هكذا أصبحت المسلسلات التركية أداة نفوذ

يؤكد السيناريست الأمريكي سِيد فيلد على قيمة الصورة في مجالي السينما وكتابة السيناريو، وله في هذا الصدد قولة شهيرة يقول فيها: “إن جلاء الصور رهين بجلاء الأفكار”. لا يمكن حصر الأبحاث التي عنيت بالصورة وقيمتها الدلالية، غير أن الباحث في هذا المجال سيصادف العديد من الأقوال التي قيلت عن الصورة، بدءا بالمثل القديم الذي يربط بين الكلمة والصورة في عبارة: صورة واحدة خير من ألف كلمة، مرورا بصاحب كتاب التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول” الفرنسي بيير بورديو الذي يؤكد أنه لا يمكننا أن نفكر بدون صور، وانتهاء برائد من منظري التواصل مارشال ماكلوهان Marshall McLuhan الذي انتهى إلى أن “الأهم في التواصل ليس الرسالة، وإنما الوسيلة التي ترسل بها الرسالة”.

والحقيقة أنها تجمع بين عناصر عدة من مكونات نموذج الفعل التواصلي لرومان جاكبسون، فقد تُختزل الصورة في صيغة الوسيلة كما يمكنها أن تنحصر في بعد الرسالة. الصور بهذا المعنى – إذن – رسالة ووسيلة، رسالة في مضمونها والغاية التي تروم قصدها، ووسيلة في التأثير أو الاتصال بالمتلقي بأقل شكل إعلامي. والصورة سينمائيا علامة دالة، تجمع من جهة بين (الدال) الذي يتمثل في الصورة الشكلية التي تقابل الصورة الصوتية في العلامة اللغوية، والمدلول الذي يختزل في الصورة الذهنية (المفهوم) لغوية كانت أم غير لغوية.

بالوقوف عند صورة تركيا في الإعلام العربي، نجدها تزاوج بين بعدين أساسيين، الأول يتمثل في دال صورة تركيا، والذي يمكن التمثيل له بمختلف الصور التي تبث عن هذا البلد، والتي تتباين من مجال لآخر، ففي المجال السينمائي مثلا، يبرز الدال في مختلف العلامات من لباس أو مأكولات، موسيقى أو طرق في التعبير عن الحب أو العيش، وغيرها من الأنساق الدلائلية من ثقافة تركيا، والتي لا يختلف مشاهد ما عن غيره فيها، أما المدلول فيبرز في مختلف التمثلات التي تنتج عن تلك العلامات التي يحكمها الاختلاف من شخص لآخر.

الأعمال التركية من وجهة نظر سينماتوغرافية تكتسي دقة متطورة في عمليات الإنتاج والإخراج والتصوير والحوار، وهو ما أهلها لكي تحصد ما زرعته من اهتمام بهذا المجال الذي تشكل فيه الصورة مادة دلالية بامتياز

في السنوات الأخيرة ظهرت صورة تركيا بشكل جلي في الإعلام العربي، من خلال المسلسلات التركية التي تبث على العديد من القنوات التلفزيونية من المحيط إلى الخليج، بالإضافة إلى الأخبار التي لها صلة بتركيا، والتي تبث في القنوات العربية عموما، الإخبارية على وجه الخصوص. في وقت مضى كانت صورة تركيا بالنسبة لنا تنحصر في الحضارة العثمانية التي وصلت لحدود المغرب الأقصى فقط، المملكة المغربية الآن. لم نكن نعرف سوى القليل عن ثقافة تركيا المادية أو غير المادية، لكن مع التطور الذي عرفته “التكنولوجيا” و”الميديا” بشكل عام أصبح المواطن العربي يعرف الكثير عن تركيا، بل تخلّل ذلك اهتمام الكثير من العرب بكل ما يتعلق بهذا البلد الذي أضحى وجهة سياحية مفضلة لدى العديد منهم.

لا يمكن أن نمر على الدور الفعال الذي خلّفته المسلسلات التركية على المواطن العربي من جهة، وعلى تركيا من جهة ثانية، والذي من البديهي أن يتباين من شخص لآخر، وبقدر ما يختزله البعض في جوانب سلبية، ففي الجانب الآخر ثمة من يراه من زاوية إيجابية، لكن على العموم يظل الانطباع الذي قد يُجمع عليه المشاهد العربي متمثلا في وجهة هذا البلد السياحية التي لم يكن لها أن ترى النور بدون الإنتاجات الدرامية من المسلسلات و الأفلام التركية.

من مسلسل “نور” الذي حصد زمن عرضه متابعة غفيرة، إلى “مسلسل وادي الذئاب” الذي شكّل مادة بصرية استطاعت أن تخلف ردود أفعال سياسية في تركيا وخارجها، وانتهاءا بمختلف المسلسلات التي تعرض تباعا في القنوات التلفزيونية العربية عموما، والمغربية على وجه الخصوص، والتي استطاعت أن تستحوذ على متابعة الأسر بشكل ملفت للنظر بالرغم من عدد حلقاتها الذي يصل لدرجة قد يذاع فيها طيلة السنة.

بالانتقال إلى مواقع التواصل الاجتماعي، يمكن للباحث أو المشاهد في هذا المجال الوقوف عند حجم المتابعة التي تتخلل عرض الانتاجات التركية على “اليوتيوب” والتي تٌبرز مدى الاهتمام البليغ للمشاهد العربي بالمنتوج التركي مدبلجا كان أم مترجما. جلي بالتذكير أن الأعمال التركية من وجهة نظر سينماتوغرافية تكتسي دقة متطورة في عمليات الإنتاج والإخراج والتصوير والحوار، وهو ما أهلها لكي تحصد ما زرعته من اهتمام بهذا المجال الذي تشكل فيه الصورة مادة دلالية بامتياز، جلاؤها رهين بجلاء الفكرة التي انطلقت منها.