كتاب الثورة”3″ العسكر من “باشا النصارى” إلى “جنرال اليهود”

محمد القدوسي

 

كانت “الشرعية” هي التحدي الأكبر أمام جنرال مصر الأول “محمد علي”، إذ لا بد لكل حكم من مستند يجعل الناس يسلمون للحاكم بسلطته عليهم. ولم يكن بوسعه، طبقا لأحكام الضرورة و”الضرورة لها أحكام” أن يبني هذه الشرعية على سند من دين ولا من عرق ولا من لغة، لهذا نجح، مستفيدا من خبراته الشخصية، ومن حدسه، ومن “الطلاق البائن” بين شعب مصر وسلطة حكمها طوال 9 قرون متصلة (منذ الدولة الفاطمية) على الأقل، ومن المساعدات الغربية “الملهمة” التي حصل عليها، في العثور على الصيغة التي أصبحت أساسا لا لحكمه فحسب، بل لحكم العسكر في مصر، منذ ولايته وإلى اليوم. وهي الصيغة التي وصفتُ طبيعتها من قبل، وأنها تقوم على ثلاثة أركان:

الركن الأول: الجنرال في القلب، وهو “القوة العسكرية” التي تمثل “عصبة الحكم” والتي يخضع لها الجميع، رهبا لا رغبا ولا حبا (وسنرى في الفصل المقبل كيف صاغ محمد على صورة الجنرال بشكلها النهائي الباقي حتى اليوم).

الركن الثاني: الأقليات المتساندة حول الجنرال، وهي البديل للشعب المغيب ـ قسرا وقصدا ـ تتساند (لا تندمج ولا تتحد ولا تتآزر) فقط في التفافها حول الجنرال، وعدا ذلك فإنها تظل محتفظة بتناقضاتها البينية الجذرية. وهي تلعب دور الظهير السياسي والاجتماعي للجنرال، واقتصاديا تقنع بفتاته، وتؤدي ثرواتها دور “صندوق التحوط” الذي يساعده في أزماته الاقتصادية. والأكثر أهمية في سلوك هذه الأقليات أنها تعرف حدود الخلاف بينها، وأن استخدام الحد الأقصى من القوة في مثل هذا الخلاف غير وارد إلا بضوء أخضر من الجنرال، الذي يملك حق التحريش بينها حسب مقتضيات مصلحته. كما أنها تعرف أن كلا منها منفردة لا قيمة لها في مواجهة الشعب، وأنها كلها مجتمعة لا قيمة لها أيضا إلا بفضل وجود الجنرال في قلبها، ولهذا فإن ممارستها ضد الشعب ـ حين يجد الجد وتجد نفسها مهددة من قبله ـ تبدو أكثر شراسة وقسوة من الجنرال نفسه، الذي تحرص على بقائه لدرجة الاستعداد لبذل التضحية.

الركن الثالث: استبعاد الأغلبية، بمعنى استبعاد “المواطن العادي” الذي لا يتحرك بالأوامر ولا يفكر بالتآمر. المواطن الذي يحتفظ بدوائر ولائه وانتمائه من دين وعرق ولغة وقبيلة وجهة وعائلة، لا هو ينساها ولا هو يتجاهلها، لكنه قادر على العيش المشترك وراغب فيه بإرادته. المواطن الذي يتصرف في مختلف المواقف في إطار مرجعية الجماعة الوطنية وموقعه منها، وإن اختلف مع مرجعية الدولة وإجراءات الحكومة. وقد رأينا “الجنرال الأول” محمد علي وهو يستبعد الأغلبية بالقضاء على قياداتها الوطنية، وسرقة نصرها في “رشيد”. وسنتابع هنا طرفا من سيرة محمد علي التي مهدت لصيغته هذه، وشيئا من التمهيد للأقليات المتساندة، سواء مباشرة بتقريبها، أو على نحو غير مباشر بالضغط على الأغلبية عبر إهانة ثوابتها، وبإضعاف الأغلبية يرتفع مؤشر القوة النسبية للأقليات.

