كتاب الثورة (1) سؤال موليير

محمد القدوسي

 

في 14 من أكتوبر/تشرين الأول 1670م قدمت فرقة “موليير” مسرحيته “البرجوازي النبيل” للمرة الأولى أمام بلاط لويس الرابع عشر في قلعة شامبورد، وتتضمن مشهدا يدور بين السيد جوردان بطل المسرحية وبين معلمه، وفيه يطلب جوردان من المعلم أن يساعده في كتابة رسالة غرامية، فيسأله المعلم: تريدها شعرا أو نثرا؟ فيجيبه: لست أريدها شعرا. فيقول المعلم: تريدها نثرا إذا. لكن جوردان يرد عليه: ولا أريدها نثرا أيضا، فيوضح له المعلم أن الكلام إما أن يكون شعرا أو نثرا. ويعلق جوردان متسائلا: معنى ذلك أنني عندما أقول لخادمي ناولني حذائي أو قلنسوتي  فإنني أقول نثرا؟ ويجيبه المعلم بنعم،  وهنا يقول جوردان: يا إلهي ،كنت أتكلم نثرا إذن منذ أربعين سنة من دون أن أدري، أنا أكثر الناس امتنانا لك يا سيدي لأنك عرفتني هذا.

وهو مشهد مازال المتفرجون يضحكون منه حتى اليوم، كما أصبح يروى باعتباره طرفة وقعت بين الشاعر الفرنسي “بودلير” وساذج كان يزوره، ومن حقك أن تضحك من سذاجة “جوردان” وزائر “بودلير”، لكن من واجبك تذكر أن “الحكم على الشيء فرع عن تصوره”. وتوضيح القاضي “عبد القاهر الجرجاني” أن “التصور: حصول صورة الشيء في العقل”.

والآن يمكن أن نذهب لإجابة سؤال الثورة، ولن يدهشنا اكتشاف أن الكثيرين هم ـ كجوردان ـ ليس لديهم تصور لها، حتى وإن كانوا قد انغمسوا في بعض تفاصيلها. كما لن يدهشنا، ما دامت الصورة لم تحصل في العقل، أن نجد كل هذا الخلط بين الثورة والاحتجاج والتذمر والهبة، وبين الثورة وأدواتها، بحيث يصبح كل حشد جماهيري ثورة، وكل تظاهرة تسمى ـ على الأقل ـ موجة ثورية جديدة!

فلننتقل إذا من موقف “جوردان” إلى موقف “المعلم” ولنحاول رسم الصورة في العقل، منذ البداية.

***

اعلم ـ هُديت إلى الصواب ـ أن الثورة بالتعريف هي “تغيير واعٍ جذري حَالٌ وشامل ينتظم بنية المجتمع”.

وثمة سمة أخرى من سمات الثورة، هي أنها لا بديل لها.

ولنبدأ في رسم الخطوط الخارجية للصورة، دعونا نذهب إلى مقهى متساقط الطلاء يرتاده أحد عابري السبيل. إن فتات الطلاء المتساقط يضايق “الزبون” لكنه لا يعبر عن ضيقه، وأقصى ما هناك أنه، على الأرجح، سيشرب قهوته متعجلا، وهذا ما يسمى “التذمر”: مجرد ضيق ـ أو حتى غضب ـ مكتوم. لكن ماذا لو كان الزبون مضطرا لإطالة البقاء في المقهى؟ ربما استدعى النادل ليشكو إليه، أو ليطالبه بتعويض عن قهوته التي لوثها فتات الطلاء، وهذا يسمى “الاحتجاج” وهو سلوك لا يهدف صاحبه إلى أكثر من بعض التعديل ـ وليس التغيير ـ في بعض التفاصيل، مكتفيا باستخدام ما يسمونه “القنوات الشرعية” ولاحظ أنه اكتفى بالحديث مع النادل (مع أنه مجرد ضحية أخرى لفتات الطلاء) ولم يتوجه لصاحب المقهى، لأنه ـ في نهاية المطاف ـ مجرد زبون، وعابر سبيل مهما طال مكثه.

والآن لنفترض أن الوضع ازداد سوءا، فهناك قطعة كبيرة من الطلاء سقطت في الفنجان، لتسكب بعض القهوة على ملابس الزبون، أو أن النادل ـ المتذمر هو الآخر ـ رد بخشونة على الاحتجاج، هنا ربما ارتفع صوت الزبون، وربما طالب باستدعاء صاحب المقهى، أو الشرطة، وتلك “هبة” ستنتهي سريعا على أية حال، سواء بتطييب خاطره وربما منحه ما يعوض بعض خسائره، أو بإلقائه خارج المقهى مع تهديده، أو بتدخل الزبائن الآخرين وربما الشرطة، لكنها في كل الأحوال ستنتهي مع استمرار تساقط فتات الطلاء، فإيقافه نهائيا لم يكن هدفا لها، بل كانت تسعى إلى الخلاص الفردي من آثاره (بعضها أو كلها).

