بعد 45 عاما من حرب أكتوبر …من هو العدو؟

السيسي مع نتنياهو السيسي مع نتنياهو
تحل اليوم الذكري الخامسة والأربعون لانتصار حرب أكتوبر التي أتت وسط متغيرات كبيرة في المنطقة العربية وتوترات اقليمية معقدة وتغيّر في الخطاب والممارسات السياسية تجاه عدو الأمس الذي أصبح صديق اليوم.
فعقب صعود رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو منصة الأمم المتحدة في دورتها الأخيرة لإلقاء خطابه قال “أن الاتفاق النووي مع إيران كان له أثر إيجابي واحد حيث تسبب في جعل إسرائيل والعديد من الدول العربية تقترب أكثر من أي وقت مضى. وأضاف أن منذ بضع سنوات كان من المستحيل أن نتخيل ذلك”.
دلالات على التطبيع
عندما ظهر سابقا وزير الخارجية المصري سامح شكري في جنازة الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز متأثرا، والحزن يكسو ملامح وجهه، جعل الكثير من الأوساط السياسية المعارضة تعلق على الصورة التي ظهر بها وزير الخارجية  المصري والتي وصفها ناشطون أنها تدل على قوة تطبيع العلاقات بين النظام المصري والكيان الصهيوني التي تتسم بالدفء والتنسيق في ملفات كثيرة منذ أن جاء عبد الفتاح السيسي للحكم بانقلاب 2013.واستدعت في ذات الوقت واقعة الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك عندما ذهب لتشيع جثمان أحد قيادات الكيان الصهيوني عام 1995.
وفي تصريحات سابقة لرئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي أكد فيها أنه لن يسمح بأن تكون سيناء قاعدة خلفية لهجمات ضد إسرائيل، وهذا ما بدا واضحا في الحملات العسكرية الأخيرة التي شنتها قوات الجيش في سيناء وحملات التهجير الواسعة لأبنائها تحت ذريعة محاربة الإرهاب، لكنها حرب وصفها العديد من متابعي الشأن السياسي المصري أنها حرب لحماية ظهر إسرائيل، والحملات الجوية التي شنتها الطائرات الإسرائيلية على أهداف في سيناء بالتنسيق مع الجيش المصري تؤكد ذلك.
في خلال الأعوام السابقة كثرت اللقاءات بين السيسي ونتنياهو الأمر الذي فسّره البعض بأنها لم تحدث في عصور أنظمة سابقه بهذا الشكل المفرط من الزيارات ، وكان أول لقاء في مدينة العقبة الأردنية، وتحديدًا في يوم 21 فبراير/شباط 2016، فيما عُرف باسم قمة العقبة السرية، والتي جمعت السيسي بنتياهو، وبحضور وزير الخارجية الأمريكي السابق، جون كيري، والعاهل الأردني، وقد اعلنت صحيفة هآرتس أنها خطوة مهمة لارتفاع أفق التعاون مع النظام المصري .
وجاء اللقاء الثاني بين السيسي ونتنياهو في القاهرة هذه المرة، وتحديدًا في أبريل /نيسان عام 2016، حيث أكدت صحيفة هارتس أيضًا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنتيامين نتنياهو، ورئيس الكنيست الإسرائيلي، إسحق هيرتزوج، وهو أيضًا زعيم المعارضة الإسرائيلي، رئيس حزب «المعسكر الصهيوني»، توجها سرًا إلى القاهرة للاجتماع مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وذلك في إطار بحث سبل إحياء عملية السلام؛ حيث قالت الصحيفة إن طائرة خاصة من إسرائيل وصلت القاهرة في أبريل (نيسان) 2016، وكان على متنها نتنياهو وهيرتزوج وبعض المستشارين، وتم استقبالهم في القصر الجمهوري، حيث التقوا الرئيس السيسي، بذريعة بحث محاولات دفع عملية السلام الإقليمي، والوساطة في التوصل لاتفاق بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل.
وفي 18 سبتمبر/أيلول عام 2017التقى الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، برئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو في نيويورك في أول محادثات علنية بينهما، وذلك من أجل بحث عملية السلام في الشرق الأوسط، بحسب ما قاله مكتب الرئاسة المصرية.
سامح شكرى في عزاء بيريز
سامح شكرى في عزاء بيريز
كيف تحوّل العدو إلى صديق
استطاعت اسرائيل بعد حرب 1973من خلال عملها الاستخباراتي الدؤوب وبدعم من الولايات المتحدة الأمريكية أن تخلق عدوا جديدا يحول من دفة الصراع العربي الإسرائيلي باتجاه أخر عن طريق خلق عدو جديد للعرب بدلاً من استعداء إسرائيل المغتصبة للأراضي العربية، وفق خطط استراتيجية محكمة تشمل الاقتصاد والسياسة والإعلام، حتى تتغير النظرة العالمية لها من عدو محتل إلى صديق ينادي بالسلام العالمي .