رؤية محمد علي

كانت مصر ولاية تابعة للسلطان العثماني، وهو أيضا الملقب بـ”خليفة المسلمين”؛ لهذا لم يحاول “محمد علي” وهو يستقل بحكمها، أن يدعي الحكم باسم الإسلام، لأن هذا الادعاء يجعله مجرد ضابط متمرد على سلطانه، ومسلم عاص لأمير المؤمنين. كما لم يحاول ادعاء الحكم باسم العروبة، ولا باسم المصرية، ولا “النسب الشريف” إذ لم يكن يمثل أيا من هذا، والأسوأ أنه لم يكن بوسعه الاعتماد على مساندة “الأتراك” باعتبارهم العرق الذي نهضت به دولة بني عثمان، إذ إنه لم يكن تركيا أيضا، فهو ألباني ولد سنة 1769م في مدينة تتبع الآن دولة “اليونان”، وكانت عند مولده محض قرية لا يزيد عدد سكانها على بضعة آلاف تابعة للدولة العثمانية، مبنية على صخرة، جنوبي مقدونيا على خليج كونتسا، تشبه الفرس، سماها الإسكندر الأكبر “بوسيفلا” نسبة لحصانه “بوسفلس”*، ثم سماها تجار مدينة “البندقية” الإيطالية “لا كافالا” ـ أي الفَرَس ـ ليحرف الاسم على يد الأتراك إلى “قافالة” ثم “قوالة” أو “قولة” على يد العرب. وقد توفي أبوه “إبراهيم” بعد 4 سنوات من مولده، فكفله عمه “طوسون” الذي كان يشغل منصبا رفيعا في “قولة”، وقد أحسن رعايته إلى أن قُتل بأمر الباب العالي! لتترك الحادثة أثرها الغائر في نفس الصبي، وتقيم جدارا ـ ظل شاهقا ـ بينه وبين العثمانيين، حتى وإن كان من تولى كفالته بعد عمه موظف عثماني آخر، وألباني أيضا، هو “إسماعيل” شوربجي قولة ـ أي حاكمها ـ الذي كان صديقا لأبيه “إبراهيم أغا”، فرباه مع ابنه تربية كانت أفضل ما يمكن أن يتاح لمثله، وإن خالطها بعض ذل السخرة، والسخرية أيضا. وعلى أية حال فقد أعرب محمد علي عن وفائه لهؤلاء الثلاثة: الأب والعم والشوربجي، بإطلاق أسمائهم على أول ثلاثة من أولاده.

أما الرجل الرابع الذي كان له أكبر الأثر في حياته فإنه لم يستطع أن يطلق اسمه على أي من أبنائه، ببساطة لأنه “مسيو ليون” التاجر الفرنسي الذي أدار محلا تجاريا في قولة منذ 1771م، وكان “الصدر الحنون” لـ”محمد علي” بعد وفاة عمه، والذي يقول عنه “جورجي زيدان” إنه: “حالما رأى محمد علي للمرة الأولى شفق عليه وأحب مساعدته لما توسم فيه من الفطنة والنباهة، فكان يقدم له كثيرا من حاجياته، ويسعفه بكل ما في وسعه، حتى ألفه محمد على كثيرا، وهذا هو سبب لوثوقه بالأمة الفرنساوية بعد توليه الأحكام في مصر، واستخدامه أفرادا منهم في مصلحة البلاد”*.

ولا يبعد “إلياس الأيوبي” عما قاله “جورجي زيدان” إذ يقول إن مسيو ليون “استوقف انتباهه ذكاء الغلام الفطري النادر، وحسن حكمه على الأمور في شؤون قلما يدركها من كان فى مثل سنه؛ فأحبه كثيرا، وأخذ يزوده بالنصائح والإرشادات الثمينة…. فكان لحب هذا الفرنساوي الأبوي أثر عميق في قلب محمد علي جعله، منذ ذلك الحين، ميالا إلى الفرنساويين أكثر منه إلى كل جنسية غربية أخرى”*.

بناء الدولة ومسيو ليون 

والأكثر من هذا أن “محمد علي” وبعد أن “استتبت قدماه في حكم مصر” وبدأ ينفذ مشروعه الأوسع لبناء دولته، بحث ـ فورا ـ عن “مسيو ليون”. وعندما عرف أنه غادر “قولة” إلى مسقط رأسه في “مرسيليا” كتب إليه فى العام 1820 يدعوه إلى مصر كي “يقضي فيها زمنا في ضيافته” كما يقول “جورجي زيدان” ورد “ليون” على الدعوة بالإيجاب، لكنه مات قبل أن يلبيها*. ويذكر “إلياس الأيوبي” أنه مات “في نفس اليوم الذي كان عينه لسفره”. وأن “محمد علي” لم يكتف بالحزن الشديد الذي أبداه على معلمه، لكنه أرسل إلى شقيقته خطاب تعزية، ومعه “هدية ثمينة فاخرة إظهارا لاعترافه بجميل أخيها عليه”*. وبرغم أن محمد علي لم يأت إلى مصر إلا مع الجيش الذي جاء ليحارب الفرنسيين في معركتهم الأخيرة قبل أن يضطروا للجلاء عنها، فقد ظلت ثقته فيهم ثابتة لا تتزعزع حتى في أحرج اللحظات، ولا شك في أن وفاءه لليون كان له الفضل الأكبر في هذه الثقة، التي بلغت حد أن “محمد علي” لم يزد على “العتاب الرقيق” لفرنسا، عندما بلغه تآمرها مع انجلترا لتحطيم أسطوله في “نوارين/نافارون”، عتابا يصفه “إلياس الأيوبي” قائلا: “يروى عن محمد علي أنه لما بلغه النبأ المزعج، نبأ تحطيم عمارته (أي أسطوله) قال بشخوص نظر ملؤه الأسف العميق: إني لا أدري كيف صوب الفرنساويون مدافعهم على أنفسهم، إيماء إلى ما كان يربط إمارة مصر بفرنسا من روابط الوداد المتين، وإلى أن المصالح الفرنساوية والمصالح المصرية في البحر الأبيض المتوسط كانت واحدة”* ويضع “داود بركات”* هذا “العتاب الرقيق” على لسان “إبراهيم باشا” في حديث مع أحد ضباطه إثر تحطم الأسطول المصري، ولا فرق بين أن تأتي العبارة على لسان “الباشا الكبير” أو لسان ابنه الأكبر، الذي ذاب فيه لكأنه قد منحه حياته، فكان سيف فتوحاته، كما كان، بعد أن أصابه الخرف، عقله الذي توكأ عليه حكم ظل له اسميا حتى مات محمد علي منعزلا في ولاية حفيده عباس الأول، بعد شهور من موت إبراهيم*.

