مات جمال خاشقجي.. فماذا بعد؟

 

بقلم : على الصاوي

قال الإمام يوسف الحنبلي: “العجَب من بعض العلماء الذين يَذكرون أحاديث الطاعة لكثيرٍ من الظلَمة، ممَّن انغمس في الظلم، وعامَ فيه وسبَح، وأخذ أموالَ الناس من غير حِلِّها، وقَتل النفسَ الحرامَ أكثر من ألفِ مرة بغير حقّ، واستحلَّ أموال الناس، ودماءَهم وأعراضهم، ومع ذلك يُزيِّن له أنه عادل.!!” وهذا ما طفا على السطح مؤخرا مع حادث الصحفي جمال خاشقجي ورأيناه جليّا من علماء زيّن لهم الشيطان أعمالهم، وبلغ بهم حد الدجل والنفاق أن يبررون الظلم ويجمّلون العدوان.

لم يكن يدور في خلد الكاتب السعودي جمال خاشقجي، أنه سيكون يوما ضحيّة للغدر الملكي الذي تم التخطيط له بداخل أروقة الحكم بالمملكة، على حين غفلة من الصحفي البارز، فالرجل لم يعادِ بلده قط، فقد قال يومًا في لقاء تلفزيوني “أنا لا أصنف نفسي حتى الأن على أنني معارض، ودائما أقول أنني مجرد كاتب” ورفض أن يصنّفه المضيف كمعارض للنظام السعودي، لم يرتكب خاشقجي جُرّما ولم يكن يملك سوى قلمه يوجّه به النصح، ويدعوا الى الإصلاح ما استطاع، رافضا سياسة القمع والاعتقال لكل رواد الفكر والرأي.

فما بين الإقرار والإنكار اتبعت المملكة سياسة التجهيل والمراوغة حول قتل خاشقجي، ولم تستطع سبك رواية منطقية يصدقها الرأي العام العالمي، لاسيما وأن الأتراك نجحوا في إدارة الأزمة باحترافية عالية، وجعلت العالم كل يوم في ترقّب لانتظار مزيد من التفاصيل حول القضية، ما زاد الضغط على المملكة السعودية، وجعلها تُقرّ في نهاية الأمر بقتل خاشقجي داخل القنصلية، برواية أبعد ما تكون عن الواقع والحقيقة، حتى جاء خطاب الرئيس أردوغان ودحض كل الروايات الكاذبة معلنا تفاصيل الحادث بدقة على مرأى ومسمع من العالم .

لكن بعد كل ما سبق من تحقيقات وكشف أدلة تدين المملكة بقتله، وتضارب الآراء بين مكذب ومصدق لتلك الروايات، وانتشار الذباب الإلكتروني يصول ويجول لينفث سمومه اللاأخلاقية حول ما حدث وإلصاق تهم عشوائية بتورط دول أخري في القضية لصرف النظر عن القاتل الحقيقي، ولإثارة اللغط حول القضية وتشويه صورة الرجل الذين لم يرحموه حتى بعد أن فاضت روحه إلى خالقه، بعد كل هذا، يبقى السؤال:

ماذا بعد أن قتل خاشقجي؟

عندما أشتد الظلم والاستغلال بالعمّال بمدينة شيكاغوا الأمريكية عام 1886، ناضلوا من أجل مناهضة الظلم وتحقيق العدالة وتوفير بيئة عملية أكثر إنسانية وتقليص ساعات العمل، وبالفعل تحقق لهم ما أرادوا واستطاعوا أن يحصلوا على حقوقهم، وخُصص لهم يوما يحتفلوا فيه بذكري هذا النضال العظيم حتى يومنا هذا.

وكذلك الصحفيون وقادة الرأي في هذا العصر، يتعرضون لموجة بشعة من القمع والظلم وتكسير الأقلام، حتى وصل الأمر إلى التقطيع بالمنشار، فهل تعدم نخبة المثقفين والمحاضن الإعلامية أن يكونوا على قدر من شجاعة العمال ليطالبوا بحقوقهم ووجوب حمايتهم من بطش الأنظمة السياسية؟ ويكون هذا الحادث بمثابة يقظة يُخصص من خلاله يوما سنويًا لحرية الصحافة و الإعلام، تحيى فيه النخب والمؤسسات الإعلامية ذكرى شهيد الكلمة جمال خاشقجي. فلا ينبغي أن يبقى الإعلاميون والصحفيون أسري تواتر الأحداث وانتظار النتائج الجنائية، دون أن يتحركوا ويكون لهم رد فعل حقيقي يصدح في كل أنحاء العالم، لجلب حق الكاتب بعيدا عن التحقيقات الجنائية.

إن “قوة رد الفعل تمنع من تكرار الفعل”، وإن لم تكن هناك وقفة جادة لما حدث سيتكرر الأمر مع كل معارض أو كاتب يناهض سياسة الفساد والاستبداد في بلاده، ولن يسلم من شرر الظلم المتطاير حوله والسقوط في شباك مكره، فتلك الواقعة هي بمثابة إنذار ورسالة خطرة لكل معارض تحمل في طياتها ما معناه ” انتبه، أنت لست أمنا حتى وإن كنت خارج حدود بلادك”

ومن هنا يجب أن تجتمع النخبة المثقفة من الصحفيين والإعلاميين لتكمل مسيرة خاشقجي، التي كان يسعي من خلالها إلى دعم الديمقراطية في البلاد العربية، وتحسين صورة ثورات الربيع العربي لدي الغرب، كما كان سيفعل في منظمته حديثة النشأة، الذي كان يطمح من خلالها أن تضم في كنفها كل إعلامي حر، يسعي لفكاك أسر بلاده من الديكتاتورية، ويبني نموذجا ديمقراطيا حضاريا يعيد تشكيل وعي الأمة ويخلع عنها ثياب التخلف، ويبدد قول الطغاة الكاذب “إننا شعوب لا تستحق الديمقراطية.”

إن الصحافة ليست جريمة، ولا تشكّل أي خطر على البلاد التي تؤمن بحرية التعبير والحق في الإعلام، لأنها صوت الأمة الذي يعبر عن آمالها ويناقش قضاياها، ويكشف فساد السلطة ويعري وجهها الحقيقي. ،فهامش الحرية ضروري لأى مجتمع، فالوطن ليس سجنا وليس منفي كي أفرض عليه رقابة صارمة وأقتلُ بهذا الشكل الهمجي كل من يخالفني ،فالصحفي ليس طفلاً يغنى في الكورال، ودوره في المجتمع لا يتمثّل في أن يمهد لمواكب السلطة، حاملاً في يده سلة من الورود، إن مهمة الصحفي ليست الإرضاء أو الأذى، بل هي الإشارة بالقلم إلى موضع الجرح، فليس هناك في الصحافة جريمة البوح بالسر، ولكن هناك جريمة الصمت، ففي يوم تسوية الحسابات لن يتم اتهامنا بالكلام، بل بالصمت. ” فحرية الرأي هي أبسط حقوق الإنسان في هذه الحياة، فإذا فقدها في وطنه انتقل من مرتبة الانسانية إلى مصاف العبودية