واستمرت الحركة الصهيونية في العمل طوال فترة السنوات العشرين الماضية بخلق أنظمة سياسية موالية لها تنفذ بيدها خطة الكيان بالعمل على إعادة تطبيع العلاقات بين العرب والكيان الصهيوني وحشد العداء ضد إيران والحفاظ على خطاب متوتر معها لإيهام المنطقة العربية أنها هي العدو الأول لهم، حتى اجتمع بهم ترامب في القمة الإسلامية بالرياض وإعلان عن قيام حلف ناتو إسلامي لمواجهة المد الإيراني في المنطقة العربية ، وهذا ما أثاره الكاتب السعودي دحّام العنزي من خلال مقالة له ،دعي فيها المملكة السعودية لإقامة سفارة إسرائيلية في الرياض، وقال أن وليّ العهد” محمد بن سلمان” لن يتردد لحظة واحدة في إلقاء كلمة بالكنيست الإسرائيلي ،وكتب أن الهدف من التحالف الإسرائيلي هو مواجهة المشروعين الفارسي والعثماني مدعيا أن الصراع مع إسرائيل صراع حدود ،بينما مع إيران والعثمانيين هو صراع وجود، واتهم الفصائل الفلسطينية بالإرهاب والمتاجرة بالقضية، وقد أكد رئيس وزراء إسرائيل السابق حرص ولى العهد السعودي محمد بن سلمان على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، فقال:” أن محمد بن سلمان يكّرس جهودا جمّة لخلق تطبيع مع إسرائيل “
ومن جانب أخر سعت إسرائيل عن طريق أذرعها الإعلامية في زرع الفتنة بين شعوب المنطقة في الشرق الأوسط، لتعميق الشرخ  باستخدام الطائفية واستغلال الخلافات المذهبية الإسلامية لاستحداث مذاهب سياسية من شأنها زيادة إشعال الغضب الشعبي والطائفي بين شعوب المنطقة وخاصة بين السنة والشيعة ومن خلال هذه الصراعات استطاعت أن تغير وجهة العدو الحقيقية بدلاً من إسرائيل إلى إيران بالنسبة للعرب وكذلك الحال بالنسبة لإيران .
نكسة 67
الأسرى أثناء نكسة 67
رفض جماهيري
مع كل ذكري تمرّ على حرب أكتوبر يظهر أثر ثبات الجماهير من موقفها تجاه الكيان الصهيوني  من دون إبداء أي تعاطف أو رغبة للتطبيع معه، بخلاف الإعلاميين المقربون من النظام، والمتحمسين للتطبيع والكفّ عن اعتبار إسرائيل عدو.
يقول الكاتب محمد الهتيمي أن المصريين ما زالوا يعتبرون أن إسرائيل عدوة لهم، مضيفا أن خلال السنوات الماضية تحوّل الكيان الصهيوني الذي كان العدو الأول للعرب، إلي صديق مقرّب من الأنظمة العربية، حتى أن رئيس الكيان الإسرائيلي نتنياهو صرّح يوما أن أكبر عقبة أمام توسيع دائرة السلام ليس زعماء الدول التي تحيط بنا، بل هو الرأي العام في الشارع العربي الذي تعرّض على مدار سنوات طويلة لدعاية عرضت إسرائيل بشكل خاطئ ومنحاز”
وتابع أن رأس النظام السياسي في مصر يسعى لأن يكون السلام مع إسرائيل دافئًا بما تحمل الكلمة من معنى، مشيرا إلى أن خطوات السلام مع الكيان الصهيوني كان لها استحقاقات خطيرة، حيث تحوّلت المقاومة الفلسطينية إلى عدو مشترك بين مصر وإسرائيل، فكلا منهما يبذل قصاري جهده للحد من قدراتها والضغط عليها للتخلي عن هدف التحرير.
أما جهاد عودة أستاذ العلوم السياسية  كان قد شدد في وقت سابق أنه لا سلام دائم مع إسرائيل، دون قيام دولة فلسطينية وتسوية حقوقها وفق قرارات الأمم المتحدة .
وبحسب عودة يرى أن ما يربط مصر بإسرائيل مجرد سلام مؤقت لأن هناك اتفاقيات أمنية لتثبيت الوضع الراهن في ظل المتغيرات الإقليمية .
ونوّه عودة إلى ضرورة تثبيت العقيدة العسكرية للجيش المصري التي تحمل روح حرب أكتوبر 73مشيرا أن الشعب المصري لا ينظر لإسرائيل بإعجاب بل يرى أنها عدو يستفيد من الأوضاع العربية المتدهورة .
“لدينا في مصر تجربة رائعة وعظيمة في السلام معكم منذ أكثر من 40 سنة، ويمكن أن نكرر هذه التجربة، وهذه الخطوة الرائعة مرة أخرى. أمن وسلامة المواطن الإسرائيلي جنبًا إلى جنب مع أمن وسلامة المواطن الإسرائيلي”.
هكذا عبَّر السيسي في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ويبدو أن شدة التقارب بين مصر وإسرائيل في عهد السيسي جعلته يوجِّه كلمته ليطالب بأمن وسلامة المواطن الإسرائيلي بجانب أمن وسلامة المواطن الإسرائيلي أيضًا، الأمر الذي يبدو كما لو كانت “زلة اللسان” لكنها تذكر الحقيقة وتعبر عن الواقع.
ومن هنا يمكن اعتبار السيسي مؤسسًا لجمهورية جديدة ثالثة، قائمة على الانفتاح السياسي والاقتصادي بشكلٍ كبير ومُوسَّع مع إسرائيل، حتى تراجع دورها الإقليمي للغاية، بالإضافة إلى ما يوصف بشهر العسل بين النظام المصري والإسرائيلي، فضلًا عن الأدوار الإقليمية شديدة الرجعية للنظام المصري في عهد السيسي .
تظاهرة من أجل فلسطين
تظاهرة تندد باحتلال إسرائيل لفلسطين