وكل ما سبق ليس هو الثورة، لا التذمر ولا الاحتجاج ولا الهبة هي الثورة، ولا يعد أي من هذا “أداة ثورية” إلا إذا جاء في إطار رؤية شاملة تربطه ببقية الأدوات وتحدد وظيفة كل منها. ومن لوازم هذه الرؤية أن الثورة والدولة التي تستهدفها نقيضان، فلا حوار معها ولا قنوات تصلها بها، وأن الثورة ـ على الأصل ـ عمل “ضد القانون” وعلى هذا فهي غير معنية ـ على الأصل ـ بأية شرعية إلا شرعيتها.

لهذا فإن كل تذمر لا يفضي بالضرورة إلى ثورة، وكل محتج لا يعد ثائرا لمجرد أنه رفع عقيرته معلنا رفضه، ذلك أن هذه الحالات (في صورتها المعزولة) تفتقر إلى “الوعي” والثورة تغيير “واعٍ” لا يكتفي بمعرفة ما يرفضه (وهي المعرفة المتاحة لكل متذمر وحتى كل من هو في أولى درجات الغضب) بل يعرف ما يريده، والأكثر أهمية أنه يعرف طريق الوصول إليه.

هذه الأشكال، التي لا ترتقي إلى درجة ثورة، وصفها “كارل ماركس” بـ”الجيشان الثوري” واعتبر الملاحقة غير الواعية لها سببا مباشرا في تلقي القوى الثورية (البروليتاريا من وجهة نظره) هزائم متلاحقة تطيل عمر الثورة المضادة، حيث يقول في “18 برومير ـ لويس بونابرت” الذي تناول “الربيع الأوربي” وهو ـ في تقديري ـ مؤلفه الأكثر أهمية، عن هذه القوى الثورية: “إنها تحاول من جديد أن تتقدم إلى الأمام كلما لاح لها أن الحركة تنهض من جديد، ولكن هذه المحاولات تضعف أكثر فأكثر وتسفر عن نتائج تتضاءل أكثر فأكثر. وحالما كان يعتري إحدى الفئات الاجتماعية جيشان ثوري، كانت تدخل في حلف معها. وهكذا كان لها نصيب في جميع الهزائم المتوالية التي منيت بها الأحزاب المختلفة”. ويالها من صورة قاسية، وصادقة، لثوري هو بطبيعة موقفه نقيض للدولة التي لم تسقطها الثورة بعد، والتي تميزت ـ تحت تأثير الحراك الثوري ـ إلى عناصر تستجمع قواها مستعيدة شكلها الأول (سلطة الثورة المضادة) وأخرى تواصل دمدمتها، متذمرة أو محتجة، على هذه السلطة، وحريصة ـ في الوقت نفسه ـ على بقائها، أو على الاحتفاظ بصلاتها معها ولو في حدها الأدنى. ثوري في جهة وثورة مضادة بسلطتها ومتذمريها في جهة أخرى، وأزمة الثوري أنه يشارك كل فصيل متذمر معركته مع السلطة، غير منتبه إلى أنها مجرد مشاجرة في داخل البيت نفسه، وأن هذا الفصيل الذي يشاركه أقرب إلى عدوه، أو أنه ـ بالتكوين العضوي ـ جزء منه، ولهذا فإن العدو “سلطة الثورة المضادة” والشريك سيصلان إلى “صفقة ما” ينهيان بها “المشاجرة” في نهاية المطاف، وسيحرصان ـ ربما بالقدر نفسه ـ على إخراجه مهزوما، وتتكرر الهزائم بتعدد الفصائل المتذمرة والمحتجة، مخلفة “الثوري” وحيدا خائر القوى، في مواجهة الثورة المضادة، بسلطتها وشركائه السابقين من المتذمرين المحتفظين بقواهم، إذ خاض كل منهم “مشاجرة” واحدة، بينما خاض هو “معارك” بعدد “مشاجراتهم” جميعا، ما استنزف قواه تماما.

