د.أيمن نور يكتب:ذكرياتى مع جمال(1) خاشقجي أنقذ حياتى من ربع قرن

د.أيمن نور

فى مثل هذا الشهر منذ 25 عاماً، وتحديداً يوم 26 أكتوبر 1993، كنت مدعواً لحفل غذاء على شرف وفد برلماني فرنسى، وكانت الدعوة الساعة الثانية ظهراً بالمطعم الإيطالى بالدور الثانى بفندق سميراميس على نيل القاهرة..

<.. وفى نفس اليوم وصل للقاهرة صديقى جمال خاشقجى في زيارة سريعة “ترانزيت” ليوم واحد، وأتفقنا تلفونياً أن نلتقى الساعة الثالثة والنصف عقب نهاية لقائى على الغذاء مع الوفد الفرنسي، وفى نفس المكان بفندق سميراميس…

<.. كنت أجلس في نهاية طاولة الغذاء في مقعد مواجه لمدخل المطعم الإيطالى، وفى تمام الثالثة وجدت صديقى جمال خاشقجى يدخل إلى المطعم قبل موعدنا المقرر بنصف ساعة، مما دفعنى للإستئذان من الضيوف والإنتقال لطاولة أخرى في ذات المطعم جمعتنى مع الصديق جمال بعد غياب شهور لم نلتقى خلالها..

<.. لم تمضى سوى دقائق معدودة، ودخل المطعم شاب نحيل في الثلاثين من عمره، يرتدى ملابس بسيطة، ولديه لحية خفيفة وشعر مجعد وطويل يجعله شبيهاً لمعمر القذافى عن بُعد..

<.. كان الشاب يبدو عليه التوتر في حركته بين طاولات المطعم وكأنه يبحث عن شخص لم يجده بين الحضور..

<.. توقف أمام الطاولة التي كنت أجلس عليها مع جمال، وأستدار فجأة نحو الطاولة التي كان يجلس عليها الوفد الفرنسي، وأخرج مسدساً وأطلق النار صوب الجالسين على الطاولة حتى أفرغ كل رصاصات مسدسه، وتطايرت بقع الدماء في كل مكان بالمطعم..

<.. الصدمة منعتنا من الحركة، وأصابنا الذهول من هول المفاجأة، حتى اندفع بعض العاملين في المطعم وألقوا بأجسادهم على الشاب النحيل، فطرحوه أرضاً وقيدوا يديه بأحد مفارش المطعم ذات المربعات الحمراء والبيضاء، وحملوه إلى غرفة أمن الفندق بالدور الأرضى..

<.. الذهول والصدمة لم يمنعنى وصديقى جمال من متابعة المشهد بحكم الفضول الصحفى، والرغبة في معرفة دافع هذا الشاب لهذه الجريمة التي أرتكبها وهو يتمتم بكلمات غامضة لا أذكر منها الآن سوى أنه ردد أسم غريب لفتاة عرفنا لاحقاً أنها مطربة جزائرية شابة قدمت للقاهرة في هذه الفترة ولا أذكر طبيعة علاقته بها..

<.. حضرت الشرطة بعد دقائق وأقتادت الشاب إلى سيارات الشرطة خارج فندق سميراميس..

<.. وقفت أنا وصديقى جمال على مدخل الفندق نتابع ردود أفعال الناس وسيارات الإسعاف التي بدأت في نقل الضحايا أحياء وأموات..

<.. قال جمال بعد لحظات من الصمت والتأمل : سبحان الله، أن أحضر للقاهرة ترانزيت بغير تخطيط مسبق للزيارة، وأحضر للمطعم بالصدفة نصف ساعة مبكراً كى أنتشلك من هذه الطاولة المنكوبة قبل دقائق من الحادث..

<.. قلت لجمال : كان بيننا عيش وملح، أصبح بيننا – الآن – عيش وملح ودم!! يبدو أنى سأظل مديناً لك ما حييت بإنقاذ حياتى..

<.. هكذا أنقذ جمال خاشقجى حياتى من ربع قرن إلا 17 يوماً..

<.. وبعد ربع قرن مازال هذا الدين في رقبتى بعد أن فشلت في أن أفعل شيئاً لإنقاذ حياة صديق العمر “لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم”..

<.. غاب جمال، وليس هذا هو الغياب الأول، دائماً كنا نلتقى ونفترق ثم نلتقى ثانياً، أقرب مما نتوقع، في القاهرة، وفى لندن، وفى جده، وفى بيروت، وفى الدوحة، وفى إسطنبول، في كل هذه المدن لنا ذكريات وحوارات، ومواقف وأوجاع، وأفراح مشتركة..

<.. الفراق والغياب هذه المرة قد يطول أو يقصر أكثر مما أتوقع، لكنى لن أيأس من مجيئ صديقى أو ذهابى إليه..

<.. قد يجئ مع قطرات المطر، أو ينسكب مع أشعة القمر، لكنه سيجيئ وسيذهب محمد بن سلمان وكل من هم على شاكلته من القتلة المستبدين..

د. أيمن نور

2 Comments

  • حسبنا الله ونعم الوكيل .. ما أثقلها من كلمات .. وما آلمها من أحاسيس .. تلك الي قلت فيها:

    قد يجئ مع قطرات المطر، أو ينسكب مع أشعة القمر، لكنه سيجيئ!!

  • باذن الله تعالى ستلتقون ببعض متفاىلة خير يارب

Comments are closed.