مصر. المشروع الذي لا يكتمل

صلاح نجم

 

لا يمكن فهم مصر اذا فكرنا فيها كدولة … أو كشعب …أو كجغرافية …أو كسياسية ،فهي في حقيقة الامر مشروع تفرضه كل هذه العوامل مجتمعة ،وهو مشروع عظيم في طموحه وأبعاده وفلسفته لكنه غير قابل للتحقق بفعل العوامل نفسها التي فرضته ،وهذا هو مفتاح فهم تاريخها وحضارتها وواقعها .
كان من المحتم ان تزدهر الدولة المصرية القديمة وتبني اسس حضارتها لانها كانت وحدها ولأنه كان لديها الوقت والموارد والارادة ، كان هذا هو عصر الدولة القديمة التي بنت الاهرامات وأنتجت الديانة وانشات المعابد ووضعت النظام السياسي والعلاقة بين أطرافه .
في غفلة من الزمن نشأت حضارة في منتهي العنفوان بعيدة عن ضوضاء العالم التي كانت خافتة وقتها في حماية البحر والصحراء وخيرات الارض ونهر النيل .
وبعد ذلك بدا الخط البياني النازل والمستمر الي يومنا هذا بمجرد تعرضها للعالم من حولها .
هذه الحضارة التي نشأت في هذه الواحة كانت مضطرة الي ان تتاجر مع العالم وان يري العالم من حولها في تلك الجنة الكبيرة مطمعا ،ولهذا بدأت الدفاع عن نفسها ،كانت كل حروب الدولة الوسطي والحديثة دفاعية ثم هجومية للتأمين وليس للاستعمار ، فلم يستقر المصريون أبدا في الاراضي المفتوحة ،لم يحاولوا فرض ديانتهم أو نظام حكمهم أو اقتصادهم أو لغتهم ،وكان كل ما يطلبونه الامتيازات الاقتصادية التي يفرضها حق الغزو ،وضمان عدم الاعتداء .
لكن العالم لا يسير هكذا ،فعندما تمتد دولة الي خارج حدودها يتحتم عليها ان تصبح امبراطورية ،ومصر منذ ذلك الوقت مشروع امبراطورية لا يكتمل أبدا ، مشروع طموح وخطر، لا ترغب فيه كل الشعوب والدول المحيطة ولا يرغب فيه المصريون أنفسهم.
يمكننا ان نري ان صانعي الإمبراطوريات يجب ان يتميزوا بقدر غير محدود من البرود والقسوة والطمع ،وهي صفات لم تفرضها الطبيعة ولا الحاجة ولا الجغرافيا علي مصر وقت نشأت، ولَم يكتسبها المصريون كجزء من طابع قومي مميز ، وظلوا علي تلك الشخصية التي تبدو صارمة عند الحاجة لكنها لا تستطيع الاستمرار هكذا لفترة طويلة ،اذ سرعان ما تعود لها طبيعة لينة محبة للراحة وهدوء البال ، وتبدو لوحات الفراعنة علي جدران المعابد يهددون اسري الحروب أو يستعرضون الايدي والرؤؤس المقطوعة كمنشورات دعائية للترهيب ،فما اقل المذابح أو اعمال الإبادة التي سجلتها حروبهم ،بينما أباد بناة الإمبراطوريات شعوبا ومدنا بأسرها وفرضوا احكام ارهاب علي اَهلها للتمكين للمستعمرين من السيطرة ،وصاغوا فروقا طبقية واجتماعية بينهم وبين الشعوب التي تعاملوا معها ،بينما لم تفعل ذلك مصر وفِي عز توسعها عسكريا وجغرافيا ، ولهذا بينما كانت جغرافيتها تبدو احيانا كإمبراطورية ،لم يكن فعلها وتاريخها كذلك .
،تمد رقعة سيطرتها لتنكمش سريعا ويعود جنودها ومواطنوها مرة اخري الي دفء مكانهم الذي تحميه الصحراء والبحر ويغذيه النيل بشكل أبدي.
والغريب ان كل من احتل مصر من نهاية الدولة الحديثة وحتى عصرنا هذا بدا حكمه بمشروع إمبراطوري ثم لم يكمله عندما استقر في مصر ،فعلها البطالسة والرومان وحكام العرب الذين استقلوا تقريبا بمصر وقت ان تولوها والفاطميون والايوبيون والمماليك وولاة العثمانيون ومحمد علي وَعَبَد الناصر ،بداوا جميعا بالحلم الإمبراطوري ثم استراحوا الي حدود مصر التي لم تتغير منذ عشرة آلاف سنة .
تخلفت مصر تدريجيا منذ عهد الدولة الفرعونية الوسطي لانها مشروع لا يكتمل ،يبدأ وينجح وينهار،ثم يبدأ من جديد وينجح وينهار … وهكذا في دورة ابدية ،موقع وجغرافيا وتاريخ وشعب يحمل كل صفات الامبراطورية ،ولا يرغب في ذلك لا الموقع ولا الجغرافيا ولا الشعب ولا التاريخ لان الإمبراطوريات مكلفة وتحمل من يملكها جهدا مستمرا لصيانتها واستمرارها .
نقول ان المصريين اذكياء وبارعين وهي حقيقة ،وان مشكلتهم هي الاتقان ،والواقع ان مشكلتهم هي عدم إكمال ما بدأوه ،اذ سرعان ما يصيبهم الخوف أو الملل ،ثم يركنوا الي اسهل الحلول وأقلها تكلفة ،يبدأون مشروعا ثم اذا وجدوا ان نصفه يؤدي نصف المهمة ركنوا الي ذلك وتركوه علي ذلك، راضين بما لديهم حتي يفسد تماما ،فينشئوه من جديد .
لم تنجح مصر أبدا في ان تكون امبراطورية كاملة ،أو مستعمرة كاملة ،أو ديكتاتورية كاملة ،أو تنعزل تماما ،أو تنفتح تماما ،وإنما كانت دائما مشروعا لا يكتمل…
وهكذا أيضا ثوراتها وانتفاضاتها وحروبها ،وسلمها، ونموها ،وتخلفها
مشروع فقط
يبدأ قويا …ولا يكتمل …ثم يبدأ من جديد ………

مصر. المشروع الذي لا يكتمل لا يمكن فهم مصر اذا فكرنا فيها كدولة … أو كشعب …أو كجغرافية …أو كسياسية ،فهي في حقيقة الامر…

Geplaatst door Salah Negm op Woensdag 19 september 2018