والمدهش أن يظل الجميع تقريبا في مصر، وبرغم كل ما جرى، أسرى الصورة النمطية نفسها، فالثورة عندهم لا تعني إلا تظاهرات يشارك فيها مدنيون يحملون لافتات سياسية مختلفة، لا تجمعهم أية رؤية مشتركة، إلا إسقاط الحاكم الذي لا يدركون حدود وجوده وتأثيره ويقصرونه على شخص (أو بضعة أشخاص في أحسن الأحوال) ثم لا يحملون أي تصور لما بعد ذلك، وفي تظاهراتهم يتلقون رصاص الطغمة الحاكمة بصدورهم العارية، ومن ينج منهم يخضع لمحاكمات حسب القوانين التي وضعتها الطغمة نفسها لحماية وجودها، ولا يكون أمام “المتهم” حينئذ إلا الدفاع عن نفسه محاولا إقناع الطغمة بمشروعية الثورة، ويالها من مهمة مستحيلة. أو التنكر للثورة أو التماس الرحمة من جلاديه، ويالها من مهانة. بل، وقبل هذا وذاك، ياله من قصور فى التصور أنتج ـ بالضرورة ـ خللا فادحا في الحكم، يحتاج تصحيحه إلى ضبط تعريف الثورة بمختلف حدوده، ولنبدأ بالتفرقة بين الثورة من ناحية، وبين الإصلاح والمعارضة من ناحية أخرى.

 

عن الإصلاح والمعارضة

 

ليست الثورة مجرد “رأي”. ليست مجرد “وجهة نظر” ولا هي “موقف” يمكن اتخاذ موقف ـ أو مواقف ـ بدلا منه، لكنها “مجازفة كبرى” أو هي “المجازفة الكبرى” التي يخوضها الثوار مدفوعين بوعي يصهرهم في جماعة، تعبر ـ هي ـ بالثورة عن غريزة “حب البقاء” في ذروتها، ويضحون ـ هم ـ حتى بأرواحهم، في سبيلها.

وعي يؤكد لهم أنه لا بديل أمامهم عن الثورة، مهما عظمت الصعوبات وتضاءلت فرص النجاح، امتلاكهم له هو دافع استمرار الثورة مهما منيت بالخيبات، وتناميه سر كونها “الحرب الوحيدة التي لا يتحقق فيها النصر إلا بعد سلسلة من الهزائم” ومع ذلك يظل مقاتلوها أوفياء لها مستمسكين بها متفاءلين وهم يخوضونها.

الثورة وعي بحتمية التغيير، ووعي بطبيعة هذا التغيير، وأنه “هدم” ثم “بناء”، وهي نقيض “الإصلاح” بمعنى ترميم أو تعديل أو تحسين الدولة القائمة بسلطاتها ومؤسساتها ونظامها القانوني، حيث يسعى الإصلاح إلى “الحفاظ” على الدولة، بينما تسعى الثورة لهدمها وإقامة دولة جديدة مكانها، ولا شك في أن الإصلاح نقيض الهدم، وغير ذلك يكون إهدارا للثورة وجهلا بها في أصلها وفي تفاصيلها.

وفي هذا السياق، دعونا نتذكر أن “تغيير الدستور” يأتي دائما على رأس أولويات الثورات، في مرحلتها الأولى (مرحلة الحراك العفوي)، في قاعدة بدا أن “الربيع العربي” التزم بها أيضا، ولا أدري كيف يتغير الدستور، حسب “الوهم” الذي قام في مصر مثلا بعد حراك 25 يناير، ما يستوجب تغير كامل النظام القانوني الذي يتخذه مرجعية عليا له ـ ثم تبقى كل المؤسسات ـ التي نشأت في ظل النظام القانوني السابق ـ  بكل قياداتها ـ التي أقسمت على احترام الدستور السابق ـ في أماكنها؟ كيف (وبدعوى الإصلاح) يُحكم مجتمع “الثورة” بالنظام نفسه الذي خرجت الثورة لإسقاطه؟

مفهوم ـ طبعا ـ أن ما جرى في مصر التي ضربنا بها المثل مجرد إجراء شكلي، أشبه بعملية تجميل لأنف رجل ميت، سيظل عاجزا عن التنفس مهما بدا في صورة أفضل، وأننا مجبرون في النهاية على دفن هذا الميت برمته، لكن لا بأس، فهذا يحدث يوميا، ألا تراهم في الغرب يجملون الموتى قبل أن يلقي أحبتهم النظرة الأخيرة عليهم، ثم ماذا؟ سيدفنونهم أو يحرقونهم حتما! وهو ما قام، ويقوم، به هؤلاء، الذين يعجلون بطي صفحة “الإصلاح” إذ يرشون مساحيقه فوق جثة الدولة المنهارة، تمهيدا لحرق أو دفن لم نصل إليه بعد. 

في واقع الأمر فإن المنهج الإصلاحي هو نقيض المنهج الثوري، من حيث أن الأول يسعى للإبقاء على دولة يناقضها الآخر؛ فضلا عن أن الأولوية في الثورة للسياق، بينما الأولوية في الإصلاح للتفاصيل.

ولهذا من الطبيعي أن نجد الإصلاحيين، على اختلاف توجهاتهم، ينضمون إلى ركب “الثورة المضادة” في مرحلة ما، حتى وإن كانت الثورة قد أحرزت تقدما. ولا يدهشنا أن نراهم، وقد انقلبوا على الثورة، يقاتلون ضدها بشراسة، ذلك أنهم يدافعون عن “طريقة عيشهم” لا عن “أكل عيشهم” فحسب! يدافعون عن دولة تعفنت وانهارت، متمسكين بأشلائها، لأنهم لا يعرفون غيرها.

