أيضا همزة الوصل بين المخابرات وصبية “تمرد”.

الأهم ربما هو أن الخبرة الفعلية لسيطرة المؤسسة العسكرية على الحكم مباشرة قد أظهرت نفيض مبررات الترويج للحكم العسكري. وأن الواقع هو أن المؤسسة العسكرية لم تفلت من الإتهيار الذي أصاب أجهزة الدولة في مصر، بل ربما عانت منه بصورة أعمق وأخطر، ولعل سيطرتها على الحكم وانغماسها الزائد، إلى حد السيطرة، في السياسة والاقتصاد كانت هي سبب تداعي مؤسسات الدولة عامة. وفي كثير من حالات الإخفاق البارزة مؤخرا، لجأت المؤسسة العسكرية لأجهزة الدولة المدنية لتنقذها من عثراتها (مشروع المليون وحدة سكنية، وغرق ناقلة الفوسفات في النيل).

كما تبين أن المؤسسة العسكرية تحت شريحة القيادات العليا الحالية التي لم تحارب أبدا وترعرت في أحضان المعونة العسكرية الأمريكية لمدة ثلاثة عقود، قد تنكبت عن بعض مقومات الشرف العسكري الُمقدرّة، واعتمدت في ظل تصاعد سطوة أجهزة المخابرات ورجالها، أساليب الكذب الفاجر والخداع والتضليل العمدي من خلال إعلام العهر المدار من المكاتب العسكرية والمملوك لحلفاء المؤسسة العسكرية من أصحاب الأموال الضخمة من رجالات النظام الذي قامت الثورة الشعبية لإسقاطه، ولم تفلح بعد.

المدهش فعلا أنهم لا يخجلون من المثابرة على الخداع حتى بعد تكشف خواء الخدعة تلو الأخري بل بنتقلون من خدعة فاجرة إلى واحدة حتى أفجر. ويعينهم على ذلك تهافت الوعي السياسي لكثرة من البسطاء الواقعين تحت سطوة إعلام العهر وقلة من المجاذيب المُؤلّهين لرأس الحكم العسكري الحالي، وبعضهم مأجور لاريب.

الخديعة الأكبر كانت بالطبع هي تعهد قيادات المؤسسة العسكرية قطعيا في 3 يولية 2013 بعدم السعي للحكم، ما دعا البعض، بإيمان يقيني بأن الشرف العسكري ينافي الكذب والخداع، لتأييد تحرك المؤسسة العسكرية للسطو عى الحكم. ولكن سرعان ما جرى التمهيد الصاخب لوثوب كبير ثانٍ للمؤسسة العسكرية على الحكم وعلى جميع مقادير البلد  على صهوة موجة ضخمة من التأييد الماجور، بل ما أُخرج كي يبدو وكأنه تكليف أو إجبار، شعبي صاخب، تكشف فيما بعد أنه مصنوع بحبكة إعلانية وإعلامية فجة ومفضوحة.

قبل ذلك، تحت حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة للمرحلةالانتقالية الأولى، وقد كان الرئيس الحاكم حاليا من أهم أعضائه نفوذا فعليا، وعدت المؤسسة العسكرية علنا بحماية الثورة الشعبية العظيمة ولكن إنصب جل جهدها على خيانة الثورة الشعبية والعمل على إجهاضها، بما في ذلك بملاحقة النشطاء من الشباب وإضطهادهم، حتى القتل غيلة خارج سياق القانون.

وتبنى الحكم العسكري الراهن أسلوب الخداع والتضليل عبر إطلاق فقاعات المشروعات الوهمية الضخمة التي يصدقها ويتمسك بأهدابها الغافلون من البسطاء ولكن تنتهي بالإنفجار مخلفة خسائر جسيمة للشعب والوطن. ولا أريد تعداد تفاصيل هذه الخدع الأشرة فقد تكاثرت كالأعشاب السامة في أرض الوطن. تكفي الإشارة العابرة إلى ثلاث صارخة: جهاز الكفتة لعلاج الإيذز وفيروس سي، ومشروع المليون مسكن، ومشروع القناة “الجديدة”.

وفوق ذلك فقد تمخض مرور أقل من سنة من الحكم العسكري الراهن الآن عن قرائن تبين أن الفشل والفساد والترهل والركاكة والجشع المادي قد تأصلت في المؤسسة العسكرية، خاصة شريحة القيادات العليا. وأمثلة الفشل الناجمة عن الفساد والركاكة هي الأخري عديدة في كوارث تتالى تحت الحكم العسكري وتتسبب المؤسسة العسكرية في بعضها مباشرة. أكتفي بالفشل المتعاظم في تحقيق الأمن بمقاومة الإرهاب، وكارثة غرق الفوسفات الحجري وما يحمل من شوائب شديدة الإضرار بالناس والبيئة (من يورانيوم وكاديوم وغيرها) وتعامي القوات المسلحة عن مسئوليتها عن هذه الكارثة الأخيرة وتركها للأجهزة المدنية للتعامل معها.

وبالمقابل لم تنجح المؤسسة العسكرية، ورديفيها الشرطة والقضاء، إلا في المهام المتعسفة التي تطلبت توظيف القوة الغاشمة للجيش والشرطة في مواجهة المستضعفين من أبناء الشعب، مثل إخلاء الميادين من الباعة الجائلين الذي إنطوى على غبن وظلم شديدين لطائفة من المستضعفين الكادحين من أبناء الشعب الذين استغلتهم السلطة قبلا في مكافحة النشاط الثوري. ومثل تشديد الحصار على أهلنا في غزة والاستبداد بأهلنا في سيناء والتوسع في إخلاء أرض الفيروز من البشر والعمران، وليس إلا حلما إسرائيليا يحققه لها الحكم العسكري، بدعوى مكافحة الإرهاب الذي مافتئ يستفحل بإطراد.

