تصاعد التطرف اليميني في ألمانيا وأجواء مشحونة تجاه اللاجئين.. ما السبب؟

رغم ازدهار الاقتصاد الألماني وإمكانية الاستفادة من اللاجئين لسد النقص في اليد العاملة، يزداد حشد الرأي العام ضد اللاجئين من قبل اليمين الشعبوي الصاعد، فما الذي عكّر أجواء “سياسة الترحيب”، وما تأثير ذلك على الاندماج؟

وحسب تقرير نشره موقع مهاجر نيوز فقد شهدت ألمانيا في الفترات الأخيرة احتقانا شديدا، مفتاحه كان أحداث مدينة كيمنتس. إذ خرجت مظاهرات من اليمين المتطرف معادية للأجانب على خلفية مقتل مواطن ألماني طعنا خلال عراك مع أفراد مهاجرين. استغل التيار اليميني المتطرف الواقعة، وخرج في مظاهرات شارك فيها عدد من الحركات المعادية للأجانب وحزب “البديل من أجل ألمانيا” الشعبوي وحركة “بيغيدا” (وطنيون أوروبيون ضد أسلمة الغرب) للمطالبة برحيل الأجانب.

وبعد أحداث كيمنتس، جاءت مدينة كوتن، والتي شهدت أيضا مظاهرات من اليمين المتطرف معادية للأجانب على خلفية وفاة شاب في مدينة كوتن بولاية سكسونيا – آنهالت، إثر شجار مع أفغانيين، كان سببها سكتة قلبية حادة.

مظاهرات اليمين المتطرف، تسببت في نشر حالة كبيرة من الذعر بين اللاجئين، “شعور الخوف من القتل يلازمنا دوما، هربنا من الحرب والظروف الصعبة في بلدنا ونواجه خطر القتل على أيدي يمينيين متطرفين” يقول عبد الله أحد اللاجئين السوريين في مدينة كيمنتس.

ربما لا يخفى على أحد أن ألمانيا تحتاج إلى المزيد من الأيدي العاملة ويمكنها الاستفادة من اللاجئين لسد النقص في سوق العمل، وبالرغم من ذلك يزداد حشد الرأي العام ضد اللاجئين مع كلّ جريمة فرديّة يقوم بها بضع لاجئين هنا وهناك، وهذا ما يطرح تساؤلات حول سبب تعميم هذه الجرائم على اللاجئين وتعكير المزاج العام تجاههم، رغم إدراك غالبية الألمان وتأكيد السلطات الألمانية أن غالبية اللاجئين يسعون للاندماج وليسوا مجرمين.

يرجع بعض الخبراء  تصاعد تيار اليمين الشعبوي في ألمانيا إلى استمرار وجود الفجوة الاقتصادية بين شرق ألمانيا وغربها، إلا أن خبراء اجتماعيين يشيرون إلى أنّ سبب سخط بعض المواطنين الألمان على سياسة اللجوء لا يقتصر على الأوضاع الاقتصادية، حيث أن وجود الهوة في الوضع الاقتصادي بين شرق ألمانيا وغربها يعود إلى عشرات السنين.

ويرى المختص النفسي د.عيسى المنصور -والذي يعيش في ألمانيا منذ أكثر من ثلاثين سنة- أن تصاعد اليمين وخاصة في شرق ألمانيا يعود إلى مرحلة ما بعد الوحدة، ويضيف لمهاجر نيوز: “كان ذلك نتيجة الضغط النفسي الذي واجهه سكان شرق ألمانيا بعد الوحدة والذي كان يتعلق بأسباب اقتصادية بالدرجة الأولى”.

ويشير المنصور إلى أن ألمانيا شهدت في كلّ فترة من تاريخها ظهور بعض الحركات والأحزاب اليمينية “المتطرفة”، والتي “استغلت سخط الناس في الظروف الاقتصادية الصعبة من أجل كسب الجمهور”، مستشهداً بأن “حزب البديل تأسس قبل قدوم اللاجئين، مستغلاً الظروف بعد الأزمة الاقتصادية العالمية”.

لكن معهد الاقتصاد الألماني يشير في تقرير له إلى أنه “لا يمكن تفسير النجاح الإقليمي لحزب البديل فقط من خلال الضعف الاقتصادي” في بعض المناطق. وبرر المعهد استنتاجه بأن الحزب حصل على العديد من الأصوات في ولايات غنية في ألمانيا مثل بافاريا وبادن-فورتمبيرغ (حيث تجاوزت نسبة أصواته 10 بالمئة في انتخابات 2017)، بينما حصل على أصوات أقل في ولايات أفقر مثل شليسفيغ-هولشتاين.

ويؤيده في ذلك معهد الدراسات هانز-بوكلر، والذي أضاف أن دراساتهم تشير إلى أن “البطالة ليس لها تأثير كبير على سلوك التصويت، وإنما مشاعر الخوف”.

الخوف من منافسة اللاجئين لهم

لكن اليمين الشعبوي، متمثلاً بحزب البديل، لم يتمكّن من دخول البرلمان إلا بعد قدوم اللاجئين، ما يسبّب جدلاً واسعاً في ألمانيا حول فيما إذا كان قدوم اللاجئين هو سبب الأجواء المشحونة في ألمانيا.