وتبقى أزمة هؤلاء أنهم جزء من ماض، يخلصون له، وهو يذهب بهم ـ في سياق الثورة المضادة ـ إلى مستقبل يرفض وجودهم ولا مكان لهم فيه. بينما هم أنفسهم يرفضون المضي إلى المستقبل مع ثورة لا يحملون قيمها.

وبديهي، في سياق الثورة، وخاصة في مرحلة “الثورة المضادة”، أن نجد قطاعات واسعة من “المعارضة” تعبر تباعا باب “الإصلاح” منتقلة إلى جانب الثورة المضادة، ذلك أن “المعارضة جزء من النظام” كما تقول القاعدة المتداولة. ومع السعار الذي يصيب السلطة باحتدام أزمتها وتحلل النظام، فإن المعارضة إن لم تنحز للثورة تصبح جزءا من السلطة، وبناء عليه فإن المعارضة هنا تصبح آلية من آليات الدفاع عن السلطة وجزءا من “الثورة المضادة” لا من “الثورة”، بل إن المعارضة ـ ومع اقتراب “الحسم” تصبح بالنسبة للسلطة طوق النجاة الأخير والأفضل الذي تختاره بنفسها.

إن هذه المعارضة التي لا ترى في الحراك الثوري أكثر من أنه حشد جماهيري، تتشابه جدا رؤيتها هذه مع رؤية السلطة، ويظل الفارق، غير الجوهري مهما كبر حجمه، هو أن السلطة تعمل منذ البداية على إيقاف هذا الحراك، بينما فصائل المعارضة تعمل على السيطرة عليه واستثماره لصالحها في معركتها الدائمة لتوسيع دائرة نفوذها على حساب بعضها البعض، ويتحول هذا التشابه إلى تماهٍ عندما يصبح العائد على المعارضة من إيقاف الحراك أكبر من عائد مشاركتها فيه، لتتطابق مصلحتها مع مصلحة السلطة، وبتطابق الغايات تتطابق الأدوات.

 

الفارق بين المعارض والثوري

 

وفضلا عن فارق التكوين، يتضح هنا أبرز الفروق الظاهرة بين المعارض والثوري، فالأول همه السلطة، ولو كانت سلطة الثورة المضادة، وكان موقعه منها مجرد “ديكور” لاستكمال شكلها بمقعد المعارضة، بينما الآخر يواصل مشروعه للتغيير، وصدامه مع السلطة، غير مبال بوعدها ولا بوعيدها.

إن “الوعي” الذي أطلق شرارة الثورة يواصل تغذيتها في نفوس طليعة ثورية، لا تجد للتعبير عن علاقتها بالسلطة إلا وصف “ضد” أو “نقيض”، برغم اختلاف مشاربها، ويحدد منطق “التحدي والاستجابة” وجودها كما وكيفا.

وفي الثورة المصرية، كانت طليعة الإسلاميين هي الأطول نفسا، إدراكا لأن البديل هو “الخروج من التاريخ” ربما على نحو أسوأ مما حدث لمسلمي الأندلس، ولا يغيب عن الذهن تجارب الإبادة والاقتلاع في مختلف بقاع العالم منذ استسلام غرناطة (التي وجد مهاجروها في كثير من البقاع أنصارا لا يجد لاجئو اليوم لهم مثيلا). كما لا يغيب ما فعله العسكر بهم، منذ “محمد علي” من تنكيل واستبعاد، وإلصاق تهمة الإرهاب بهم، لدرجة أن العسكري الأقل شأنا “عبد الفتاح السيسي” اتهم المسلمين كلهم بأنهم يريدون قتل البشرية كلها!

ويجب ـ مبدئيا ـ تأكيد أن “طليعة الإسلاميين” لا يقصد بها “علماء السلطان” الذين قال أحدهم لأقرانه ذات أمس قريب “دورنا هو تسييس الناس للحكام” فهز بعضهم رؤوسهم معجبين، ولا “عباد السلطان” الذين يأمرون الناس بطاعته ولو كان “نتنياهو”، ولا المؤسسة الدينية الرسمية في عمومها (مع تأكيد اختلاف أفرادها الذين تتنوع مشاربهم) ذلك أنها مجرد مؤسسة أخرى من مؤسسات الدولة، التي هي نقيض الثورة، ولا كل من غلبت عليه روح “الطاعة المطلقة” للحاكم التي تغلغلت في مفاصل الفقه منذ تحولت “الخلافة” إلى “ملك عاض”.

