ذكريات أكتوبرية (2) الدفاع الشعبي

م.علاء فهمي

1 – الدفاع الشعبي : ربما لم يسمع عنه الكثير ولكنه كان موجودًا في كل قرية ، ما أذكره هو مطالبته الدائمة بإطفاء الأنوار ليلا أثناء الغارات وخاصة أيام حرب الاستنزاف ، ومطالبته الجميع بطلاء زجاج النوافذ باللون الأزرق ، ووضع ورق لصق عليه بالطول والعرض حتى لا يتناثر الزجاج لو كانت هناك انفجارات أو خرق لحاجز الصوت من الطائرات المعادية ..

2 – والتحذير من التقاط ألعاب الأطفال التي قد ترميها الطائرات الإسرائلية كشراك خداعية، والتنبيه باليقظة ضد الجواسيس وناشري الإشاعات..

3 – التذكير الدائم مع كل آذان صلاة بخطر اليهود ، فقد كان يسبق كل آذان وخاصة الظهر والعصر تلاوة قصيرة تتضمن آية : “لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم … ” ،

والتحذير من نقل الإشاعات وبلبلة الجبهة الداخلية بتلاوة آية : “وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به .. ” ، وربما يحاولون هذه الأيام طمس هذه الآيات المجيدة ..

4 – كانت هناك ساعات عمل محددة لمنبر المقاومة الفلسطينية ، وإذاعة بياناتها وأهازيجها التي حفظناها ورددناها معهم ،

ولا أزال أذكر صوت المذيع وهو يفتتح ساعات البث اليومي : ” صوت فلسطين ، صوت فتح ، صوت العاصفة ، صوت منظمة التحرير الفلسطينية” ..

5 – فجأة وفي بداية العام الدراسي 1968 فوجئنا بنقلنا فترة مسائية في مدرسة أخرى بالقرية ، لأن مدرستنا قد أصبحت ملجأ لعدة أسر من مدن القناة ، وعرفنا أن قرارًا صدر بإخلاء مدن القناة الثلاثة ، وتوزيع أهلها على المحافظات ، وكان من نصيب قريتنا تحول مدرستين ابتدائيتين إلى ملجأ للمهاجرين كما كنا نطلق عليهم ،

ولم يكن في قاموس الدراسة أيامها أن تكون المدرسة على فترتين ..

ولم نستوعب ساعتها المأساة وحجمها ، والتي تمثلت في افتراش الأسر للفصول ، ودورات المياه الجماعية ، وتحولهم بين ليلة وضحاها إلى لاجئين !!

6 – فلم يكن ممكنًا أن تكون إسرائيل على شط القناة الشرقي وتتراشق المدفعية كل يوم بدون أن يصاب المدنيون بمدن القناة ، وكذلك لم يكن من المنطقي الاستعداد وهؤلاء تحت القصف ، واستمرت حرب الاستنزاف سنوات ،

ولك أن تدرك ضخامة ومرارة القرار الذي صدر ، وآثاره على التركيبة السكانية لمحافظات مصر ..

7 – من زار مدن القناة بعد انتهاء حرب أكتوبر يدرك حجم المأساة التي حلت بالثلاثة محافظات : السويس والإسماعيلية وبورسعيد ، وحجم التضحية التي قدمتها هذه المحافظات وأهلها توطئة للنصر ،

والتي من المؤكد لم تأخذ حقها في الإشادة ولا التعويض ..

8 – صدروا لنا أن حرب 1956 والعدوان الثلاثي انتهت بنصر عظيم ، كنا نحتفل به دائمًا يوم 23 ديسمبر من كل عام ، ولم ندرس أو نقرأ يومها عن الانسحاب الغير منظم للقوات من سيناء ، والذي أدى بإسرائيل إلى احتلال سيناء بدون مقاومة ، كما لم يذكروا لنا أن انسحاب قوات العدوان كان لتوازنات دولية ، وليس نتيجة مباشرة لصمود أهلنا في بورسعيد وبطولاتهم الفائقة في مقاومة المظليين الإنجليز والغزاة ..

كما أخفوا عنا وضع قوات الأمم المتحدة ، ولم يذكروا لنا أن إسرائيل كانت تروح وتجيء في خليج العقبة ، كل هذه الأشياء ظهرت في التلاسنات والتراشقات قبل حرب 1967 ، وخاصة في شهر مايو ، والتي تمادى فيها عبد الناصر لندخل معركة لم نستعد لها فيتكرر أمر الانسحاب الذي صدر في 1956 ،

كما تكرر تحطيم الطائرات وهي رابضة على أرض المطار ، وربما كان قائد القوات الجوية هو نفس الرجل لم يتغير ، وكأنما مهمة القيادة كانت تسليم رقاب جنودنا ومقدرات شعبنا للأعداء لقمة سائغة بدون منغصات ولا تلبكات معوية !!

9 – ولأن الهزيمة في 67 كانت ساحقة ماحقة ، ولأن الشعب فقد مصداقيته في كل شيء ، ولم يعد يصدق البيانات العسكرية الكاذبة التي لعبت به أثناء حرب 67 ، والتي كان تكليلها بخطاب التنحي الشهير ،

ومن ثم فقد عرف الحقيقة وأن الحرب ليست نزهة ، وأن العدو ليس بالسهل ، وأن أمريكا من ورائه بدون تحفظ ، وأن الاتحاد السوفيتي معنا بتحفظ ، وأن الجميع مسؤول عن صنع النصر ومحو العار ..

10 – وكانت الشعارات الشهيرة تكتب على الحوائط بالمدارس وفي كل مكان : ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة – نسالم من يسالمنا ونعادي من يعادينا – لا صوت يعلو فوق صوت المعركة – يد تبني ويد تمسك بالسلاح،

حتى كانت عبارة السادات الشهيرة : العين بالعين والسن بالسن والعنف بالعنف والعمق بالعمق والنابالم بالنابالم !!

 

90 total views, 3 views today