اتفاقية «كامب ديفيد»..هل كانت خطيئة السادات

“أنا مستعد أن أذهب إلى القدس، وأن ألقي خطابا في الكنيست الإسرائيلي، إذا كان ذلك يمكن أن يحقن دم أولادي”.. كلمات شهيرة للرئيس الراحل محمد أنور السادات، فاجأ بها الجميع أثناء خطابه في البرلمان المصري، يوم 5 نوفمبر عام 1977، لتصبح ذلك مقدمة لـاتفاقية كامب ديفيد” التي يمر عليها اليوم 40 عاما، ولايزال يحاصرها الجدل.

فبعد صراع طويل بين مصر والاحتلال الإسرائيلي والذي انتهى بانتصارات أكتوبر عام 1973 بعد حربي “النكسة” والاستنزاف وقبلهم حرب 1956، كانت لاتزال الأوضاع على المحك، إلى أن رأى السادات توقيع اتفاقية “كامب ديفيد” لتحقيق السلام مع إسرائيل، بينما كانت الاتفاقية محل سخط وغضب عربي ومصري، لايزال يلقي بظلاله حتى الآن.

تعود بداية الاتفاقية إلى نية السادات التي أفصح عنها في خطابه أمام البرلمان المصري عام 1977، بزيارة الكيان الإسرائيلي في عقر داره، ظن البعض أنها مجرد نية، ولكنه عقد العزم وسافر إلى هناك رغم وجود رفض شعبي آنذاك، وعقد اتفاق صلح دائم مع إسرائيل.

بالفعل زار السادات “إسرائيل” في نوفمبر 1977، ثم أعقب ذلك محادثات استضافها الرئيس الأمريكي آنذاك جيمي كارتر في منتجع “كامب ديفيد” في ولاية ميرلاند في الولايات المتحدة الأمريكية، والذي نسبت على اسمه “الاتفاقية”،  وانتهت المحادثات بالتوقيع على اتفاقية بين مصر وإسرائيل في 1978، ثم وقعت بعد ذلك معاهد السلام في عام 1979.

تضمنت اتفاقية كامب ديفيد” العديد من الشروط، منها :”إنهاء حالة الحرب بين مصر وإسرائيل، والبدء في تطبيع العلاقات بين البلدين، انسحاب القوات الإسرائيلية من سيناء المحتلة بعد حرب الأيام الستة عام 1967م، مع تحديد عدد القوات المصرية الموجودة في سيناء، ونوعية السلاح المسموح حمله في هذه المنطقة”.

اشتملت الشروط أيضا على :”السماح للسفن الإسرائيلية بالعبور من خلال قناة السويس، اعتبار خليج العقبة ومضائق تيران ممرات دولية لتجنيبها الصراعات العسكرية، الدعوة إلى مباحثات بين مصر، وإسرائيل، والأردن، وممثلين عن الفلسطينيين للبحث في منح حكم ذاتي للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة”.

أعقب “كامب ديفيد” موجة معارضة شعبية وعربية، إذ قاطعت على إثرها بعض الدول العربية مصر، وعلقت عضوية “القاهرة” في الجامعة العربية ما يقارب 10 سنوات، كما استقال وزير خارجية مصر محمد إبراهيم، اعتراضا على ما وصفه حينها بـ”التنازلات الكبيرة” التي قدمها الجانب المصري دون أن يحصل على مكاسب ملموسة أو يحقق مصالح كبيرة.

تؤكد مذكرات وزير الخارجية المصري الأسبق إسماعيل فهمي، أن السادات اتخذ قرار الذهاب إلى “الكنيست الإسرائيلي” منفردا ولم يوضح تماما ما يعنيه:”كانت هذه المرة الأولى التي ينطق فيها هذه العبارة الفارقة..ولم ير أن يُعطينا فرصة التعليق على ما قاله، أو مناقشته.

يقول فهمي في مذكراته، التي أعاد نشر جزء منها الكاتب الصحفي عبد الله الإسناوي في مقال بجريدة الشروق، إن وزير الدفاع الفريق أول «عبدالغنى الجمسى» قطع الصمت المطبق من فرط الصدمة، وصاح فجأة وهو يلوح بذراعيه: «لا كنيست.. لا كنيست.. ليس هذا ضروريًا».
وينقل فهمي المشهد كما بدا هذا اليوم :” كان الجمسى من الرجال الذين يلتزمون النظام بصورة تامة، فلم يكن يتدخل فى الحديث، أو يُشعل حتى سيجارته، قبل الحصول على إذن، لكنه فى هذه اللحظة خشى أن يكون السادات يعنى ما يقول..لم ينبس أحد آخر بكلمة واحدة، ومضى السادات يتكلم فى موضوعات أخرى، وكأنه لم يسمع ما قاله وزير الدفاع على الإطلاق”.