وعلى الأصل، نشأ “حكم العسكر” في مصر والمنطقة كلها ليكون بديل “دولة الإسلام” على نحو لم يكتف فيه “الجنرال” بمواجهة “السلطان/الخليفة” فحسب، بل كان أيضا عونا له لقمع أي حراك شعبي مادام إسلاميا (كما فعل محمد علي في الدرعية) وعونا للمستعمر الغربي كلما تعلق الأمر باحتلال بقعة إسلامية (مساعدة محمد علي للفرنسيين على احتلال الجزائر) في مشهد يبدو مضطربا تماما، يظهر فيه الجنرال ضد السلطان ومعه، وضد المستعمر (الذي واجهه في نافارون*) ومعه، وهو اضطراب لا يحل تشابك خيوطه إلا إدراك عداوة الجنرال للإسلام. وإدراك أن تأسيس “محمد علي” في العام 1821م لما سمي بالجيش المصري (مع أنه لم يكن به مصريون تقريبا، وحين اضطر محمد علي للاستعانة بهم لم يسمح لهم بالترقي إلى رتب الضباط) لم يكن لحماية الشعب، بل لحماية الجنرال من الشعب الذي خدعه حتى أجلسه على أريكة الحكم ثم راح ينكل بقياداته ويواصل استعباده. ولم يكن لحماية الدولة بل للحماية من الدولة، فمصر لم تكن دولة (ليكون لها جيش مستقل) بل كانت ولاية، أي جزءا من دولة هي الدولة العثمانية، وكان الجيش الاستثنائي لهذه الولاية أداة الجنرال لحماية نفسه من سلطان الدولة، الملقب أيضا بخليفة المسلمين.

وقد ظلت معطيات النشأة تهيمن على عقيدة الجيش، وهي “حماية الجنرال” الذي هو قلب السلطة وقطبها الأوحد أولا وأخيرا. ولحماية الجنرال من الشعب أصبح الجيش قوة قمع ترى الوطن في مرآة السلطة التي تحرص على أن تظل في يدها. أما مهمة الجيش نحو حماية الجنرال من السلطان فجعلته يميل ـ بنيويا ـ إلى التحالف مع القوى الدولية التي تعادي السلطان، ودولته، ودينها.

هكذا، فإن الوعي لدي الإسلاميين تكون معظمه في مرآة الآخر، الذي لم يقصر في مطاردتهم، ليدركوا ألا موطئ قدم لهم في المستقبل القريب جدا (ولا نتحدث هنا عن جيل الأبناء ولا الأحفاد) إن سارت الأمور على هذه الوتيرة.

كما أدت الثورة إلى بدء فرز كان يصعب جدا أن يبدأ لولاها، يلقى في معسكر الثورة المضادة بعلماء السلطان وعباده، وبالمؤسسة الدينية الرسمية. كما يلقى في المعسكر نفسه بغلاة التكفيريين من ناحية، وأقطاب التصوف من ناحية أخرى، لنكتشف أنهما ـ في خدمة السلطة ـ فريق واحد، فالتكفيريون ينتقلون من النقيض إلى النقيض، ويستعيرون حجج المتصوفة إقرارا بحق السلطة في مخالفة الآيات المحكمات، بينما يبلغون أقصى درجات التشدد في تكفير الأفراد لمجرد مخالفة فتوى فقيه. والمتصوفة يتحولون إلى تكفيريين لدرجة إباحة القتل لمن يخالف السلطة التي يرفعون ممثليها إلى مراتب الأنبياء، ويعدونهم في الحد الأدنى من أولياء الله الصالحين. ولا شك في أن الإسلاميين يستفيدون كثيرا إن نجحوا في “تطهير صفوفهم” وبيان انتماء هؤلاء للطغمة الحاكمة أولا وأخيرا، وبالقدر نفسه فإن الطغمة الحاكمة تخشى اكتمال عملية الفرز هذه، لأنها باكتمالها تفقد أهم أدوات سيطرتها على الجماهير، وتجد “حرامها البين” وحيدا في مواجهة “الحلال البين”. وعلى أية حال فإن الفرز، الذي يشمل مختلف الفصائل، يرتبط وثيقا ببنية دولة العسكر “جنرال في القلب وأقليات متساندة من حوله مع استبعاد الأغلبية” وهي البنية التي نتناولها تفصيلا في الفصل التالي. والمؤسف أن الفرز عموما يستهلك وقتا ثمينا وجهدا كبيرا، لقطع روابط الأمس الزائفة، من مصالح ومشاعر، والتي تظل آثارها باقية مدة حتى بعد التمايز، على قاعدة “لم أغسل دمي من خبز أعدائي”*.

