أنور إبراهيم على خطى أردوغان.. من غياهب السجون إلى أروقة الحكم

السياسي أنور إبراهيم السياسي انور إبراهيم

أعلنت لجنة الانتخابات في ماليزيا عودة السياسي الكبير أنور إبراهيم إلى البرلمان، بعد فوزه بمقعد عن مدينة بورت ديكسون، في الانتخابات التكميلية التي أجريت مساء  أمس، وجاء إعلان فوز “إبراهيم”البالغ من العمر  (71 عاما) تمهيدا  لتوليه منصب رئيس الوزراء، تنفيذا لاتفاق   أبرمه مع  خصمه السابق ورئيس الوزراء الحالي مهاتير محمد بعد نجاحه في الانتخابات الأخيرة، بتحالف مع حزب العدالة برئاسة زوجة أنور إبراهيم ” عزيزة وان”.

وقد تم عقد الإتفاق  خلال الإنتخابات البرلمانية الأخيرة بينما كان أنور إبراهيم محبوسا بتهم ملفقة، وتضمن الإتفاق العفو عن إبراهيم، وإخلاء دائرة انتخابية له ليعود من خلالها إلى البرلمان ومن ثم إلى رئاسة الوزراء خلفا لمهاتير الذي تعهد بترك المكان لخصمه بعد انتهائه من بعض قضايا الفساد الكبرى التي طالت رئيس الوزراء السابق رزاق نجيب.

برز نجم أنور إبراهيم منذ أن ترأس منظمة الشباب الإسلامي الطلابية في ماليزيا وهو في العشرين من عمره، والتي انبثق منها حركة الشباب الإسلامي التي تزعمها فيما بعد، وكان يعد أيقونة ثورية رأى فيه الكثير من أبناء وطنه ناطقا حقيقيا باسمهم، يعبر عن أحلامهم ورؤاهم ويدافع عن قضاياهم ، تعرض أنور للاعتقال أكثر من مرة أولها عام 1974 واستمرت قرابة 22 شهرًا دون محاكمة، في تهم أرجعت لنشاطه السياسي ودفاعه المتواصل عن المحرومين والفقراء والفلاحين في ماليزيا، وعقب الإفراج عاود مسيرته مرة أخرى وهو ما أثار إعجاب رئيس الوزراء حينها مهاتير محمد ومن ثم دعاه للالتحاق بحزب الاتحاد القومي الماليزي عام 1982.. ومن هنا كانت البداية.

هو سياسي بارز، ويعتبر مهندس نهضة من الطراز الأول، استطاع في وقت لا يساوي في حساب الزمن لحظات أن يتسلل إلى عقول وأفئدة القائمين على أمور الحكم في بلاده، ونجح في فترة وجيزة أن يصعد سلم المجد والشهرة ليتحول خلال سنوات قصيرة إلى أحد أشهر الزعماء والساسة في ماليزيا.

بعد 20 عامًا تنقل فيها إبراهيم بين المحاكم والسجون، على خلفية قضايا ظاهرها أخلاقية، لكنها وفقا للعديد من الخبراء قضايا سياسية من الدرجة الأولى، خرج الأن للنور مرة أخرى، لكنه خروج مختلفا شكلاً ومضمونًا، فالرجل الذي قضى أكثر من ربع عمره في السجن، أصبح على مشارف عتبة رئاسة وزراء ماليزيا.

اتهامات باطلة

كانت العلاقة بين إبراهيم ومهاتير في أوجّها منذ تنصيبه نائبًا له في 1993، إلا أنه برز لاحقاً كأكبر منتقد لإدارة مهاتير محمد، فحين زارت مارجريت تاتشر ماليزيا قالت “كنت أتمنى أن يكون لدي وزير مالية مثل أنور ابراهيم”  وبعد الأزمة المالية التي عصفت بدول شرق أسيا عام.1997 توترت العلاقة بين أنور إبراهيم ومهاتير محمد، حيث نشب خلاف حاد بين الرجلين إثر تلك الأزمة بسبب ملفات الفساد وطريقة إدارة الدولة، والتي نجم عنها إقالة إبراهيم من منصبه.

وفي عام 2000 أدين بقضايا فساد وتهم جنسية وسجن لتسع سنوات، ورغم أن المثلية غير قانونية في ماليزيا إلا أنه من النادر محاكمة أحد بسببها، ما أعدها البعض أنها مكائد سياسية تهدف إلى إقصاء إبراهيم سياسا، وظل إبراهيم مصممًا على أن هذه التهم له دوافع سياسية، للحيلولة دون أن يصبح مصدر تهديد سياسي لمهاتير محمد.

وفي فبراير 2010 بدأت محاكمة جديدة له بتهمة اللواط مجددا مع سائقه الخاص حيث وصف المحاكمة “بالمؤامرة” مضيفاً بأنها “ذات دوافع سياسية” و”أنها مؤامرة دبرها فاسدون”. كما وجه اتهاما لرئيس الوزراء الماليزي نجيب عبد الرزاق وزوجته روسماه، بأنهما ضالعان في المؤامرة كونهما حسب قوله قابلا مساعده السابق “محمد سيف البخاري ازلان” قبل توجيه التهمة، وذكر عدد من المحللين السياسيين حينها أن المحاكمة الأخيرة كان هدفها توجيه الأنظار عن الأزمة الطائفية في البلاد وكذلك الضعف في الاقتصاد الماليزي.، لكن المحكمة حكمت له بالبراءة.