وراثة الدولة العثمانية

في “نافارون” 20 من أكتوبر/تشرين الأول 1827م، تحطمت أساطيل المسلمين في البحر الأبيض: أسطول محمد علي في مصر، والأسطول العثماني وأسطول الجزائر في مواجهة التحالف الأوربي، الذي وقف منتشيا بأن البحر الأبيض، الذي أوشك ذات يوم أن يصبح بحيرة إسلامية، يعود إلى صفته القديمة “بحر الروم”. وكان أثر الهزيمة على “محمد علي” أن اضطر لإنهاء مشروع وراثة الدولة العثمانية قبل أن يبدأه، مكتفيا بولاية “جزيرة كريت” التي تنازل عنها له “الباب العالي” وكانت عقوبة أكثر منها جائزة. ولم يقل أثر “النصر” سوءا على أسطول الجزائر، فلم ينج منه في نافارون أكثر من وحدتين، بعد أن اضطر لتحمل معظم عبء المعركة منفردا*، وبعد ثلاث سنوات فقط كان عليه أن يستسلم لاحتلال فرنسا*، وهو الأسطول نفسه الذي كانت ممالك أوربا والولايات المتحدة تدفع له الإتاوات الحربية، نظير حماية سفنها في البحر الأبيض.

ويذهب المؤرخ الجزائري “مولود قاسم نايت بلقاسم” إلى أن الدولة العثمانية لم يكن لها في الجزائر إلا السيادة الإسمية، و”أن الدولة الجزائرية كانت أقوى حتى من الخلافة العثمانية، التي كانت قد بدأت في الضعف والترهل ـ مع الأسف ـ مبكرا، إلى أن أصبحت في عهدها الأخير، بل وحتى قبل الأخير تلقب بـ”الرجل المريض”، بينما الجزائر إذ ذاك ـ لحسن الحظ ـ كانت قد بلغت أوج قوتها، وتسلقت ذروة مجدها، وتسنمت القمة، ولذا بقيت مدة هي القوة بالنسبة لكل من الخلافة العثمانية، وأوربا المتكتلة، بل وحتى أمريكا في عهدها الأول”*.