وإذا كانت الكنائس الرسمية، شأنها شأن سائر مؤسسات السلطة الدينية، وباعتبارها جزءا آخر من الدولة التي تستهدفها الثورة، انحازت ـ بوضوح ـ للثورة المضادة، من أول بابا الفاتيكان، الذي أرسل برقية تأييد لبشار الأسد في سياق مجزرة حلب، إلى بطريرك الإسكندرية صاحب نداء “نَعَم تجلب النِعَم”، فإن طليعة من المسيحيين تدرك أن المستعمر (الظهير الدولي للثورة المضادة) لا يرى فيهم إلا مجرد شرقيين آخرين، شأنهم شأن المسلمين، كما أن العسكر عاملهم طوال الوقت باعتبارهم “ورقة لعب” لا يتردد في “حرقها” إذا كان هذا يكفل له الربح. والأسوأ أن تورط المؤسسات الكنسية الرسمية مع العسكر في قمع الثورة، انعكس سلبا على صلاتهم ببقية مواطنيهم، وجعل ورقة “الطائفية” التي رفعها العسكر تحت مسمى “حماية الأقليات” تصبح في الواقع ورقة المخاطرة بهم، نتيجة الاعتماد على الطائفية مرتكزا أساسيا من مرتكزات الثورة المضادة.

حتى ليبيا التي لا يوجد بها تقريبا إلا المسلمون، جُلِبَ إليها الصراع الطائفي جلبا واصطنع اصطناعا. وإجمالا فإن المؤسسات الرسمية، التي تتغذى على الطائفية، تقع في قلب النواة الصلبة للثورة المضادة، فبمثل هذه الصراعات العنيفة والبعيدة عن استهداف السلطة يقود الطغاة الشعوب.

ويقدم درس “الحرب الأهلية” التي استثمر العسكر في سوريا وفي اليمن ورقة الطائفية لإشعالها، تحذيرا واضحا وبليغا، وهي حرب أبت أن تشب إلا وقد كشفت التحيزات الحقيقية لمؤسسات اتضح أنها، ومنذ نشأتها، كانت مجرد معسكرات طائفية لا أكثر.

أما اليسار، فلم يكن معظمه في طليعة صفوف الثورة، كما توقعه أصحاب الرؤى النظرية، فإذا بها ـ عمليا ـ تخلو ـ بالغياب أو بالتراجع ـ من فصائله الدوغماتية المعتمدة على اجترار تجارب بعض القادة، لدرجة أنها لا تجد لنفسها مسمى إلا بالانتساب إليهم؛ لأنها ـ وبغض النظر عن قدر هؤلاء القادة وقيمة تجاربهم ـ ليس القائم منها في ميزان (الحرية مقابل القمع) أكثر من كيانات تعتاش على الهتاف للزعيم، وليست في تجريدها أكثر من رؤية “ماضوية” تسعى إلى رابط الراهن بشرعية لحظة سابقة، ولهذا رأينا الحال ينتهي بمعظم منتسبيها وهم يقفون ـ بوضوح ـ في معسكر الثورة المضادة. كما كان من الطبيعي أن يحضر كثير من “الاشتراكيين الثوريين” في طليعة المشهد الثوري بفضل رؤيتهم للثورة الدائمة المتجددة، التي لخصها “ليون تروتسكي” في ورقة كتبها في اسطنبول، 30 من نوفمبر/تشرين الثاني 1929 مشيرا إلى “نظرية الثورة الدائمة بالنسبة للبلدان ذات التطور البرجوازي المتأخر، وخاصة البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة” وهو وصف ينطبق تماما على دول الربيع العربي. ويقول عن الصدام الحتمي مع “الثورة المضادة” إن “القوة القائدة للثورة الديمقراطية سوف تجابه حتما وسريعا مهام ترغمها على القيام بخروقات عميقة لقانون الملكية البرجوازي” . كما يوضح أن ساحة الثورة تمتد لتشمل المحيط الإقليمي ثم العالمي، على نحو يفسر العدوانية التي ووجهت بها الثورة دوليا، مقاومة لمدها، حيث يقول: “تبدأ الثورة ضمن الإطار القومي وتتطور على الصعيد الدولي ثم تستكمل على الصعيد العالمي”.

