اقتصاد العسكر..لصوصية وتسول (2-2)

د.نادر فرجاني

يبقى التسول السمة الغالبة على اقتصاد حكم العسكر. وله عدة جوانب، بعضها مبتكر.

الجانب الأول هو تسول الحكام من الشعب ومن الخارج الذي ينبع من عجز الإنتاج، وكساد الاقتصاد بما يقصر عن تمويل متطلبات الإنفاق الدوري.

وقد بلغ الاقتراض تحت الحكم العسكري الحالي مبلغا غاية في السفه فقد تخطى الدين المحلي والدولي في السنوات الخمس الماضية الحكم العسكري حاجز الخمسة تريليون (ألف ألف مليون) جنيه، بمعدل تريليون كل عام من حكم.

لعل الحكومة الفاسدة والفاشلة برئاسة الطاغية هي الوحيدة التي ابتكرت بيع الجنسية، وليس مجرد الإقامة لقاء وديعة مالية ترد بعد فترة. 

وهناك أيضا التسول بالإكراه؛ أو الجباية الجائرة.

الأصل أن الحكومة تجمع الضرائب في مقابل تقديم الخدمات العامة للشعب التي تمول من المال العام. ولكن عندما تمتنع الحكومة عن القيام بوظيفتها في تقديم الخدمات العامة، حتى التعليم والرعاية الصحية، يصبح جمع الضرائب نوعا من الجباية الجائرة أو الإتاوة المفروضة أو التسول بالإكراه من خلال فرض رسوم مبالغ فيها بخاتم الدولة من خلالمجلس نيابي يفترض أنه منتخب ولكنه في الحقيقة معين بالكامل من أجهزة قمع الشعب، ولعل أطرف هذه الرسوم وأعجبها رسم الوفاة واجب الدفع قبل الدفن.

ولكن الحكم العسكري، وإعلام العهر الخادم له، برع أيضا في التسول بالنصب والاحتيال والمثل الأبرز هنا هو استغلال طيبة قلوب المصريين وتقليد الصدقة والإحسان الإسلامي الحميد في جريمة نصب كبرى عبر تنظيم التبرع للمسشتفيات التي تمتنع الحكومة عن إقامتها ونهب التبرعات كما بينت فضيحة مشهورة لمسشتفى علاج سرطات الأطفال الذي جُمع له أكثر من مليار جنيه ولم ينفق منه على علاج الأطفال إلا 15% من المبلغ وبقيت حالات عديدة من الأطفال المبتلين بالداء العضال دون علاج من قبل الحكومة أو بصدقات الأهالي المنهوبة.

إلا إن للتسول الطاغي على اقتصاد حكم العسكر جانب ضرر بليغ على مقدرات الوطن، فقد جرى تمويل شن الانفلاب العسكري على الحكم المدني بداية بتسول القيادات العسكرية لعشرات مليارات الدولارات من أعداء مصر في الحلف الخليجي- الصهيوني. وجرى التنازل عن أراض مصرية: مثل جزيرتي تيران وصنافير ومناطق من حدود مصر البحرية غنية بالثروة النفطية ناهيك عن التفريط في حقوق مصر التاريخية في مياه نهر النيل لقاء أموال أو مصالح سياسية للحكم العسكري. وفيما نعلم لم يدخل الخزانة العامة ولو قسم ضئيل من هذه الأموال.

وفي النهاية، صارت مصر بسبب الحكم العسكري التسلطي الفاسد لا تأكل إلا تسولا.

في سبعينيات القرن الماضي وجه السادات، بنصح أمريكي مغرض، وزير زراعته الصهيوني الهوى بالتوقف عن اعتبار الاكتفاء الذاتي من القمح هدف السياسة الزراعية. واستمر هذا التوجه حتى صارت مصر المستورد الأكبر للقمح في العالم كله.

ومؤخرا بدأ استيراد الأرز بعد أن منع الطاغية مغتصب منصب الرئاسة فلاحي مصر من زراعته لتصبح زراعة الأرز حكرا للجيش ليصدر إنتاجه من الأرز المصري الشهير للخليج وللكيان الصهيوني الذين بفضلونه.

وعلى الرغم من الصرخ الهستيري المخادع بإقامة ” أكبر مزارع الأسماك في العالم’’ فإن الأسماك والجمبري الموجودين بالمحال مستوردين مجمدين من أقاصي الأرض في فيتنام وبأسعلر فلكية لايقدر عليها إلا اللصوص والعهار. وأكثر من ذلك يقال عن عن اللحوم والدواجن التي مازالت تنتج محليا ولكن بأسعار لا يطيقها شرفاء المصريين، ولا يكفي الإنتاج المحلي لسوق مصر حتى تستورد مافيات احتكار الأسواق من الخارج باسعار تقل عن الإنتاج المحلي.

الوجه الآخر بالطبع لاستيراد جميع غذاء مصر الأساسي من الخارج هو انعدام الإنتاج المصري من هذه السلع والمحاصيل التي كانت تنتجها وتتمتع في بعضها بميزات لا تنكر.

تبقى النتيجة المباشرة لقلة الإنتاج المحلي والكساد الاقتصادي المخيم هو أن السبيل الوحيد لتمويل استيراد الغذاء الأساس لشعب مصر هو المزيد من الاقتراض الخارجي الذي بلغ بالفعل حدودا كارثية: خمسة تريليونات جنيه في سنوات حكم مغتصب منصب الرئاسة الخمس عند أخر حصر.

الجانب الثاني لطغيان التسول على الاقتصاد تحت الحكم العسكري هو تحوبل شرائح متتالية من السواد الأعظم من المصريين خارج الخمسة في المئة المنتمية للعصابة الحاكمة وحواشيها إلى متسولين للوفاء باحتياجاتهم الأساسية التي عجزت عنها دخولهم المتواضعة 

إن دخول شرائح جددة ومتزايدة من أهل مصر في زمرة المتسولين في محاولة يائسة ومُذلة للوفاء باحتياجاتهم الأساسية هو الدليل الدامغ على الفشل المطلق لاقتصاد الحكم العسكري الذي يحاولون عبثا التعمية عليه باختراع مشروعات وهمية عملاقة والتباهي بها خداعا ولكن فقط على إعلام العهر.

نموذج: في شارع في منطقة المهندسين استوقفني رجل لا يبدو متسولا، عليه سيماء موظف رقيق الحال وخاطبني بصوت خافت ينضح ذلا: ’’حسنة لله، أبوس إيدك ماعندناش أكل’’