وليس بمسغرب في ضوء تكاثر علامات فشل الحكم العسكري الراهن أن شهدنا في احيان تصاعد نبرة نقد الحكم الراهن من عهار الإعلام المدار، عادة  بالتركيز على سوءات الحكومة وليس الرئيس أو مؤسسة الحكم التسلطي، وإن إخترق بعضهم أخيرا حاجز عصمة الرئبس الحاكم من النقد.

هذه الظاهرة مؤشر لا يجب التغافل عنه على صراع قُوى داخل مؤسسة الحكم والتحالف الساند له لا يستبعد التخلص من واجهته الحالية. وظني أن المؤسسة العسكرية سترغب في إستبداله بواجهة أخرى من أصل عسكري أيضا بدلا منه، بالضبط كما فعلوا مع الطاغية المخلوع في بدايات فبراير 2011.

وليس هذا بتطور مواتِ لنيل غايات الثورة الشعبية العظيمة. فلا صلاح ولا نهضة في مصر إلا بالقضاء على الحكم العسكري قضاء مبرما والعمل على إقامة الحكم الديمقراطي السليم في دولة مدنية حديثة، لا عسكرية ولا دينية.

هذا هو سبيل نيل غايات الثورة الشعبية العظيمة في الحرية والعدل والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية للجميع على ارض مصر.

ومن ثم يتعين أن يكون الهدف المرحلي للنضال الوطني الديمقراطي حاليا هو التخلص من الحكم العسكري وأي شكل آخر من الحكم التسلطي، وليس مجرد إحلال وجه عسكري محل آخر، ولو لفترة يروجون أنها إنتقالية ويعملون على أن تدوم.

(2) هل تصلح المؤسسة العسكرية الراهنة لقيادة الوطن؟

التساؤل الثاني الذي يطمح هذا المقال للإجابة عليه هو: هل تصلح المؤسسة العسكرية الراهنة لقيادة الوطن على سبيل نيل غايات الثورة الشعبية العظيمة، في الحرية والعدل والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية للجميع على أرض مصر؟

لا ريب عندي في أن جيش جنرالات المكاتب والمؤامرات الذين لم يحاربوا قط ويتاجرون بدماء الجنود المساكين المغلوبين على أمرهم لم يحقق نصرا ولو على أرضه، ولن يحقق.

التغييرات المتتالية في قيادات القوات المسلحة، المخابرات تعبر في ظني، دعك من الأكاذيب الرسمية المنمقة، عن إرتباك شديد وإعتراف بالفشل في حروب الجيش على الجبهتين الداخلية (سيناء) والخارجية (عاصفة السعودية العدوانية على اليمن).ما لا تدركه قيادات المؤسسة العسكرية وعلى رأسها الحاكم المتسلط أن مجرد التغيير في القيادات، وترقية القيادات الفاشلة، لن يكفي لتحقيق النصر كما لم يفلح في السايق في درء مخاطر الإرهاب الذي يقوى ويشتد عوده باطراد.

فشريحة القيادات كلها في القوات المسلحة قد ترهلت، وإنهارت عقيدتها القتالية بعد ثلاثة عقود من التدجين من خلال العلاقة الخاصة بالولايات المتحدة، والصداقة تحت شعلر السلام الدافئ مع العدو الأصيل-الدولة الغاصبة العنصرية إسرائيل- وبسبب إنغماس القوات المسلحة في السياسة طمعا في الحكم، وفي الاقتصاد طمعا في مغانم مالية ضخمة لشريحة القيادات، وتغليب أسلوب المتاجرة بدماء الجنود المساكين لصالح الشريحة الضيقة من القيادات المستغِلة لجموع الضباط الصغار والجنود في سعيها الإرتزاقي لخدمة  الحكم التسلطي الفاسد والرجعية العربية ومنافحة المد التحرري العربي في عموم الوطن العربي.ولن تستعيد القوات المسلحة لشعب مصر قدرتها على تحقيق أهداف الوطن إلا بعد أن تبرأ من هذه العلاّت جميعا.

السؤال التاريخي بحق هو: هل تستطيع شريحة القيادات الحالية إنجاز هذه المهمة العلاجية باقتدار؟

أشك!

ولذلك فإن الموجة التالية من الثورة الشعبية العظيمة يتعين، بالإضافة لتأسيس الحكم الديموقراطي السليم، أن تصلح المؤسسة العسكرية بعزل شريحة القيادات الحالية جميعا وإحالة من إرتكب منها جرما في حق الثورة الشعبية إلى محاكمات ناجزة ومنصفة، ووضع برنامج لتدريب جيل جديد من القيادات العسكرية المؤهلة علميا بكفاءة ويتبني عقيدة  الحرب من أجل خدمة الوطن وشعوب الأمة العربية وليس الحكام العرب المتسلطين الفاسدين والممالئين للمشروع الصهيوني.

  • كلكم لصوص الجيش ومن يقال عنهم مثقفون او احزاب مدنية وكلكم لا تريدون الا ديمقراطية علي مقاسكم بدليل انك في مقالك تريد ان تهمش ما لا يقل عن نصف الشعب بقولك فاشية دينية وفي الحقيقة هي فاشية علمانية ولم تقل نحتكم الي الشعب ويختار مايريد بلا اغراءات او ضغوطات كما هو الحال في كل البلاد التي اختارت الديمقراطية اسلوبا للحياه والسؤال هو ماذا عن اكبر كتلة تصويتية في مصر ( الاخوان ومحبيه ) ملحوظه : انا لست اخوانيا ولكنه سؤال يجب ان يطرح اقول وبكل صراحة لن ينتشل مصر من واقعها المرير الا اناس لا يخافون الا الله

Comments are closed.