وكان الفرز ـ المفيد جدا ـ الذي أحدثته الثورة هو إعادة فكرة “القومية” التي كان منتسبوها يحسبون على اليسار، إلى موقعها الطبيعي في أقصى اليمين، كفكرة عنصرية أولا وأخيرا، ولا عجب أن معظم منتسبيها بدوا في النهاية سلطويين فقط، لا يهمهم حتى العرق الذي يزايدون به عنصريا، حتى العروبة نفسها لا يبالون بها كثيرا، حيث تجاوزوا ـ من دون أدنى تريث ـ تحالف الثورة المضادة مع الكيان الصهيوني، ولم يكلفوا خاطرهم تجشم اعتذار ولا تصنع غضب، كانوا يهتفون ضد نظام “كامب ديفد” لكنهم أصبحوا أعوانا وخدما لنظام “ديفد” نفسه، لنتأكد من أن هؤلاء الذين دفعتهم “الثورة العربية 1916” إلى صدارة المشهد العربي كانوا مجرد “حصان طراودة” تسلل المستعمر من خلاله، ومهد به الطريق لإقامة الكيان الصهيوني، وأنه لا فرق بين 2 من يونيو/حزيران 1916 (يوم أعلنت طلقة الشريف حسين بدء التمرد المسلح الموجه والمدعوم غربيا ـ المسمى بالثورة العربية ـ على الدولة العثمانية) وبين 30 من يونيو/حزيران 2013 (يوم اندلعت التظاهرات وأعمال الشغب المدارة من الاستخبارات المصرية غطاء لانقلاب 3 من يوليو/تموز الذي عَمَّدَ الثورة المضادة وكسر الحراك الثوري في مصر وسوريا وليبيا واليمن).

عاد القوميون ـ إذا ـ إلى مكانهم الطبيعي، يمينيين تماما، وهذا مكسب مهم لليسار، الذي تخلص من عبئهم، وللمنطق أيضا.

ويبقى الليبراليون الذين وقف كثير من المحسوبين عليهم مع الثورة المضادة، وهي مسألة مردها عدم انضباط المصطلح “ليبرالي” الذي يدرج تحته أخلاط من المحافظين. فمازال حزب “الوفد”، المحافظ على أحسن الظن، يصنف ضمن الليبراليين (ولا تسل كيف يجتمع النقيضان، أليس هناك من يصنف القوميين ضمن اليسار؟) ويدرج تحت المصطلح نفسه يساريون وإسلاميون سابقون، مع أنهم لم يفعلوا أكثر من إعلان “الانشقاق” على تيارهم أو قيادتهم السابقة، من دون إبداء أسباب، ولا التصريح بأفكار، لدرجة أن كلا منهم لا يجد لنفسه تعريفا إلا “كذا” سابق، كأنه انتقل من انتمائه السابق هذا إلى “الفراغ المطلق”! أو كأن الليبرالية هي “الوحدة فاي” التي تتسع لكل أصحاب الهويات السابقة شريطة ألا يحملوا هويات لاحقة!

فإذا ما تركنا هؤلاء المدرجين خطأ بسبب التسمية الفضفاضة، إلى الليبراليين بحق، فإننا سنجد جماهير قليلة وقيادات مؤثرة، كما سنجد أيضا قيادات تدخر نفسها لمائدة التفاوض، اعتمادا على رصيدها لدى الغرب، الذي تبني حساباتها (ويبني غيرها أيضا) على أساس أنه من سيقود التفاوض في نهاية المطاف.

**

ويبقى في هذا الرصد الموجز ثلاث إشارات مهمة:

الأولى: أننى لست مع تصنيف الثوري إلا كثوري، وأعتقد أن هذا ما سيؤول إليه الأمر عندما تتبلور “شرعية الثورة” مزيحة أية شرعيات أخرى من خارج اللحظة. لكنني أردت عرض الخريطة كما تتبدى.

الثانية: أن هناك تصنيفا آخر على أساس الموقع الاجتماعي، والانتماء الطبقي، وهو تصنيف أقل وضوحا وتأثيرا، نظرا لأن حكم العسكر الممتد منذ قرنين من الزمان، أصاب قوى الإنتاج بتشوهات أدت إلى انحراف تحيزاتها، فحسب تقرير نشرته صحيفة ذا واشنطن بوست في مارس/آذار 2014، يتحكم العسكر في 60% من اقتصاد مصر، بينما كتبت مجلة سليت الأمريكية في ديسمبر 2010 “يقدر جوشوا ستاكر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ولاية كينت، والذي يدرس الجيش المصري، أن الجيش يتحكم في 33 في المئة إلى 45 في المئة من الاقتصاد المصري” ما يعني أن العمال في هذا القطاع الواسع تحكمهم “السخرة” التي كنا نظن أنها تنتهي عند حدود معسكرات العمل الإجباري، فإذا بها تحكم منظومة العمل في نصف كتلة الاقتصاد المصري تقريبا! كما أن الزيادات الكبيرة والمتتالية في أجور وظائف السلطة غير المنتجة (القضاء ـ الشرطة ـ الجيش) مقابل الانتقاص من مزايا العاملين المنتجين*، فضلا عن الزيادة الجنونية في التضخم، والانخفاض السريع في سعر صرف العملة عوامل تركت السوق مرتبكة تماما، على نحو تبدو فيه “الأجور” و”الأرباح” محض “عطايا” و”منح” يقدمها العسكر وفق شروطهم المخيفة.

