ضحايا الاختفاء القسري لمعارضي الأنظمة العربية: ألغاز لم تفك

ناصر السعيد ناصر السعيد

مع كل حادث اختطاف يكتنفه الغموض لمعارضين سياسيين للأنظمة العربية تطرح الأقلام التساؤل وتبحث عن الحقيقة حول تلك الحوادث ومحاولة كشف مصير ضحاياها، لاسيما بعد حادثة اختفاء الكاتب السعودي جمال خاشقجي بمدينة إسطنبول بتركيا، التي استدعت كل الحوادث المشابهة لها من عمليات الاختفاء القسري على مدار سنوات مضت.

المهدي بن بركة 

من أبرز المعارضين المغاربة وأول ضحايا الإختفاء القسري ناضل ضد الاستعمار وهو في السادسة عشرة من عمره، وفي الرابعة والعشرين وقّع على عريضة المطالبة بالاستقلال عام 1944، وتولى عدة مناصب في حزب الاستقلال المغربي إلى أن انشق عنه وكوَّن حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية عام 1959، استمر في معارضته للنظام في المغرب وأدان الاعتداء المغربي على الجزائر عام 1963 حتى انزعجت السلطات المغربية من تحركاته ونشطاته المعارضة لسياستها.

بدأت السلطات المغربية في إعداد خطة دقيقة لإعادة المهدي خاصة بعد سفره للجزائر وإقامته بها وإنشاءه مدرسة مناضلي العالم الثالث، اعتُمِدت خطة أولى لاختطافه من الجزائر إلا أنها أُلغيت بعد ذلك  لتشديد الشرطة الجزائرية الحراسة عليه وعلى منزله، ليتم رسم خطة أخرى، وهي مشروع فيلم عن محاربة الاستعمار باسم “باستا” عرضه عليه عدة أشخاص فرنسيين جندتهم المخابرات المغربية، ووزعت أدوارهم بدقة وأشرفت على إعداد الفيلم بما في ذلك ميزانية الإنتاج.

وفي التاسع والعشرين من أكتوبر عام 1965 تم إختطاف بن بركة بعد وصوله إلى فرنسا حيث تبعه اثنين من أفراد الشرطة الفرنسية وهم من قاموا باقتياده إلى المكان المتفق عليه في “فيلا بوسيش”.

بعد ساعات من نجاح عملية الاختطاف، توجه كلا من وزير الداخلية الجنرال محمد أوفقير ومساعده أحمد الدليمي من المغرب إلى باريس وقاما بتعذيب بن بركة حتى الموت. لم يكن تعذيبهم له انتقاماً من مواقفه السياسية بالأساس وإنما كان تصفية حساب مع الرجل الذي وضع ضمن شروط عودته إلى المغرب أن يتنازل العسكريون عن مناصبهم الإدارية ويعودوا إلى ثكناتهم، إذ كان يرى أنهم لا يملكون الكفاءة المطلوبة للقيام بالمهمات الإدارية، ولهذا السبب كان العداء كبيراً بينه وبين أوفقير والدليمي، لأنه كان يصفهم دائما بأنهم أشباه أُميين.
وفي صبيحة 31 من أكتوبر عام 1965 تم نقل جثة المهدي بن بركة على متن طائرة عسكرية إلى المغرب ولم يعرف أحد مكانها إلى الأن، لتُطوى صفحة المهدي بن بركة إلى الأبد.

بن بركة
المهدي بن بركة

 

أول ضحايا آل سعود 

من أبرز حوادث الاختفاء القسري للمعارضين السياسين عام 1979 حادثة اختفاء ناصر السعيد أول المعارضين لسياسة النظام السعودي والذي اختفي في ظروف غامضة بعد تأليفه كتاب تاريخ آل سعود، والذي انتقد فيه سياسة المملكة وطالب بالعديد من الإصلاحات السياسية وتحسين ظروف المواطن السعودي الذي كان يعيش ظروفاً معيشية صعبة.

وبدأ السعيد معارضته للنظام السعودي عندما قاد زملاءه العاملين بشركة أرامكوا في سلسلة من الإضرابات للمطالبة بتحسين ظروفهم المعيشية والسكنية ورضخت الشركة لمطالبهم، وفي عام 1953قاد ناصر انتفاضة العمال للمطالبة بدعم فلسطين وعلى إثر ذلك تم اعتقاله في سجن العبيد  في الإحساء وافرج عنه لاحقاً وحكم عليه بالإقامة الجبرية في مدينة حائل.