و”يقول غارو (المؤرخ الفرنسي هنري غارو): وهكذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية، وهولندا، والبرتغال، ونابولي، والسويد، والنرويج، والدنمارك، تدفع للجزائر الضريبة كل سنتين، بل إن السويد ، والدنمارك، والنرويج، كانت تزود الجزائر، بدون مقابل، زيادة عن الضريبة بالأسلحة، والأسلاك، والأعمدة، وحدائد الإرسال، والبارود، والقنابل. أما فرنسا ، وانجلترا، وإسبانيا، والدول الإيطالية: سردينيا، وطوسكانا، والبندقية، فقد كانت تقدم ، نقدا أو عتادا، هدايا كل سنتين، وهو نفس الشيء. أما الدول الألمانية: هانوفر، وهامبورغ، وبريمن، فقد كانت تقدم العتاد البحرى والحربى. هذا كله فضلا عما تقدمه جميع أصناف هذه الدول من هدايا لدى عقد عقد معاهدات، وتغيير قناصل، وغيرها من المناسبات. ويقول غزافيى باردون: وهكذا فلتضمن الأمن لأساطيلها التجارية، قبلت جميع دول أوربا بأداء ضرائب سنوية، غالبا مرهقة لها، لتلك الحكومة القاسية الهائجة، التي كانت دائما في حالة حرب (يقصد الجزائر). فإذا كانت فرنسا، بفضل علاقاتها القديمة مع الباب العالي، لم تفرض عليها تسعيرة خاصة، فقد كانت تبعث، مع ذلك، بمناسبة إرسال كل قنصل جديد، بهدايا ثمينة إلى الجزائر مع رسائل اعتماد القنصل حتى يحظى بالقبول. وللسبب نفسه اضطرت انجلترا المعتدة بنفسها إلى أن تضغط على كبريائها، وتهين قوتها البحرية، لتدفع لحكومة القراصنة في الجزائر مبالغ طائلة. وهكذا كانت جميع الدول الكبرى في أوربا تتبع نفس القاعدة، بل وحتى أمريكا. فلدى كل تعيين لقنصل جديد يجب على كل واحدة من تلك الحكومات أن تبعث مع ممثلها بهدايا ثمينة، هكذا كانت تفعل أيضا الدول الألمانية مثل هامبورغ، وبريمن، وهانوفر، والدول الإيطالية كلها، حتى روما نفسها، وإسبانيا، والنمسا، وهولندا، أما السويد، والدنمارك، والصقليتان، والبرتغال، والولايات المتحدة الأمريكية، فقد كانت تدفع، زيادة عن ذلك، ضريبة سنوية ضخمة لخزينة الجزائر”*.

وفي 12 من أبريل/نيسان 1825 م أعلنت الجزائر الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية، ردا على استفزازات سفن الأخيرة، فأرسل الرئيس الأمريكي “جيمس ماديسون” رسالة إلى الداي هذا نصها:

“لقد أعلنتم سموكم الحرب على الولايات المتحدة، وقد قرر الكونغرس في اجتماعه الأخير إعلان حالة الحرب مع حكومتكم، وكلف أسطولا من بواخرنا بالتوجه إلى البحر الأبيض المتوسط لتنفيذ ذلك القرار. وسيكلف هذا الأسطول تخييركم بين الحرب والسلام، وأنتم وما ترون، ولنا وطيد الأمل أن توازنوا بين ويلات الحرب ومزايا حسن التفاهم مع أمريكا التي تزداد قوتها مع الزمن، فتجنحوا إلى استئناف ما كان بين الحكومتين من علاقات الود والصداقة، وليس لحكومتنا هدف إلا السلام والصداقة مع الجميع”.

ورد عليه الداي برسالة حدد فيها شروط الصلح، ثم قال:

“وإني أبلغكم رغبة حكومتي في استئناف علاقات الصداقة التي ربطت بين بلدينا منذ أكثر من عشرين سنة، ولا سيما أن أمريكا كانت أول دولة عقدت معها حكومتي معاهدات سلام. ونتمنى بعون الله أن يأتينا ردكم سريعا بالموافقة على شروطنا الموضحة آنفا، أما إذا رفضتم الموافقة عليها، فإنكم تتحملون وزر خرق قوانين الإنسانية المقدسة، والاعتداء على مواثيق الأمم”.

وقد رضخت أمريكا لشروط الداي وتم الصلح.*

وكان هذا قبل أن تبدأ قوة الأسطول في التداعي بعد استشهاد قائده الفذ “الريس حميدو” في معركة ضد أسطول أمريكي برتغالي مشترك في 16 من يونيو/حزيران 1815م، ثم يتم الإجهاز عليه في نافارون (20 من أكتوبر /تشرين الأول 1927م)*.

الاحتلال بالنيابة

وبرغم مشاركة فرنسا في تدمير أسطول محمد علي، فإن غضبه لم يجاوز حدود العتاب، الذي يبقى به الود، لدرجة أن فرنسا رشحت “الباشا” على رأس أحد مشروعاتها لاحتلال الجزائر*، وفي 10 من أغسطس/آب 1829م كتب “دور فيتي” القنصل الفرنسي في مصر تقريرا إلى رئيس وزراء بلاده “بوليناك” يقترح فيه تكليف محمد علي باحتلال الجزائر لصالح فرنسا، التي تكتفي بمساعدة حملته العسكرية، وهو المشروع الذي رحب به “محمد علي” قائلا للقنصل الفرنسي إنه قادر على إنهاء المشكلة الجزائرية بـ68 ألف رجل و23 سفينة، و100 ألف فرنك فرنسي لنفقات الحملة. وأرسل “بوليناك” الضابط “هودير” إلى مصر للتفاوض، كما وجه رسالة إلى سفير فرنسا في اسطنبول “جيمينو” لتوصيلها للسلطان العثماني، يقترح عليه فيها “أن يصدر فرمانا يأمر محمد علي بالاستيلاء على الولايات الثلاث (الجزائر وطرابلس وتونس) وإقامة حكم جديد يضمن الهدوء والاستقرار”. وهو اقتراح رفضه السلطان العثماني، لأن “تأييد هذه الخطة يخالف الدين الإسلامي، ومحمد علي لن يقدر على تنفيذها”.