وفي 10 من فبراير/شباط 2015 عادت تهمة الشذوذ مرة أخرى، لكن هذه المرة المحكمة العليا أيدت الحكم بسجنه خمس سنوات، رافضة الطعن الذي تقدم به، وبعد أقل من شهر تقريبًا على الحكم وبالتحديد في 7 من مارس/آذار 2015 خرج الآلاف في شوارع كوالالمبور مطالبين بإطلاق سراحه، كما تقدمت عائلته بالتماس للعفو من الأسرة الحاكمة.

عفو عام وعودة من جديد

اعترف مهاتير بخطئه التاريخي في سجن خصمه السياسي، وهو الخطأ الذي تعهد بمعالجته حال فوزه في الانتخابات فورًا، وعقب فوزه في11مايو 2018 بعد التحالف مع حزب العدالة التي تترأسه “عزيزة وان “زوجة انور إبراهيم ،صرح رئيس الوزراء الماليزي “مهاتير محمد” أن الملك محمد الخامس وافق على إصدار عفو ملكي عن السياسي المسجون أنور إبراهيم، وذلك بقرار فوري.

وبعد أن خرج أنور إبراهيم من السجن توجه إلى القصر الملكي مباشرة بعد إطلاق سراحه من المستشفى الذي كان يعالج فيه، وصرح محاميه الخاص بأن العفو الذي أصدره الملك عفوًا شاملاً: “وهو ما يعني أن كل الإدانات السابقة ضده قد ألغيت”.

قبيل الانتخابات كان قد صرح مهاتير محمد بأن بقاءه في السلطة كرئيس للحكومة حال فوزه في الانتخابات لن يستمر أكثر من عامين، يحاول فيهما إصلاح ما أفسده رئيس الحكومة السابق نجيب عبد الرزاق، كما أن عمره الذي تجاوز الـ93 عامًا ربما يكون عائقًا حال استمراره، وهو ما فسر حينها بأن الباب سيكون مفتوحًا أمام إبراهيم (71 عامًا) للعودة للمشهد السياسي مجددًا، لكن هذه العودة لا يمكن أن تكون هكذا بصورة مفاجئة.

إبراهيم وأردوغان وجهان لأزمة واحدة

لم يكن أنور إبراهيم هو السياسي الأول الذي يُتهم باطلا لإعاقة مسيرة عمله السياسي، فقد تعرّض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لظروف مشبهة.

ففي عام 2002 عندما اقترح حزب الحركة القومية إجراء انتخابات مبكرة لمواجهة الأزمات الاقتصادية والسياسية بتركيا، دخل حزب العدالة والتنمية للمرة الاولي هذه الانتخابات وتصدرها بنسبة 34%، في مقابل 19% لحزب الشعب الجمهوري. ولم تستطع الأحزاب الأخرى تخطي السقف الانتخابي في حينها.

لكن الرئيس أردوغان لم يستطع دخول البرلمان، وتولي رئاسة الوزراء آنذاك، نظراً لأنه مُنع من تولّي مناصب سياسية في الدولة من قبل المحكمة الدستورية، نتيجة قراءته عام 1997، بصفته رئيس بلدية إسطنبول، شعراً وُصف بأنه تحدٍ لعلمانية الدولة وقد حكم عليه بالسجن مدة 6أشهر. لذا تولى رئاسة الوزراء رفيقه ، عبدالله غل.

وعقب انتهاء الحظر السياسي على أردوغان عام 2003، اتجه حزب العدالة والتنمية إلى دفع مروان غل، النائب عن مدينة سيرت التي لم تقبل نتائج انتخاباتها من قبل الهيئة العليا للانتخابات التي تلقت اعتراضاً من حزب العدالة والتنمية على عملية الفرز للأصوات في المدينة، لتقديم استقالته في 31 كانون الثاني/يناير 2003، ورشح أردوغان نفسه مرشحاً عن مدينة سيرت. وفي 9 آذار/مارس 2003، أُجريت الانتخابات من جديد في سيرت، وفاز أردوغان مع اثنين من مرشحي الحزب، لتبدأ بذلك سنوات حكم أردوغان فعلياً.

وهكذا انتهت سنوات أنور إبراهيم العجاف لتبدأ سنوات  الزرع والحصاد، فمع كل ما واجهه من اتهامات باطلة ومؤامرات لحظر عمله السياسي وتشويه سمعته، لم يفقد الأمل أن يعود يوما في أرفع تتويج سياسي، ليدحض كل نظرية تقول بأن التغيير صعب وأن الأمل انتهي، ويعطي درسا للمهزومين نفسيا واليائسين أن طالما في العمر بقية، يظل هناك أمل، وما دامت الشعوب تسعي وتحاول سوف يأتي التغيير وتنقشع غمامة الظلام ويزدهر المستقبل.