ذكريات أكتوبرية (4) التواقون للحسم

مهندس/ علاء فهمي

قبيل حرب أكتوبر 1973 كانت هناك العديد من فئات المجتمع المصري هي الأكثر توقا للحسم

1 – أهالي محافظات القنال الذين هجروا وتركوا ديارهم إفساحًا لحرية حركة القوات المقاتلة ، وحتى لا يكونوا نقطة ضعف لجولات القتال المتتالية ..

هؤلاء الكرام الذين فرض عليهم ترك الديار والأعمال ، ووزعوا قسرا على المدارس وأماكن مؤسسات في طول البلاد وعرضها ، كانوا يعدّون الأيام ، وينتظرون المعركة الشاملة على أحر من الجمر ..

2 – دفعات المؤهلات العليا التي التحقت بالجيش بعد النكسة وامتدّ زمن تجنيدها حتى إزالة آثار العدوان ، وذلك بعد مراجعات القيادة وأهمية أن يكون المقاتلون متعلمين ودارسين ..

هذه الدفعات التي توقف تطور حياتها على معركة ينتظرونها كل يوم ، ومرت عليهم الأيام ثم الشهور ثم السنوات وهم يبحثون عن يوم يحاربون فيه وينتصرون ، ومن ثم يعودون إلى حياتهم العادية ، فهم ليسوا مقاتلين نظاميين بل مجندون وظباط احتياط ..

3 – الجنود الذين حضروا النكسة وأهينوا من الصهاينة ولم يمارسوا قتالا فعليا ، وذاقوا المر وشاهدوا الأهوال أيام انسحابهم ، وأصبحوا أقزامًا أمام نفوسهم ، وفقدوا الإجلال المنتظر من المواطنين ، حيث كان يشار إليهم بأبطال النكسة ، مع أنه لم تتح فرصة قتال لمعظمهم حيث كانت القيادة المشلولة فكريا والغير مستعدة ذهنيا ولا نفسيا ولا معنويا للحرب لا تعرف شيئا إلا الانسحاب بأي طريقة ..

4 – جحافل شباب الجامعات الذين خرجوا في مظاهرات عارمة عام 1968 مطالبين ببيان أسباب الهزيمة ومحاسبة ومحاكمة المتسببين ، والذين أحسوا أن قيادة البلاد تتلاعب بهم ولا توجد عندها نية صادقة للقتال ..

المئات من الآلاف الذين صدمتهم النكسة عندما عرّت حقيقة البطل الذي تعلقوا به ، وحطوا عنده رحال أحلامهم ، ثم اكتشفوا السراب ، فليس ثمة بطل ولا جيش ولا صواريخ القاهر ولا الظافر ، واكتشفوا ان القوم لا يجيدون إلا الكلام ، ولا تظهر بطولاتهم إلا في مواجهة بني جلدتهم وأهلهم العزل المساكين ..

5 – أهالي المجندين والمتطوعين وصف الضباط والظباط العاملين بالقوات المسلحة الذين انخرطوا بالتدريبات وبحرب الاستنزاف ، ولم يرتاحوا للحظة طوال ست سنوات كئيبة ، وغابت عن حياتهم الأجازات والفسح ..

6 – شعوب الأمة العربية العادية والتي ما فتئت تبحث عن نصر ينهي الهزائم المتتالية ، وكأنه كتب على هذه الأجيال ألا تعرف من قواميس الحرب والقتال إلا عبارات الهزيمة والنكسة والانسحاب والهجرة والأسر والموت ..

7 – أهلنا في فلسطين بالضفة الغربية وقطاع غزة ، وأهلنا بالجولان الباسل المختطف ، وقد تعلقت الآمال بحرب تعيدهم إلى الديار التي احتلت بعد هزيمة 1967 ، وتحرر المسجد الذي وقع تحت يد الصهاينة ..

8 – عظماؤنا بسيناء الذين وقعوا مباشرة تحت الاحتلال الصهيوني ، وأصبحوا بين ليلة أو ضحاها أسرى معسكر اعتقال كبير ممتد يشمل شبه جزيرة سيناء ، هؤلاء الذين حاولت إسرائيل احتواءهم بكل الأشكال ..

كل هؤلاء وغيرهم كانوا ينتظرون المعركة ، ولم يكن في آمالهم أو تفكيرهم او تصورهم إلا أمر واحد ونتيجة واحدة ألا وهي النصر ..

فليس ثمة شيء آخر ، وإلا لامتدت سنوات التهجير لأهل محافظات القنال ، ولطالت سنوات التجنيد لخريجي الجامعات ، ولاستمرت نظرات الاحتقار لأبطال النكسة ، ولتتالت سنوات الانتظار للأهالي ..

ليس ثمة شيء آخر غير النصر ، وإلا لاستمرت سنوات الهوان للشعوب العربية ، وتلاشت الأحلام لأهلنا في فلسطين ، ولطال ليل الاحتلال لإخوتنا في سيناء ..

ولم يكن أحد مستعد لغير ذلك ، وإلا فبطن الأرض أولى من ظهرها !!

رحم الله شهداءنا في حرب أكتوبر ومعارك الاستنزاف ، وتقبل تضحيات الأمة التي ابتليت بقادة أضاعوا البلاد والعباد ولم يفكروا إلا في اغتصاب السلطة والتفرد بالحكم ، وليذهب الآخرون إلى الجحيم ..

لا يعرف حقيقة أكتوبر إلا من استشعر هموم وأحاسيس من كانوا ينتظرونه ..