وقد أبدت بريطانيا غضبها على مشروع “الاحتلال بالنيابة” لكنه لم يتوقف إلا لأن بعض الوزراء الفرنسيين اعتبروه إهانة لشرف بلادهم، وحاولت الحكومة احتواء غضبهم بتقليص مساهمتها المالية في الحملة المقترحة إلى 10 ملايين فرنك، قبل أن يرفض مجلس الـوزراء التعاون مع محمد علي في اجتماعه بتاريخ 10 من ديسمبر/ كانون الأول 1829م. وفي 30 من يناير/كانون الثاني 1830م وبعد مداولات استمرت 4 ساعات، قرر المجلس أن تغزو فرنسا الجزائر بنفسها ، وهو ما وافق عليه الملك شارل العاشر في 7 من فبراير/شباط مصدرا مرسوما بتعيين قادة الحملة، التي تحركت من ميناء طولون، لتصل إلى سيدي فرج بالجزائر في 14 من يونيو/حزيران 1830.

حدود العلاقة مع فرنسا

لم ينقطع “التعاون” أو سمه ما شئت بين محمد علي وذريته وبين فرنسا، على الرغم من صدامهما الدامي في نافارون، الذي أجهض جل أحلامه. ولم تكن العلاقة بينهما مجرد تبادل مصالح في سياق براغماتي، لكنها ـ من جانب الباشا بكل تأكيد ـ كانت موقفا فكريا وخيارا عقائديا أيضا، ومن كلماته التي عبرت عن ذلك: “إننى مدين بجيشي لسليمان بك وببحريتي لمسيو سيريزي، بل إننى مدين للفرنسيين بأكثر ما عملته في مصر”. وسليمان بك المشار إليه هو المعروف بسليمان باشا الفرنساوي، الذي أطلق اسمه على أحد شوارع القاهرة، وهو ضابط فرنسى قاتل مع نابليون في معركة “الطرف الأغر” ثم جاء إلى مصر، متحولا إلى الإسلام، وتولى منذ العام 1820 تكوين جيش محمد علي النظامي. كان ينادى بـ”الكولونيل سيف”، وهو أيضا الجد الأكبر للملكة “نازلي” والدة الملك “فاروق” آخر ملوك مصر من الأسرة العلوية، والتي ماتت فى العام 1978 بعد أن اعتنقت ديانة “الروم الكاثوليك” ودفنت في مقبرة “الصليب المقدس” بالولايات المتحدة الأمريكية، فكأنها ـ بحياتها ومماتها ـ ترسم الخط الواصل بين بداية التأثر، ونهاية التأثير*.

و”سيريزي بك”‏ منشئ ترسانة وأسطول محمد علي،‏ الذي كان الباشا يقول عنه‏: “لقد أرسلت فرنسا إلى مصر الرجل العبقري الذي أنشأ في بحر ثلاث سنوات أسطولا عظيما وترسانة واسعة الأرجاء”‏.‏

وصل إلى مصر سنة ‏1829‏م وكان مهتما قبل ذلك التاريخ ببناء بعض القطع البحرية التي أوصى بها محمد علي في ميناء طولون‏.‏ فاختارته الحكومة الفرنسية لإنشاء ترسانة الإسكندرية‏.‏ وخوله محمد علي سلطة مطلقة لإنجاز العمل في أقرب وقت وكان يقدم إليه معونة فعالة‏.‏ وفي سنة 1835م ‏دب الخلاف بين سيريزي بك وبيسون بك ما أدي إلى غضب الأول وتقديم استقالته‏،‏ وحاول محمد علي عبثا إقناع مهندسه بسحب استقالته فلم يوفق، وأظهر أسفه لهذا القرار المفاجئ.*

 كذلك فإن “محمد على” أوكل تدريب جيشه لعدد من الضباط المشاركين في الحملة الفرنسية على مصر، بدعوى أنهم على دراية بأحوال وادي النيل. وتولى معارفه الفرنسيون إعادة إنشاء معمل البارود الذي أسسه من قبل كيميائيو الحملة الفرنسية، كما أسس بإشرافهم ترسانة للأسلحة بالقلعة. وفي حروبه في “نجد” استعان “محمد على” بالضابط الفرنسى “فاسيير”، أحد ضباط بونابرت.