وبعد وفاة الملك عبد العزيز اقيم حفل استقبال للمك الجديد (سعود بن عبد العزيز) في مدينة حائل القى فيه ناصر السعيد خطاباً أغضب الملك سعود كثيرا، حيث طالب فيه بالإصلاح وتنظيم الموارد المالية للدولة وحماية الحقوق السياسية وحقوق حرية التعبير للمواطنين، وفي عام 1956هرب من المملكة بعد ورود أنباء عن احتمالية إعدامه.

عمل ناصر السعيد في برنامج إذاعي عارض فيه النظام السعودي في إذاعة صوت العرب في مصر وانتقل من بعدها إلى اليمن الجنوبي عام 1963وانشأ مكتب للمعارضة هناك ثم انتقل بعدها إلى دمشق ومنها إلى بيروت التي اختطف فيها في 17ديسمير 1979من قبل استخبارات فتح واختفى بعدها  ولم يظهر له أثر حتى تلك اللحظة. .

السعيد
ناصر السعيد

 

رضا هلال الذي اختفي في دقيقة ونصف

خمسة عشرة عاما مضت على اختفاء الصحفي المصري رضا هلال أحد الصحفيين الكبار في مؤسسة الأهرام المصرية الذي اختفي في ظروف غامضة عندما كان بانتظار مصعد العمارة ليصعد إلى شقته لكنه اختفى فجأة، من دون أن تفك الجهات الأمنية المصرية شفرات هذا الاختفاء المفاجئ ، والذي لا يزال يخالطه كثير من الشك والجدل واللغط. ففي وقت90ثانية فقط، كانت كافية لفقدان أي أثر للصحفي هلال منذ 15أغسطس 2003 حتى يومنا هذا.

لم يكن يدرك الصحفي رضا هلال أن علاقاته النافذة للولايات المتحدة الامريكية وبعض الشخصيات الإسرائيلية ستحميه من مصيره المجهول. كما لا يزال نظام الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، في مرمى الاتهام والتورط في إخفاء رضا هلال يومئذ.

وفي ظل هذه الأجواء والأخبار المتناثرة هنا وهناك، وفي ظل روايات مختلفة وغامضة وغير مكتملة، تبقى للروايات الافتراضية مجال خصب تنمو وتترعرع فيه بلا وعي، وتتفاعل الاجتهادات يميناً ويساراً،  تفتح ملف اختفاء نائب رئيس تحرير صحيفة «الأهرام» المصرية رضا هلال، والذي لا يزال اختفاؤه يشكل لغزاً محيراً ومؤلماً لأهله وزملائه وأصدقائه وكثير من المهتمين بأمره، والذين يتساءلون بمرارة: «أين اختفى، وما أسباب اختفائه؟ هل هو حيٌ فترجى عودته أم ميت فيُنسى ذكره ؟

رضا هلال
رضا هلال

محمد المفرح ضحية آل سعود

محمد آل مفرح رجل أعمال سعودي وناشط سياسي معروف، أسس مع أكاديميين ومجموعة من المثقفين والإسلاميين السعوديين حزب الأمة  عام٢٠١١، للمطالبة بإنهاء نظام الملكية المطلقة في السعودية، وإحداث عملية إصلاح سياسي يشارك فيه جميع فئات الشعب، يبدأ بالتخفيف من حالة الاحتقان، وتحقيق المصالحة بين الحكومة والتيارات السياسية في الداخل والخارج، وإعلان العفو العام، وإطلاق كافة سجناء الرأي ودعاة الإصلاح والمعارضين السياسيين من سجون آل سعود.

وكانت أحزاب الأمة (جميعها محظورة) في ذلك الوقت والتي صنفتها دول الخليج أنها منظمات إرهابية، وكان قد اتهم حزب الأمة في بيان له النظام السعودي بمحاولة اغتيال آل مفرح أكثر من مرة في تركيا، وطالبت الرئيس التركي رجب أردوغان بتوفير الحماية له.

توفي  (محمد آل مفرح) في ظروف غامضة في مدينة اسطنبول، بعد أن خضع للرعاية الطبية وتم إجراء فحوصات عديدة لمعرفة أسباب العارض الصحي المفاجئ الذي لحق بالشيخ والذي ما زالت أسبابه مجهولة، وجاء تصريح الدكتور حاكم المطيري كأول تفسير لوفاته، خاصة بعد تعرض الشيخ محمد آل مفرح إلى عدة محاولات اغتيال خلال عام واحد.

