خاشقجي يعرّي وجه المملكة

الكاتب السعودي جمال خاشقجي الكاتب السعودي جمال خاشقجي

بقلم : على عبد الفتاح 

“لن يتوقف امراء آل سعود عن قرع كؤوس الخمر مع الرؤساء الأمريكيين ” عبارة قالها الكاتب السعودي ناصر السعيد في كتابه “تاريخ آل سعود” فكان ثمنها أن اختفى في ظروف غامضة في بيروت ولم يعرف أحد مصيره إلى الأن، نتيجة نقده البناء والهدام كما كان يقول : “نقدي بنّاء للصالحين لكنه هدام للطالحين”،  فما أشبه تلك الحوادث من الاختفاء القسري على مرّ العصور وما أكثر ضحاياها، والفاعل دائما ما يكون واحد، وهو كل ظالم مستبد، من يتضرر من نقد الكلمة ويجرحه سنان القلم.

في حادثة غامضة اختفي الكاتب السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بمدينة إسطنبول أثناء إنهاءه بعض المعاملات العائلية هناك، ولم تظهر حتى الأن مؤشرات تؤكد وجوده داخل القنصلية باستثناء بعض التصريحات من المسئولين الأتراك التي اعلنت وجوده بداخلها، ما دفع السلطات المحلية التركية بتطويق مبنى القنصلية والتشديد الأمني على المطارات والمعابر الحدودية تحسبا لنقله خارج البلاد .

لم يكن خاشقجي من أشرس المهاجمين لسياسة المملكة السعودية في عهد ولى العهد محمد بن سلمان، لكنه كان الأكثر وعيا وعقلانية، وتوجيها نحو بوصلة الإصلاح والتغيير المتدرج، لذلك وصفه الصحفي البريطاني ديفيد هيرست أنه إصلاحيا حقيقيا وديمقراطيا أصيلا، وكان ابن المؤسسة والناصح الأمين الذي يعبّر عن ما في داخله بصدق وأمانه، وكان يبدي خشيته من أن يتسبب ولى العهد في نهاية المطاف بإفلاس المملكة السعودية بسبب مشاريعه النزوية، الهادفة إلى إقامة مدن لامعة على الرمال.

يحفل تاريخ المملكة السعودية بحالات كثيرة مشابهة لتلك الحادثة، ولا تتورع أنظمتها من فعل أي شيء في سبيل الحفاظ على هيبتها وتعزيز بقاءها في الحكم، فكان القمع والتنكيل والقتل هي الأسلحة المعتادة في تصفية كل شخص يشذ عن قطيع المدح والتأييد لسياسة أنظمتها المتعاقبة، حتى وإن كان من الأسرة الحاكمة نفسها، ومعتقلي قصر الريدز كارلتون ليسوا منا ببعيد.

“إذا أراد الله نفاذ قضائه وقدره أذهب من ذوي العقول عقولهم ” بتلك الجملة قرأت الواقع السياسي المهلهل الذي تعيشه المملكة في عهد ولي العهد، وسياستها المزاجية التي تجنح بها نحو العزلة شيئا فشيئا، حتى لم يعد لها أي رصيد دعوى في المنطقة، ولا ثقل سياسي في كثير من القضايا الإقليمية، فإلى الآن لم تقطف المملكة من ثمار سياسة ولى العهد إلا التورط في حرب اليمن والحصار على دولة قطر وحملة اعتقالات واسعه للأمراء والعلماء في الداخل والخارج، وخسارة دورها السياسي وفشله في القضية السورية، بالإضافة إلى السياسة الداخلية التقشفية التي أرهقت الوافدين ومسحت جيوب المواطنين، في حين أن مستوى الرفاهية الذي يعيش فيه ولى العهد بلغ حد السفاهة والجنون، لكنه أراد أن يسد العجز الذي تركه وراءه الرئيس الأمريكي ترامب بعد القمة الإسلامية بالرياض، ويعوّض مليارات الدولارات التي أخذها من المملكة في صور عقود دفاعية لحماية بلاده.

لقد جاء محمد ابن سلمان مدفوعا بجنون السلطة، ضاربا بعرض الحائط القيم الأخلاقية والأعراف الدبلوماسية ،حتى تجرأ وانتهك سيادة دول أخرى عن طريق عمليات خطف بهلوانية تزيد من تفاقم الكارثة وتجلب مزيدا من العداء للمملكة، بعد أن قذّم مكانتها ودفع المنطقة للتطبيع العلني مع الكيان الصهيوني وتصفية قضية القدس وفقا لشروط اليهود ابتغاء الدعم الأمريكي لتثبيت أركان حكمه ،كما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت في لقاء تليفزيوني “أن محمد بن سلمان يكّرس جهودا جمّة لخلق تطبيع مع إسرائيل”

إن من الأمور المهمة أننا لابد أن نفرق بين النظام السعودي وبلاد الحرمين حتى لا تجرفنا العاطفة نحو التأييد الأعمى لسياسة المملكة الخاطئة التي أضرّت بالشعوب التائقة إلى الحرية منذ زمن بعيد حتى صدمها المال السعودي أمام اكتمال حلمها الثوري، فعمدت على شراء أنظمة سياسية تابعة لها وأدت حلم الشعوب وكبتت أنفاسها وسلبت حريتها.

“سقط النقاب عن الوجوه الغادرة ….وحقيقة الشيطان بانت سافرة ” لقد عرّت الأحداث التي تجوب المنطقة وجه المملكة الحقيقي، وأسقطت الشعارات البراقة التي كانت تتدثر بها تجاه قضايا الأمة، فاتجهت نحو تكميم الأفواه والخطف والاعتقال لكل مختلف معها  دون أن تكترث بقوانين أو تعبأ بعواقب سياستها وأنها ستهوى بالمنطقة نحو مستنقع مظلم لا يعلم مداه إلا الله.

 

 

2 Comments

  • تسلم ايدك استاذ علي

  • تحليل رائع ينم عن كاتب عقلانى محايد غير متحيز تناول القضية بشفافية و مصداقية قلما وجدت فى خضم تسارع الاقلام لارضاء الحكام و الحكومات على حساب نزاهة مهنة الصحافة

Comments are closed.