تداعيات خطاب أردوغان بين الواقع والمأمول

الرئيس أردوغان

بقلم :أحمد عبد الجواد

بادئ ذي بدء لابد من التفريق بين بلاد الحرمين الشريفين والنظام السعودي؛ فالدفاع عن أرض الحرمين فرض عين على كل مسلم.

هذا التفريق ضروري وجوهري حتى لا يخلط الخبثاء ما بين الغث والثمين. والملاحظ هو أن النظام السعودي هو من أعطى الفرصة تلو الأخرى للغرب والشرق للطعن في بلاد الحرمين وهذا ما سنتعرض له بنهاية المقال.

وبالعودة لدلالات وتبعات الخطاب القنبلة، كما أراه شخصيا، للرئيس التركي رحب طيب أردوغان، وعندما نتعرض للخطاب لابد أن نضع نصب أعيننا عدة أمور:

أولا: توقيت الخطاب.

ثانيا: مكان الخطاب.

أما ما يتعلق بالتوقيت فقد تزامن مع افتتاح (مؤتمر الاستثمار) المنعقد بالرياض، وهو المؤتمر الذي وضع عليه ولي العهد السعودي طموحات هائلة لخطته (2030)، وما كان يخطط ويروج له باعتباره قائد ثورة ما بعد النفط.

أيضا تزامن الخطاب مع زيارة رئيسة الاستخبارات الأمريكية جينا هاسبل لأنقرة، وفيما يتعلق بدلالة المكان البرلمان التركي فجاء اختيارا عبقريا لإضفاء الصبغة الشعبية والدستورية والقانونية على الخطاب وهذا يؤكد براعة وحنكة أردوغان السياسية المعروفة عنه.

وبالعودة للخطاب، فقد أراد الرئيس التركي هدم استراتيجية السعودية القائمة على الاعتراف لهدم الاقتراف ودفعها دفعا للاعتراف والاقتراف بجريمة اخفاء وقتل جمال خاشقجي، وكانت الرسالة الأردوغانية للملك سلمان واضحة جلية لا لبث فيها لمنع وصول التصعيد ضد المملكة لمراحل كارثية وإعطاء الفرصة كاملة للقيادة السعودية لإنقاذ المستقبل حتى لو كان الثمن الإطاحة بابنه عملا بمقولة (بيدي لا بيد عمرو) خاصة أن لحاء النار يقترب أكثر من أي وقت مضى بمحمد بن سلمان. لأنه مهما كانت الخسائر التي ستلحق بالمملكة الأن حتى لو كانت قاسية فهي قليلة بما سيلحق بها لاحقا إذا أصرت السعودية على موقفها المترهل والمضي قدما في التستر على الفاعل الأساسي والآمر بالجريمة.

وكانت أبرز رسائل أردوغان أن تركيا لن تسمح لأي طرف من أدنى السلم لأعلاه من الإفلات من العدالة سواء من أعطى الأمر ومن نفذ. خاصة إشارته اللافتة بأن ما حدث مع خاشقجي كان وحشيا؟! وهذا يفسر تلكأ السعودية وامتناعها في الإفصاح عن مكان الجثة وهو الذي سيكون فاضحا ماحقا للرواية السعودية برمتها.

ومن يريد التفلسف والتربص بالموقف التركي عليه أن يفهم أولا أن خطاب أردوغان قد أضفى الصفة الرسمية على كل التسريبات الأمنية والقضائية التركية. وهو ما أعطى بعدا جديدا لمجريات القضية، وأقول لمن كان يظن أن يقدم أردوغان أدلة صوتية ومرئية ومعلومات استخباراتية فهو لا يفهم أو يفهم ويضلل، فالرئيس التركي ليس مراسلا صحفيا ولا قاضيا ولا ضابط استخبارات أو محلل سياسي، بل هو قائد دولة.

ولعل الردود الدولية الرسمية التي أعقبت الخطاب تؤكد لكل ذي عينين صحة الرؤية التركية التي أرادات تدويل القضية وخلق رأي عام عالمي خشية تغليب لغة المصالح على استجلاء الحقيقة ومن يقول إن خطاب الرئيس التركي قد سكب ماء بارد على القضية فهو مضلل، بل الحقيقة أن الخطاب زاد القضية اشتعالا وأعطاها أبعاد أخرى خاصة عندما قال أردوغان إن هناك أطرافا منزعجة مما ورد في خطابه (ترامب، كوشنر، السيسي، محمد بن زايد، حمد بن خليفة، سعد الحريري، نتنياهو).

باختصار أردوغان لف حبل المشنقة جيدا حول عنق بن سلمان، ونقل ردود الفعل الدولية المتأرجحة من الكلمات لمرحلة الأفعال، وهو ما سعي له أردوغان وخطط له جيدا بإنشاء مناخ دولي للقضية، مما يجعل من ذلك بداية مرحلة محاسبة القتلة.