وقد أفصح الدكتور حاكم المطيري رئيس حزب الأمة الكويتي وقتها أن الشيخ محمد آل مفرح تعرض لعملية اغتيال من قبل أجهزة وصفها بالآثمة والغادرة، وهو الأمر الذي فسّره مراقبون بأنها إشارة واضحة لتورط جهاز الاستخبارات السعودية، في اغتيال الشيخ آل مفرح باعتباره أحد أبرز قادة المعارضة السعودية. وأضاف المطيري حينها أن الشيخ محمد كان قد أخبره قبل ثلاثة أشهر من وفاته أن هناك محاولات حثيثة للوصول إليه واستدراجه للعودة إلى السعودية عن طريق ترغيبه بعرض أموال طائلة عليه مع إعادة حقوقه المالية التي سلبتها السلطات السعودية إلا أنه رفض كل هذا، وهو ما أدى إلى استهدافه وتصفيته بالسم، مؤكدا أن الشيخ آل مفرح أخبرهم وهو في أيامه الأخيرة في المستشفى أن هذا المرض الذي أصابه جاء نتيجة فعل فاعل وأن من يقف وراء استهدافه هي الجهات التي حاولت اغتياله في السابق.

المفرح
محمد المفرح

الإمام الشيعي موسي الصدر

لا تزال قضية اختفاء الإمام الشيعي اللبناني موسى الصدر من دون نهاية بعد مرور 38 عاما، على الرغم من الجهود التي بُذلت بعد سقوط نظام القذافي بالتنسيق مع لبنان، إلا أن حالة الفوضى العارمة والانقسام والتقاتل التي تشهدها ليبيا أعاقت كل المحاولات للكشف عن ملابسات اختفاء الصدر بشكل تام وبأدلة قطعية.

كانت البداية عندما وصل الامام موسي الصدر في زيارة له إلى ليبيا في 25اغسطس/أب عام 1978 للمشاركة في احتفالات “ثورة الفاتح من سبتمبر”، التي أوصلت القذافي إلى السلطة عام 1969، بصحبة الشيخ محمد يعقوب والصحفي عباس بدر الدين، وتمت استضافتهم في فندق الشاطئ بطرابلس، وشوهد الصدر ورفيقاه لآخر مرة

وبحسب ما قاله محمد بلقاسم الزوى الذي كان يتولى رئاسة مؤتمر الشعب العام وأطلق سراحه من السجن في هذه الفترة أنه ” اتصل بالتلفزيون الليبي وطالبهم بعمل تغطية خاصة للإمام موسي الصدر وإجراء حوارات موسعة، وبالفعل بعد الاحتفال ذهب فريق العمل للفندق، ولكن إدارة الفندق أبلغوهم بأنه غادر، وحينها خرجت تصريحات عن اختفاء الإمام بشكل مفاجئ.

وفي المقابل أدلى محمد إسماعيل مستشار نجل القذافي سيف الإسلام بتصريح مدو لصحيفة “نيويورك تايمز” وقتها عندما قال فيه إن الإمام موسى الصدر قتل بعد مشادة مع العقيد القذافي وأن جثته ألقيت في البحر، وإن السلطات الليبية كذبت حين قالت إنه غادر ليبيا.

وأضاف أن عبد السلام جلود، الذي كان يعرف بالرجل الثاني في النظام الليبي بعد القذافي لفترة طويلة والمقيم في إيطاليا، هو المسؤول عن عملية الإخفاء.

وأعلنت السلطات الليبية حينها أن الصدر ورفيقيه غادروا طرابلس مساء 31 أغسطس/آب على متن رحلة للخطوط الإيطالية متوجهة إلى روما، لكن السلطات الإيطالية عثرت فيما بعد على حقائب الصدر والشيخ يعقوب في فندق “هوليداي إن” بروما

وانتهت تحقيقات القضاء الإيطالي إلى قرار من المدعي العام في روما عام 1979 بحفظ القضية بعد أن تأكد أن الصدر ورفيقيه لم يدخلوا إلى الأراضي الإيطالية، واغلقت القضية وسرّ اختفاء الصدر ما زال  مجهول.

الصدر
الصدر

 

وزبر الخارجية الليبي منصور الكيخيا 

منصور الكيخيا دبلوماسي ليبي وسياسي بارزا من الطراز الرفيع ولد عام 1931، حصل على شهادته الثانوية من مدينة حلوان بالقاهرة عام 1950ثم درس القانون بكلية الحقوق بجامعة القاهرة وتخرج منها عام 1954 ودرس القانون في جامعة السوربون في باريس، تدرج في مناصب رسمية مهمة في السلك الدبلوماسي، فقد شغل منصب الملحق السياسي في السفارة الليبية في باريس عام 1962وفي الجزائر عام 1963ثم عُيّن قنصل عاما في جنيف بسويسرا في ديسمبر عام 1969ثم وزيرا للخارجية عام 1972

وعيّن في منصب الممثل الدائم لليبيا في الأمم المتحدة بين أعوام 1975 و1980، ثم استقال بعد ذلك وانضم إلى صفوف المعارضة الليبية لنظام القذافي وكان دائم الاحتجاج على سياسات التصفية الجسدية، التي يمارسها النظام الليبي آنذاك عبر اللجان الثورية، إضافة إلى احتجاجه على مقتل زملائه من قيادات البعث.