وفي الحملة التي قادها ابنه “إبراهيم باشا” وأسفرت عن وقوع الشام تحت حكمه من 1831 إلى 1840م كان الفرنسيون يشجعون الموارنة ويمدونهم بالسلاح ليقفوا مع الباشا، وأعلن الموارنة، وغيرهم من طوائف المسيحيين في الشام، استعدادهم التام لمناصرته، فرد الباشا التحية بأحسن منها، لدرجة أن أهل الشام أطلقوا عليه “باشا النصارى” وهو الاسم نفسه الذي أطلقه المصريون على والده “محمد علي”!

وفي العام 1834م فتح إبراهيم باشا الطريق أمام اليسوعيين لدخول الشام، كما توسعت الإرساليات الأمريكية البروتستناتية في العمل*، ونقلت مطبعة الإرسالية الأمريكية من مالطة إلى بيروت، لتضع قدمها للمرة الأولى في بلاد العرب، كما أسس فيها المبشر “إيلي سميث” وزوجته مدرسة للبنات، وزود عددا من الأديرة بالمطابع، لتصبح صناعة الطباعة والنشر ـ ولعدة سنوات ـ حكرا على الطوائف المسيحية الوافدة.

واتساقا مع هذه القاعدة، قام “إبراهيم باشا” بجلب الفرنسي “كلوت بك” من مصر ليشرف على التعليم في الشام، وزوده بمطبعة لنشر الكتب العربية.  

وتخبرنا الوثائق الباقية من ذلك العهد بما هو أخطر، ومنها رسالة “من أحمد خلوصي باشا (والي حلب) إلى محمد باشا يتأفف من الأعمال غير المشروعة التي يقوم بها محمد علي باشا وابنه إبراهيم باشا ويعلمه بصدور الفتوى في عدم قيام الحجاج لأداء الفريضة، ثم يأمره بإرسال الصرة الهمايونية (النفقة الشريفة) عن طريق بغداد”* وهي رسالة تشير إلى فتوى شيخ الإسلام في اسطنبول بتعطيل الحج في العام 1247 هـ/ 1832م بعد إعلان محمد علي خارجا عن الإسلام، مع وقوع مكة والمدينة تحت حكمه. وثمة وثيقة أخرى تخبرنا بأن إبراهيم باشا أمر متسلم صفد، في 1935م، بالسماح لمئتين من اليهود الروس بالإقامة فيها، لنكون بصدد مستوطنة هي الأولى من نوعها*، لكنها ليست الوحيدة التي سعى إليها محمد علي وولده إبراهيم باشا.

ففي العام 1839 قام زعيم اليهود في بريطانيا “موسى مونتوفيوري” وهو أول يهودي يحصل علي لقب سير ويشغل منصب عمدة لندن، وكان يتمتع بصداقة شخصية قوية مع الملكة فكتوريا، بزيارة محمد علي وابنه إبراهيم وحصل منهما علي وعد بمنحه  امتياز استئجار حوالي 200 قرية في منطقة الجليل في فلسطين لمدة خمسين عاماً، معفاة من الضرائب، مع السماح له بإرسال خبراء لتدريب اليهود علي أعمال الزراعة والصناعة، ولكنه بدلا من قرى الجليل قام بشراء أراض أقام عليها مزارع بالقرب من يافا والقدس وصفد. وهو المشروع الذي يشير إليه اليهودي المقيم في مصر “إيلي ليفي أبو عسل” في كتابه الصادر في القاهرة 1934،  “يقظة العالم اليهودي” والذي صدره بصورة الملك فؤاد! في سياق يحمل ملامح المشروع الصهيوني مكتمل التفاصيل، وضمنه مشروع “مونتوفيوري”، ويذكره الكتاب باعتباره “خطته (خطة مونتوفيوري) التي ترمي إلى استعمار اليهود (هكذا!) بعض أنحاء سوريا وربوع فلسطين، وفاقا لنص القواعد الأساسية التي دونها محمد علي باشا الكبير في صميم الترخيص الذي منحه إياه ووعد بإنفاذه، ولكن لحدثان ما اكفهر وجه السياسة، واكتنفه غسق قاتم من المشاكل المعقدة الخطرة على السلام، فكان ذلك باعثا حمل منتوفيوري على التريث في الأمر، وتحين الفرصة الملائمة التي ضنت بسنوحها في المدة الباقية من حياته. وكان الخلاف الذي شجر في سنة 1839 إثر منازعات طال عهدها بين تركيا ومصر من أقوى البواعث على جمود حركة النشاط الذي كان يبديه منتوفيوري حتى هجع هجعته الأخيرة”*.