ويشير معهد هانز-بوكلر ومعهد الاقتصاد الألماني إلى أن العوامل التي أدت إلى تصاعد تيار اليمين بعد قدوم اللاجئين هي “العوامل الثقافية والتاريخية والاجتماعية والنفسية والاجتماعية” بشكل أكبر من العوامل الاقتصادية.

ويرى عالم الاجتماع هولكر لانغسفيلد في حوار مع صحيفة فرانكفورته ألغماينه أن ناخبي حزب البديل هم من الذين يرون العولمة تهديداً ثقافياً واقتصادياً عليهم، لأنها تجلب منافسين لهم.

 

ويضيف الخبير الاجتماعي أن مخاوف ناخبي حزب البديل تتعلق بالمنافسة على الوظائف والشقق، وحتى المنافسة على النساء، مشيراً إلى أن بعض المناطق في شرق ألمانيا فيها نسبة الرجال أعلى من نسبة النساء، وأن “وجود بعض الشباب السوريين الوسيمين قد يسبب إزعاجاً لهم (للرجال)” على حد تعبيره.

 

ويوافقه في الرأي المتخصص بعلم الاجتماع أندرياس توتيج والذي تابع للصحيفة: “سيكون شيئاً غريباً إن لم تلعب هذه العوامل دوراً في ذلك”.

وقد يفسّر ذلك حدوث بعض الجرائم التي يكون طرفاها بعض المواطنين الألمان واللاجئين، والتي تبدأ بخلاف على فتاة أو بسبب التعرض لفتاة.

 

“التعميم نوع من الحماية الذاتية”

أما عن سبب تعميم الجرائم التي يرتكبها بضع لاجئين على اللاجئين الآخرين، يقول الخبير النفسي عيسى المنصور إن الناس العاديين يقومون بذلك كنوع من الحماية الذاتية، ويضيف: “إن التعميم هو أسلوب يعتمده الإنسان عندما يعتقد أنه يحمي به نفسه من خلال توجيه أصابع الاتهام إلى الآخرين”، مشيراً إلى أن اليمين الشعبوي يستغل هذه المشاعر ويحاول ترسيخها من خلال وسائل الإعلام.

 

ويرى الخبير الاجتماعي الألماني د.علاء الدين المفعلاني أن اليمين الشعبوي يعمل بطريقة مشابهة للمتطرفين الإسلاميين من حيث استغلال مخاوف الناس والعمل على أن يصبح أيّ مجتمع منغلقاً على نفسه، وذلك من أجل زيادة الأنصار والحصول على مزيد من الأصوات.

 

ولا يعتقد المفعلاني أن النقاش الحامي الدائر في ألمانيا سلبيّ بل يرى أن ألمانيا “لم تكن منفتحة وليبرالية أبداً كما هي عليه الآن”، مشيراً إلى أن أيّ مجتمع منفتح عليه أن يستحمل مثلاً مظاهرات اليمين المتطرف.

 

“التقاء إيجابيّ لحل المشاكل”

ويشير المفعلاني -المولود لأبوين مهاجرين- في حديث لصحيفة “نويه تسوريشه تسايتونغ” إلى أن المزاج الحالي السائد في ألمانيا هو نتيجة مجتمع مفتوح التقت فيه عدة أطراف فجأة من أجل مناقشة المسار الذي يجب أن تتخذه ألمانيا، ويذكر على سبيل المثال التقاء مواضيع الإسلام وحقوق النساء والمثلية الجنسية.

وحول الانتقادات التي تقول بأن فشل اندماج اللاجئين هو السبب في الجو الحالي، يؤكّد المسؤول في وزارة اللاجئين والاندماج في ولاية شمال الراين-ويستفاليا أن “الاندماج الآن أفضل من أيّ وقت مضى”، مشيراً إلى أن التقاء الأطراف المتناقضة هو قد يؤدي إلى إثارة بعض المواضيع من أجل حلها، ويستشهد بأن النساء المسلمات وبعض النساء الألمان أيضاً كانوا يرتدون الحجاب في الثمانينات دون أيّ مشاكل، مضيفاً بأن الحجاب لم يصبح مشكلة إلا عندما قامت المعلمات في المدرسة بارتدائه.

 

وقد أكّد مجلس خبراء المؤسسات الألمانية المعنية بشؤون الهجرة والاندماج في “مؤشر الاندماج لعام 2018” أن النزاع حول سياسة اللجوء لم يسمم مناخ الاندماج في ألمانيا مضيفاً أن هناك رغبة في التعايش، لا سيما في الأماكن التي فيها احتكاك مباشر بين السكان المحليين واللاجئين.

 

ويرى الخبير النفسي د.عيسى المنصور ضرورة تشجيع الاحتكاك بين الألمان واللاجئين من أجل أن يتعرفوا على بعضهم البعض عن قرب وهدم الأحكام المسبقة الناتجة عن عدم الاختلاط مع ثقافات أخرى، مشيراً إلى أن “غالبية الألمان الذين يهاجمون اللاجئين قد لا يكونون قد التقوا بأيّ لاجئ في حياتهم”.