الإشارة الأخيرة: أدى تشوه قوى الإنتاج وانحراف تحيزاتها إلى شلل الجماهير (نظرا لضآلة مساهمتها في كعكة الإنتاج) وعجزها عن امتلاك أدوات ضغط فعالة، وبالتالي فإن “الأحزاب السياسية” التي يسمونها “الشرعية” أي التي يسمح العسكر بوجودها، هي مجرد مسوخ فارغة المحتوى، أحزاب “كارتونية” كما يقال نسبة إلى أفلام “الكارتون ـ الرسوم المتحركة” أو هي مجال آخر للسخرة، يكدح فيه مجموعة من “عمال السياسة” لصالح العسكر، لقاء لقيمات وفتات، شأنهم شأن نظرائهم من العمال الذين يكدحون في مزارع العسكر ومصانعهم، أو حتى يخدمونهم في بيوتهم ومكاتبهم. لهذا انحازت هذه الأحزاب ـ تلقائيا ـ إلى جانب الثورة المضادة، باعتبارها جزءا لا يتجزأ منها. بل إنه حتى الأحزاب التي كانت “محجوبة عن الشرعية” انحاز منها إلى الثورة المضادة هؤلاء المرتبطون بشبكة مصالح العسكر. وبشكل عام فإن معظم الأحزاب العربية ليست أكثر من لافتات وموظفين يؤدون في حدود النص المجاز رقابيا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • سطر للشاعر “محمود درويش” من قصيدته “أحمد الزعتر.
  • هناك ظاهرة اقتصادية تعرف بـ”مرض أو تناقض بومول” وهي ظاهرة وصفها، واقترح طرق علاجها أيضا في الستينيات، أستاذ الاقتصاد في جامعة نيويورك “بومول” المولود في 26 من فبراير/شباط 1922م، مع زميله الأستاذ بجامعة برنستون “وليام ج. بوين”. حيث رصد الباحثان ظاهرة زيادة الرواتب والأجور في الوظائف التي لا تحدث فيها زيادة في الإنتاج، وهو أمر يناقض فرضا اقتصاديا أساسيا، يقول إن الأجور ترتبط بإنتاج العمالة، بمعنى أنها لا تزيد إلا إذا زاد الإنتاج. وفسر “بومول” هذا التناقض بأن الأجور تزيد في الوظائف التي لا يزيد فيها الإنتاج، كرد فعل لارتفاعها في الوظائف التي زاد فيها الإنتاج. وبمزيد من التفصيل، فإن “صاحب العمل” سواء كان هو الدولة أو مؤسسة أو فردا، يضطر إلى زيادة الرواتب ليحتفظ بالعاملين في وظائف معينة، لأنه إن لم يفعل يكون من المتوقع أن يهجر هؤلاء العاملون وظائفهم التي لا تسمح بزيادة الإنتاج (وبالتالي لن يزيد راتبها) إلى وظائف أخرى ذات إنتاج (ورواتب) قابلة للزيادة. وتناقض بومول “انحراف معياري” يصيب مسارا اقتصاديا منضبطا، نتيجة لعاملي العرض والطلب في سوق العمالة، ويؤدي إلى زيادة غير منتظرة في تكلفة المنتج، وهي زيادة يمكن التغلب عليها بعدة طرق، منها: تقليل كمية السلعة مع تثبيت سعرها، أو تقليل جودتها، أو زيادة سعرها. هذا “الانحراف” نجده في إطار حكم العسكر وقد أصبح أصلا واتجاها وفعلا سلطويا إراديا. إذ تزداد رواتب طغمة السلطة المسلحة (الجيش والشرطة) وحراسها ورعاتها (القضاء والإعلام) وأدوات إلهائها التي لم يزد إنتاجها، ولمزيد من التناقض فإن هذه الزيادة لا تأتي “رد فعل” لزيادة رواتب الوظائف التي زاد إنتاجها، بل ـ ولتناقض آخر وليس أخيرا ـ تزيد رواتب من لم يزد إنتاجهم، مقابل تثبيت ـ وأحيانا تخفيض ـ رواتب من زاد إنتاجهم. وهو ما يمكن ملاحظته ـ ببساطة ووضوح ـ عبر تتبع موازنات مصر منذ 2014 ومقارنتها بالسنوات السابقة.
  • نافارون، أو “نوارين” البحرية كما يجري تداول الاسم في المراجع العربية: معركة بحرية وقعت في 20 من أكتوبر/تشرين الأول 1827م في خليج نافارون على الساحل اليوناني، بين الأسطول العثماني مدعوما بالأسطول المصري بقيادة إبراهيم باشا وبالأسطول الجزائري، وبين أساطيل الحلفاء (بريطانيا، وفرنسا، وروسيا). وانهزم العثمانيون لدرجة تدمير الأساطيل الثلاثة: العثماني والمصري والجزائري.