ولأنه “مشروع صهيوني مكتمل الملامح” فإن الكاتب لا يتوقف عند تعثر مونتوفيوري، بل يشير إلى من واصلوا العمل بعده قائلا:  “وانبرى من بينهم اللورد شافسبوري* وأدلى برأيه في هذا الموضوع ونشر كلماته الخالدة في جريدة التيمس التي هي صحيفة من أكبر الصحف الانكليزية في اليوم السابع عشر من شهر أغسطس سنة 1840 ومفادها “أن الاقتراح الذي يتناول إعادة الشعب اليهودي إلى وطن آبائه وأجداده وحمايته في كنف خمس من الدول ليس اقتراحا يستشف من خلاله عبارات نظرية، بل هو موضوع جدي خطير جدير بالاعتبار. وقد ظهرت وثيقة وزارية مؤرخة في 21 من يوليو سنة 1840 تتضمن ما يأتي: أولا: ما هو مبلغ اختلاج عواطف اليهود ومداه نحو العودة المحتملة إلى فلسطين؟ ثانيا: هل هم

يمتلكون رؤوس أموال كافية؟ وهل لديهم الوسائل المثلى والذرائع الفضلى لإنهاض هذا المشروع والأخذ بناصره؟ وهل يجنحون إليه بمحض إرادتهم وإلهامهم؟ وهل هم مسوقون بسليقتهم إلى الانضواء تحت نظام يهودي عام…”*.

ويمثل حكم محمد علي للشام، ثم انسحابه منه، خطوة على طريق تمكين الأنغلوساكسون ومشروعهم الصهيوني من فلسطين، حيث إنه “وعلى نقيض سابقيه من الباشوات، سمح إبراهيم للبعثات التبشيرية المسيحية بممارسة نشاطها بحرية كبيرة، ومنحها الإذن بإقامة مؤسسات تعليمية وثقافية. وفي سنة 1838م سمح لبريطانيا بفتح قنصلية دائمة في القدس، الأمر الذي شكل سابقة في العرف القائم، إذ كانت القنصليات تقام في المدن الساحلية وتعنى بالشؤون التجارية. وفي الواقع، ومنذ زمن طويل، كانت القنصليات قد تراجعت في عددها وأهميتها مع تراجع الأهمية التجارية لمدن الساحل السوري، وراح رجال محليون يتولون المهمة. أما في أيام إبراهيم باشا، وخصوصا بعد انسحابه من البلاد، فقد راحت القنصليات تؤدي في الأساس دورا سياسيا. ولم تمض فترة قصيرة حتى فتحت دول أوربية متعددة قنصليات لها في القدس، بما فيها الولايات المتحدة. وراح قناصل هذه الدول يتدخلون في كل شاردة وواردة من شؤون الحكم في البلاد”*. وعندما حصلت بريطانيا، بعد ذلك، على موافقة الدولة العثمانية بإنشاء أسقفية للكنيسة الإنغليكانية في القدس، 1841م، عينت اليهودي المتنصر “مايكل سلمون” أول أسقف لها.

 غياب النوازع الوطنية

لم يكن لدى “الجنرال الأول” نوازع وطنية تجاه بلاد لا يربطه بها إلا أنه ظفر بحكمها مؤيدا بدعم غربي، ولا عجب في أن ينعقد ولاؤه لمن دعموه، وأن يظل خاضعا لهم حتى بعد أن خذلوه، لعلمه أنهم الأقوى. أما عن الوازع الديني، فثمة موقف يلقي الضوء على نظرة محمد علي للإسلام، وللأديان عموما، إذ اتفق في سنة 1825م أن النيل شح، وأخذت مياهه في الهبوط منذ شهر أغسطس/آب (الذي يفترض أنه شهر الفيضان) فأمر محمد علي بإقامة صلاة الاستسقاء (وهي شعيرة إسلامية) لكنه دعا إليها أحبار جميع الأديان والمذاهب، وحين سئل عن دعوة اليهود والمسيحيين للمشاركة في شعيرة إسلامية، رد قائلا: إنها تكون مصيبة كبرى إن لم يوجد بين جميع هذه الأديان دين واحد جيد”*!

وهو رد لا يمكن أن يصدر عمن “يؤمن” بأي من هذه الأديان، يذكرنا بموقف قائد الانقلاب العسكري في مصر “عبد الفتاح السيسي” في 29 من يونيو/حزيران 2016 أثناء احتفال وزارة الأوقاف بليلة القدر، الذي استغله ـ كالعادة ـ لتقريع الأزهر وعلمائه واعتبارهم ـ في الحد الأدني ـ مقصرين في “مواجهة التطرف” حيث قال إنه قرأ وبحث 5 سنوات لتجديد اختياره للدين الذي يعتقده!

