حمدي قنديل و”نعي شهيد”

هشام يونس

في عام 2004 استشهد صديق فلسطيني في قطاع غزة من عائلة “أبولبدة” على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي وكانت أسرته تعيش في القاهرة وقرروا إقامة عزاء في أحد مساجد مصر الجديدة ونشر نعي في الأهرام.

تواصل أشرف شقيق الشهيد معي لنشر النعي ولما توجهت به لإدارة الإعلانات رفضوا كتابة وصف الشهيد قبل اسم الشاب الراحل.. وبعد مناقشات لم تنجح في تمرير الإعلان، توجهت إلى الراحل العظيم الأستاذ عبدالوهاب مطاوع وكان رئيس الدسك المركزي بالأهرام لأطلب تدخله.

في ثوان معدودة ودون شرح كان توقيع الأستاذ عبدالوهاب بموافقة صريحة يتصدر نعي الشاب الراحل مسبوقا بوصف الشهيد على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، وتم النشر.

في ليلة العزاء دخلت القاعة فوجدت الأستاذ حمدي قنديل يجلس على مقعد قريبا من الباب في أول القاعة فتوجهت إليه وسلمت عليه وجلست إلى جواره، وبعد دقائق فشلت فيها في مقاومة فضولي الصحفي والإنساني، سألت الأستاذ حمدي قنديل إن كان يعرف الشهيد أو أحدًا من عائلته، ولذلك أتى لأداء واجب العزاء.

فاجأني الأستاذ حمدي قنديل بأنه لا يعرف الشهيد أو أي من عائلته وأنه أتى لأنه قرأ النعي في جريدة الأهرام، وأن هذا واجبه وأقل ما يمكن أن يقدمه لشاب دفع حياته في انتفاضة شعبه الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال.

رويت له على عجل قصة رفض نشر نعي الشهيد وكيف تم حل المشكلة.. فقال لي: الأستاذ عبدالوهاب راجل محترم وكويس إنك ما سكتش لأني ما كنتش هعرف لو ما تمش النشر”.. وأنهى همسه: “الشهيد بيخوفهم حتى وهو ميت”.

اليوم نشيع الراحل الكبير الأستاذ حمدي قنديل الذي عاش طريدا من الأنظمة العربية بكلماته الباحثة عن الحقيقة وصوته الذي لا يهادن ضد الفساد والقمع والديكتاتورية.

اليوم نشيع الإعلامي الذي عاش بيننا شهيدا للمباديء وللإمساك بالجمر في زمن النخاسة والمسخ وبيع الثوابت العربية.

اليوم رحل الكبير حمدي قنديل بعد أن تمكن تحالف الفاسدين وعديمي الموهبة من السيطرة على الساحة الإعلامية وتولى أمرنا صغارنا، وتوارت القيمة، وتقدم النفاق في الصف الأول، وتم حبس المهنية-إن لم يكن وأدها- بسبب اعتبارات الأمن (غير) القومي.

وداعًا يا صاحب السيرة الحسنة والمهني العظيم.. وداعًا أستاذ حمدي قنديل

(نقلا عن صفحته)