انتخب منصور الكيخيا أمينا عاما للتحالف الوطني الليبي المعارض الذي أسسه عام 1986، وأرسى قواعد للحوار الديمقراطي للمعارضة الوطنية، ودعاها إلى تنسيق جهودها وتقسيم الأدوار فيما بينها لمواجهة النظام وعقد ميثاق وحدة المعارضة مع الدكتور محمد المجدريف لوضع تصور ناضج وآليات موحدة لعمل المعارضة  الأمر الذي أزعج نظام القذافي الذي تخوف من الدور الفاعل للكيخيا ونتائجه محليا وعربيا ودوليا، فبدأ يخطط لخطفه ، وفي ديسمبر /كانون الأول عام 1993اختفى الكيخيا في ظروف غامضة أثناء مشاركته في اجتماع مجلس أمناء المنظمة العربية لحقوق الإنسان بفندق السفير بالقاهرة ولم يظهر له أثر

منصور كيخيا
صورة منصور كيخيا بجوار صورة القذافي

تركي بن سلطان ضحية الغدر

عرضت قناة بي بي سي فيلم وثائقي استعرض فيه حادثة خطف الأمير السعودي تركي بن سلطان في الأول من شباط/ فبراير عام 2016 مع عشرين شخصاً من المقربين منه والذين هم بغالبيتهم من دول غربية.
ويعرض الوثائقي شهادة اثنين من هؤلاء وهما يصفان اللحظة التي اكتشفا فيها أن الطائرة التي كانوا على متنها لم تحطّ في القاهرة كما كان مفترضاً بل حوّلت مسارها إلى الرياض.
ووصف شاهدا العيان الأمير سلطان وهو يصرخ ويتعارك مع عدد من الأشخاص على متن الطائرة السعودية الذين أظهروا أسلحة كانت مخبأة بهدف إخضاعه والسيطرة على الركاب الآخرين أثناء هبوط الطائرة.
ويتابع شاهدا العيان أنه لدى هبوط الطائرة أحيطت على الفور بعشرات السيارات والعربات العسكرية كما بجنود سعوديين مدججين بالسلاح وعناصر من الشرطة، وأضافا أنه جرى سحب الأمير نحو سيارة لا تحمل أي لوحة وهو يصرخ بأفراد حاشيته ويحذرهم بأنهم كلهم مختطفون وأن عليهم إبلاغ سفارات بلادهم، ومن وقتها اختفى الأمير عن الأنظار حتى هذه اللحظة

وقدّم الوثائقي دليلاً جديداً أيضاً على عملية اختطاف سابقة تعرض لها الأمير نفسه في 2003 بناء على سجل طبي صادر عن مستشفى الملك فيصل في الرياض. ووفق هذا السجل فإنه جرى تخدير الأمير في جنيف قبل أن ينقل على متن طائرة طبية للسعودية وهو ما يؤكد ادعاءات سابقة للأمير بأنه تمّ حقنه في جانب من عنقه قبل اختطافه من قبل خمسة رجال ملثمين.

كما ينقل الوثائقي عن أحد البريطانيين الذين كانوا برفقة الأمير كيف أن السفير السعودي في جنيف وصل إلى الجناح الخاص بالأمير في فندق “انتركونتينتال” بعد ساعات من اختطافه حيث أبلغ الجميع بأن عليهم المغادرة لأن الأمير أصبح في الرياض الآن. مع العلم أن القضية التي رفعها الأمير سلطان في المحاكم السويسرية متهماً الأمير عبد العزيز بن فهد ووزير الشؤون الإسلامية صالح الشيخ بالوقوف وراء عملية اختطافه تلك لا تزال مفتوحة.

بن تركي
سلطان بن تركي

وتستمر حوادث الاختفاء المفاجئ للمعارضين والكتّاب السياسيين إلى وقتنا هذا بطرق متشابهة في التخطيط والإخراج والأسباب والمختلف الوحيد فيها هو الضحية، فمتى ينفك لغز تلك الحوادث ؟

39 total views, 6 views today