ظل بلا دين مستقر لخمس سنوات، ومواقفه تشير إلى أن الراهن أسوأ! وهناك تصريح آخر للسيسي في 9 من فبراير/شباط 2017 أثناء إحدى حلقات ما يسميه “الندوة التثقيفية للجيش” قال فيه إن “الجيش المصري ليس لديه أي انتماءات سياسية أودينية، وإن ولاءه للدولة فقط”. ولن أرد بالتساؤل عن هوية هذه الدولة التي يواليها الجيش، والتي يفترض أنها إسلامية، وهو ما ينسحب على كل مؤسساتها ومنها الجيش، كما لن أذكركم بأن العدو الاستراتيجي المفترض لهذا الجيش هو “الجيش الصهيوني” الذي يعلن تمسكه بـ”أرض إسرائيل” حسب القراءة التلمودية للتوراة، ولكن أذكركم بخبر نشرته صحيفة “هاآرتس” الصهيونية بعد هذا التصريح بعشرة أيام فقط، عن لقاء سري تم ـ قبل سنة من تاريخ نشر الخبر ـ في مدينة العقبة بالأردن، بين السيسي وبنيامين نتنياهو وعبدالله بن الحسين وجون كيري، وأن السيسي الذي نفى وجود هوية ـ أية هوية ـ للجيش ولأي من مؤسسات الدولة قائلا: “لن نسمح بتوجهات داخل الجيش المصري ومن له توجهات ليس له مكان داخل الجيش”. مؤكدا أن “القيادة السياسة لن تسمح بوجود أي توجه داخل مؤسسات الدولة المختلفة حفاظًا على وطنيتها”. هو نفسه السيسي الذي قالت هآرتس إنه قدم لنتنياهو مبادرة تتضمن الموافقة على إعلانه “يهودية الدولة” أي يهودية الكيان الصهيوني، بل وكان يمثل الوسيط الأقرب لنتنياهو في المفاوضات مع كيري!

وهو أيضا السيسي الذي كان أول من صرح بما يسمى “صفقة القرن” بعد مثوله بين يدي ترامب في 3 من أبريل/نيسان 2017. وهي صفقة تعني ـ ببساطة ـ هيمنة الكيان الصهيوني على المنطقة بكاملها، بفضل دول من العبيد والممولين، عبر تنفيذ مشروع “الشرق الأوسط الكبير” الذي سبق أن تحدث عنه “شيمون بيريز” وذكر تفاصيله في كتابه المعروف*، وتشمل الصفقة أن تتنازل مصر عن جزء من أرضها بعد أن يطرد السيسى أهلها منها (رفح، الشيخ زويد، العريش) ليضاف إلى غزة ويصبح أرضا يعيش فيها الفلسطينيون تحت السيادة الصهيونية (لا يسمح لها بجيش وتكون سيادتها منقوصة) وتظل بقية الأرض المخلاة من سكانها منطقة حدودية عازلة. ويفتح ممر بري من مصر إلى الأردن عبر صحراء النقب، ضمن ما يعرف بمشروع “نيوم” وتمد طريق وخطوط سكك حديدية بموازاة الحدود المصرية الفلسطينية، ومن هنا نفهم سر الإصرار على بيع تيران وصنافير، حتى لا يظل مدخل خليج العقبة مياها داخلية تتحكم فيها مصر وحدها، وبالتالى تتحكم فى الطريق والسكك الحديدية، بل يصبح ممرا دوليا مباحا لكل الشركاء، كما نفهم سر التنازل عن 1000 كيلو متر من سيناء لصالح المشروع الصهيوني “نيوم”، ضمن جريمة اقتلاع الشعب المصري من أرضه، وحشر الشعب الفلسطيني في زنزانة برسم القتل. وهو المشروع الذي طرحه الكيان الصهيوني، وأعلنه ويعمل عليه، منذ 2008م، وهو مبنية ـ فى جانب منه ـ على مشروع اقترحه تيودور هرتزل فى 1903م ورفضته سلطات الاحتلال البريطاني لإضراره بمصلحة مصر!*

وهكذا فإن الجنرال الأول “محمد علي” منح ـ عبر ابنه إبراهيم ـ للصهاينة مستوطنتهم الأولى على أرض فلسطين في 1835م، ثم أراد التوسع عبر مشروع مونتفيوري، والسيسي أقر لهم بدولة  في 2017م، ويتوسع متنازلا عن أراض مصرية عير نيوم وصفقة القرن. هذا هو حصاد “حكم العسكر” في 182 سنة، من “باشا النصارى” محمد علي، إلى “جنرال اليهود” عبد الفتاح السيسي.

  • تفاصيل مذهلة ومجهود مشكور من حضرتك
    تحياتى واطالب بالمزيد لنشر الوعى والاستفادة من تجارب الماضى فى تعاملنا مع المستقبل

Comments are closed.