آل عشماوي في الجيش المصري

قطب العربي

بالقبض على ضابط الصاعقة المنشق هشام عشماوي في درنة الليبية تكون السلطات الأمنية المصرية قد حصلت على صيد ثمين، فهشام عشماوي يعتبر حاليا وفقا للروايات الأمنية الشخص الأخطر على الأمن المصري بحكم ما يمتلكه من خبرات عسكرية مكنته وتنظيمه (المرابطون) من تنفيذ عدة عمليات كبرى راح ضحيتها عشرات المدنيين والعسكريين المصريين، مثل محاولة اغتيال وزير الداخلية السابق محمد إبراهيم، وحادث كفر القواديس الذي راح ضحيته 28 ضابط ومجند، وحادث الفرافرة الذي قتل فيه 25 ضابط وعسكري، وحادث حافلة أقباط المنيا التي قتل فيها 40 مسيحيا، وحادث طريق الواحات الذي راح ضحيته 16 ضابطا ومجند، واغتيال ضابط الأمن الوطني العقيد محمد مبروك، الخ

لم يكن عشماوي هو الضابط الوحيد الذي انضم للمجموعات المسلحة مثل القاعدة وتنظيم أنصار بيت المقدس أو داعش، أو ولاية سيناء، فقد سبقه ولحقه الكثير من ضباط الجيش المصري وضباط الشرطة أيضا، ويمكننا هنا ان نذكر العديد من الأسماء التي يمكن وصفها بـ”آل عشماوي” مثل رفيقه في عملية طريق الواحات ( نوفمبر 2017)ضابط الصاعقة السابق عماد عبد الحميد، ورفيقه في محاولة اغتيال محمد إبراهيم وزيرالداخلية الأسبق الضابط وليد بدر عضو تنظيم القاعدة، ورفيقه الضابط  السابق طارق أبو العزم، وهناك عشرات الأسماء الأخرى التي لا تسمح المساحة بتعدادها.

تصاعدت حالات التمرد عقب انقلاب الثالث من يوليو 2013، ونقلت الأخبار إحالة العديد من الضباط للمحاكمات العسكرية ضمت عشرات العسكريين، وكانت تهمتهم هي المشاركة في محاولات انقلابية ضد السيسي، اعترف هو شخصيا بمحاولتين منها ، وربما يفسر هذا التوترات التي ظهرت مرارا على السيسي في لقاءات عامة تحدث خلالها بإشارات غامضه عن تصديه لأي محاولة لزعزعة الأمن، والمساس بكرسي الحكم، ولا ننسى أن شكوكه دفعته للتخلص من عشرات الجنرالات الكبار في المخابرات العامة إلى حد تغييرها بشكل شبه تام، كما دفعته للتخلص من عدد كبير من صغار ومتوسطي الرتب العسكرية كما حدث مع ضباط الفرقة السادسة مؤخرا.

وإذا كان عشماوي ورفاقه يمثلون المظهر الأكثر خشونة وفجاجة للتمرد العسكري ،حيث فضلوا العمل من خلال جماعات مسلحة سواء قبل الإنقلاب العسكري أو بعده، كما أنهم استهدفوا بعملياتهم القوات المسلحة ذاتها، فإن هناك ضباطا آخرين عبروا  بطريقة مختلفة عن رفضهم لما وصلت إليه أوضاع البلاد، ولكنهم لم ينضموا للتنظيمات المسلحة، بل ظلوا على ولائهم للقوات المسلحة، ومع ذلك تمت إحالتهم للمحاكم العسكرية والحكم عليهم بالمؤبد والأشغال الشاقة، بدعوى مشاركتهم في التخطيط للإنقلاب على السيسي او محاولات اغتياله.

لا يمكننا بطبيعة الحال أن نتجاهل مذابح السيسي ضد قادة كبار كانوا قادته من قبل أومن كبار مساعديه لاحقا، مثل الفريق سامي عنان رئيس الأركان السابق والذي كان السيسي مروؤسا له حين كان مديرا للمخابرات الحربية، والفريق أحمد شفيق قائد سلاح الطيران الأسبق وقت ان كان السيسي ضابطا صغيرا يتلمس خطواته الأولى في الحياة العسكرية، وهما القائدان اللذان حاولا ممارسة حقهما الديمقراطي بالترشح لرئاسة الجمهورية في مواجهته(ومعهما أيضا العقيد أحمد قنصوة)، وقد سجن السيسي كلا من عنان وقنصوة، فيم فرض الإقامة الجبرية على شفيق، كما أقال السيسي  صهره رئيس الأركان السابق الفريق محمود حجازي، ورئيسي المخابرات السابقين اللواء محمد فريد تهامي واللواء خالد فوزي، والفريقين أسامة عسكر، وأحمد وصفي، وأخيرا أقال شريكه في الإنقلاب وزير الدفاع السابق الفريق صدقي صبحي.وفرض الإقامة الجبرية عليه.

تنوع وتعدد حالات التمرد ضد السيسي داخل الجيش المصري تنسف ادعات أبواقه بوقوف الجيش صفا واحدا خلفه، فتلك هي الصورة التي يريد السيسي تسويقها للشعب لعلمه بالمكانةالخاصة للجيش بشكل عام في نفوس المصريين، إذ لا يخلو بيت أو أسرة مصرية من وجود ضابط أو مجند منها، كما أن هذا الأمر هو رد بالغ على من يضعون الجيش كله في سلة واحدة يوجهون إليها سهامهم، بزعم ارتكاب الجيش (هكذا في المطلق) للمجازر بحق الشعب، وبدعوى هيمنته على اقتصاد البلاد، وتمتعه بالامتيازات الخاصة  والرواتب العالية على حساب المدنيين، وهيمنته على المجال العام عموما.

لا ننكر طبعا وجود المظاهر السلبية السابقة، لكن من الإجحاف تعميمها على الجيش بشكل عام، فمن شارك في أي مذبحة يكون فقط هو المدان، والذي ينبغي محاسبته بشدة، ومن قرر ونفذ أي شكل من أشكال اغتصاب السلطة أو الثروة يكون هو فقط المدان، وينبغي محاكمته ومحاسبته أيضا، أما أولئك القابعون على الحدود والثغور، والذين يحمون المنشآت العامة، ويعيشون وسط الصحراء الشرقية والغربية فهؤلاء ينبغي تجنيبهم الصراعات السياسية، وتقديم الدعم التدريبي والتطويري اللازم لهم، والاحتفاء بهم وتكريمهم.

هشام عشماوي سلك طريقه نحو العمل المسلح حين عرف أن أحد أصدقائه المقربين مات في السجن تحت التعذيب، وأحمد الدروي(ضابط الشرطة) سلك الطريق ذاته بعد وقوع الإنقلاب العسكري على التجربة الديمقراطية التي شارك هو شخصيا فيها مرشحا لبرلمان ثورة يناير، وغيرهم سلكوا هذا المسلك بعد تأكدهم من انسداد مسار التغيير السلمي، ليس القصد هنا تبرير، ولكن تفسير مسلكهم المرفوض شكلا وموضوعا، فتصاعد المظالم في مصر، وتصاعد القتل والتعذيب والإخفاء القسري ومطاردة الآمنين، وملاحقة السياسيين السلميين، وغلق المجال العام، والتضييق على الناس في أرزاقهم وأقواتهم، وقهرهم وإهدار كرامتهم هو البيئة الخصبة لظهور العنف والإرهاب، وهذا كلام مكرر ومعروف منذ الستينات، لكن التذكير به دوما واجب فالذكرى تنفع المؤمين.