فعلى الصعيد الدولي أكدت الدول السبع الكبرى في بيان لها مطالبة السعودية بحتمية الإجابة على أسئلة أردوغان الستة التي طرحها، ولا يمكن اهمال اهتزاز الموقف المالي والاقتصادي للسعودية وهو ما ظهر جليا خلال مؤتمر الاستثمار من خلال غياب ولي العهد عن مراسم الافتتاح، ثم حضوره الخاطف الخافت الذي لم يتعدى خمسة عشر دقيقة والغاء كلمته المدرجة سلفا بجدول الأعمال ثم العودة لإلقائها في وقت لم يتعد دقيقة واحدة حاول فيها التزلف لأردوغان!

كذلك امتناع كبريات الامبراطوريات الاقتصادية العالمية الكبرى عن حضور المؤتمر، ويا للغرابة والغباء المؤتمر يعقد في فندق (ريتز كارلتون) الذي شهد على عمليات اختطاف الأمراء ورجال المال والأعمال وارغامهم على التنازل عن نسب كبيرة من ثرواتهم؟

والمؤكد هو تراجع الثقة الدولية في برنامج (الإصلاح الاقتصادي) الذي يتبناه بن سلمان، وهو ما ألقى بظلال هائلة على الاستثمارات المباشرة في المملكة، إضافة للخسائر القاسية في سوق الأسهم السعودية، ووضع مشروع (نيوم) على المحك بعد انسحاب أربعة من أعضاء مجلس الادارة لدعم استثمارات بقيمة 500مليار دولار.

وبالنسبة للعائلة المالكة فحدث ولا حرج فتراهم اليوم يموج بعضهم في تبعض.

ومن تداعيات خطاب أردوغان أيضا التي جعلت أصقاع الأرض تتخذ إجراءات ملموسة بعد إضفاء الصفة الرسمية على الرواية التركية وفضح الرواية السعودية، فنري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي تولي مهمة محامي الشيطان دفاعا عن (المنشار الداشر) ونجده يقول بلا مواربة أن ولي العهد هو من يدير الأمور في السعودية، وإذا كان هناك مسؤولا عن الجريمة فلا يستبعد أن يكون محمد بن سلمان، وأنه سيحيل تبعات قضية خاشقجي للكونجرس الأمريكي وهو ما يعني الكثير من العواقب الوخيمة لولي العهد السعودي.

هناك أيضا موقف الحكومة البريطانية الذي جاء على لسان تريزا ماى رئيسة الوزراء داخل البرلمان البريطاني بسحب لندن تأشيرات المشتبه بهم في قتل خاشقجي.

الحكومة الألمانية قالت إنها أوقفت صفقات الأسلحة المصادق عليها مسبقا مع السعودية، بل هناك اتجاه لفرض رقابة على السفارة السعودية وقنصلياتها داخل ألمانيا.

واليوم في سابقة هي الأولى من نوعها يخرج رئيس البرلمان الاوربي بتصريحات مفادها بأن الجريمة مقيتة بشعة وأن أي نفاق في التعامل معها سيكون عارا.

مع الأخذ في الاعتبار مواقف كلا من إسبانيا، كندا، هولندا، بلجيكيا، وغيرهم من الدول.

كل ردود الأفعال تلك لم تكن تتخذ بهذه الصرامة لولا خطاب الطيب أردوغان الذي يدير ملف الأزمة ببراعة وكفاءة منقطعة النظير مما يؤكد كفاءة وجدارة وأحقية تركيا بقيادة العالم الإسلامي دون منافس.

وبالعودة لما أشرت اليه في بداية المقال عن النظام السعودي، وكيف أعطي الفرصة تلو الأخرى للطعن في مصداقية المملكة يجدر بنا العودة قليلا للوراء خاصة نهايات عهد الملك الراحل فهد بن عبد العزيز عندما طرحت السعودية وقتها مبادرة ولي العهد حينها الأمير عبد الله الذي أصبح ملكا بعد ذلك وإعادة تسميتها بالمبادرة العربية التي فتحت الباب على مصرعيه للتقارب مع الكيان الصهيوني والاعتراف به وإضفاء الاعتراف الرسمي العربي لاتفاقيات كامب ديفيد التي وقعتها مصر من قبل. مرورا بمعاداة ثورات الشعوب العربية واستضافة المخلوع زين العابدين بن علي، وحماية المخلوع علي عبد الله صالح، ودعم وتمويل ومساندة انقلاب السيسي، وتهميش الجامعة العربية، وتفتيت مجلس التعاون، وشن حرب إبادة على الشعب اليمني بدعوى مجابهة الحوثي مع أنهم من أتوا بهم خلال ما يسمى المبادرة الخليجية، مرورا بحصار قطر واعتقال الدعاة والنشطاء والنساء في محاولة استنطاق الصمت، واخيرا وليس أخرا جريمة قتل جمال خاشقجي والتمثيل بجثته.