يحيي حسين يكتب: حمدى قنديل .. الكبير الذى غادَرَنا

بقلم المهندس/ يحيى حسين عبد الهادى

 

نِمتُ بعد فجر اليوم مرتين .. وقد زارنى الأستاذ حمدى قنديل فى المرتين، مؤكِداً (بابتسامته المحببة) على حضور جنازته .. كان الأطباء قد منعونى منذ عملية القلب المفتوح قبل عامين من حضور الجنائز (اكتفاءً بالعزاءات) .. وبالفعل لم أشارك إلا فى جنازة أخى .. وها أنا عائدٌ للتَوِّ من جنازة حمدى قنديل .. إذ لم يكن فى وسعى الاعتذار .. فليسامحنى الأطباء.

حمدى قنديل هو أمير الإعلاميين العرب بلا منازع .. ليس فقط للُغته العربية الجزلة والسلِسة .. وليس فقط لصوته القوى الرخيم .. وليس فقط لكاريزميته والقبول الربّانى لدى المشاهدين .. وليس فقط لثقافته الواسعة التى تجعله يُمسك بناصية الحوار أيّاً كان المُحاوَر .. ولكن أيضاً لأنه الوحيد تقريباً الذى لم يمسك العصا من المنتصف .. وظل متسقاً مع ما يمليه عليه ضميره دون أى اعتبارٍ لحساباتٍ أخرى.

فى أيام مبارك، حافَظ كثيرون من الإعلاميين المحترمين على مسافةٍ آمنةٍ من خط رضا النظام تضمن لهم استمرار برامجهم (وأرزاقهم) .. وارتضى آخرون لأنفسهم أن يكونوا أبواقاً لما يُمليه عليهم النظام .. بل إن بعضهم هم الذين سعواْ إلى النظام لكى يقبلهم عرَّابين لمشروع التوريث ونعالاً فى أحذيته يدوس بها معارضيه .. إلا حمدى قنديل .. كان هو الذى سعى إليه النظام لأنه يعرف قيمته، فلم يوافق إلا بشروطه هو .. ولم تكن شروطه ماديةً كآخرين، وإنما شروط الحرية واحترامه لنفسه واعتداده بها .. فطُورد على مدى عِقدٍ كاملٍ من قناةٍ إلى قناة .. ومن دولةٍ إلى دولةٍ .. ومن رئيس التحرير إلى قلم رصاص .. لكنه ظلّ دائماً صوت الشعب وسوطه فى وجه الفاسدين والظالمين.

كأشهر الإعلاميين العالميين، كان الحكام العرب هم الذين يسعوْن للقائه .. وألزمته المهنية أن يحاور حتى من كان يتحفظ على أدائهم .. ولم يجد حَرجاً فى أن يسحب رضاه عن بعضهم عندما تبدلّت مواقفهم (بَشَّار مثالاً) .. جهةٌ واحدةٌ رفض أن يظهر على شاشاتها، رغم تثمينه لمهنيتها وصداقته لمعظم مذيعيها .. هى قناة الجزيرة .. ولسببٍ مبدئىٍ .. أنها طبّعت مع إسرائيل إعلامياً .. كان هذا الموقف مبكراً جداً وقبل أن يكون هناك خلافٌ سياسى مع الحكومة القطرية.

كان سخياً فى دعم الوطنيين وقضاياهم .. مثل صندوق مساعدة الشرفاء الذى أنشأناه لدفع الغرامات القضائية عمن استُدرجوا لقضايا سب وقذف مع الفاسدين .. وأمتنع عن التفصيل أكثر من ذلك ليبقى عمله (كما أراده) بينه وبين ربه.

على المستوى الشخصى فقد أعزّنى الله بصداقته (مع الاحتفاظ بفارق القيمة والقامة والتاريخ). ولا زلتُ أذكر أول لقاءٍ به .. كنتُ فى أحد المؤتمرات منتظراً فى بهو الفندق، ودخل حمدى قنديل نجماً لامعاً تلهث وراءه وسائل الإعلام ويلتف حوله الصحفيون والنزلاء، فإذا به يلمحنى من بعيد ويهتف فاتحاً ذراعيه (يحيى باشا) وكأننى أنا النجم لا هو .. يالتواضع الكبار (وتلك إحدى سِماته التى يعرفها كل من اقترب منه).

وطَوَّقَ عُنُقى بمقالٍ  كتبه بقلمه الرشيق كان عوناً لى وقت محنة عمر أفندى .. ثم كان الوسام الذى زَيَّنَ به صدرى هو إهداؤه الخاص المطبوع فى مقدمة مذكراته (عشت مرتين).

أخى الكبير جداً .. العزيز جداً .. والعظيم جداً .. حمدى بك .. أيها المصرى العروبى المحترم .. والكبير فوق الصغار والصغائر.. آنَ للجسد المُتعَب أن يستريح .. وللروح الطيبة أن تصعد إلى بارئها .. فنم فى أمانٍ تحت ثرى الوطن الذى أحببتَه وأحبَك .. وخالص العزاء للسيدة زوجتك الراقية .. ولمصر .. وإلى لقاء.