ويقول الإسناوي معلقا على هذه الواقعة التي ذكرها إسماعيل فهمي في مذكراته :”بمثل هذه الطريقة أديرت أخطر قرارات الصراع العربى ــ الإسرائيلى، لم يكن يناسب شخصًا محترفًا فى كفاءة إسماعيل فهمى أن يتغاضى لا عن الأسلوب ولا عن المنهج.. ولا أن يغمض العين عن النتائج الوخيمة المتوقعة.. فاستقال”.

ويضيف الإسناوي في مقاله :”لنفس الأسباب استقال معه «محمد رياض» وزير الدولة للشئون الخارجية، ورغم أن الدكتور «بطرس غالى»، الذى صعد إلى قمة جهاز الخارجية المصرية فى أعقاب الاستقالتين، كان مقتنعًا بما أقدم عليه «السادات»، إلا أنه وجد نفسه عضوًا فيمن كان يسميهم بـ«عصابة الخارجية»، ولم يكن بوسع «غالى» بخلفيته الأكاديمية أن يغض الطرف، كما جاء فى مذكراته، عن الأداء الهابط لكثير من مشاهد المفاوضات”.

ونقل الإسناوي تعبيرا عن المشير الجمسي عن مفاوضات الكيلو “101” التى استبقت توقيع «كامب ديفيد» بفترة طويلة نسبيًا:«كنت أتفاوض مع وزير الخارجية الأمريكى هنرى كيسنجر.. بينما النتيجة معدة سلفًا بينه وبين الرئيس السادات».

هكذا أديرت المفاوضات المصرية الإسرائيلية، التى توجت باتفاقية «كامب ديفيد» قبل أربعين سنة تحت رعاية الرئيس الأمريكى «جيمى كارتر»، وفقا لـ”الإسناوي”، التي استشهد عليها بشهادة الوزير المستقيل «محمد إبراهيم كامل» فى كتابه «السلام الضائع»، فإن «السادات» أقدم على تنازلات جوهرية عديدة لإرضاء الرئيس الأمريكى دون اعتبار لأية مصالح مصرية.

واختتم الإسناوي مقاله بالتأكيد على أن الشهادات والوثائق متوافرة لمن يطلب الحقيقة ومعرفة ما جرى على مدى أربعة عقود، وأنه بمضي الوقت استقرت حقائق المشروع المضاد ووقعت اتفاقيات مماثلة نزعت عن العالم العربى اعتباره ومناعته، وأسس تفكيك الاقتصاد الوطنى باسم الانفتاح الاقتصادى لطبقة جديدة وظيفتها مساندة نوع معين من السلام، وأسس تفكيك نظرية الأمن القومى باسم السلام مع إسرائيل لتراجع المكانة المصرية فى محيطها وقارتها وعالمها الثالث.

وتابع :”بتصدع المشروع الوطنى لم يكن ممكنًا بناء اقتصاد قوى، رغم وعود الرخاء، ولا تأسيس ديموقراطية حقيقية تقوم على التعددية والتنافس الحزبى وفق أصول مدنية الدولة والاحتكام إلى القواعد الدستورية الحديثة، لم تكن محض مصادفة، أو سوء تقدير، حملة الاعتقالات التى شنها «السادات» فى سبتمبر (١٩٨١)، الضيق بالمعارضة اعتراف عملى بحجم التنازلات التى قدمت والاعتقالات الواسعة بدت علامة نهاية”.

ورغم مرور كل هذه العقود على توقيع الاتفاقية إلا إن الصحف الإسرائيلي لاتزال تنشر وثائق تكشف حقائق، حسبما تقول، حول ما حدث في هذه الأثناء، إذ نشرت مؤسسة يهودية في واشنطن، بحسب صحيفة تايمز أوف إسرائيل، وثائق تحوي تفاصيل حساسة حول المفاوضات التي جمعت عام 1978 رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن والرئيس المصري أنور السادات تحت الرعاية الأمريكية.

ووفقا للوثائق التي نقلتها الصحفية، فتشير إحداها إلى أن كارتر كان يسعى إلى إبرام اتفاق سلام أشمل بين إسرائيل والعالم العربي يقضي بتخلي تل أبيب لا عن شبه جزيرة سيناء وحدها بل ومعظم أراضي الضفة الغربية وغزة وهضبة الجولان أيضا.

ونقلت الوثيقة عن كارتر قوله: “القوات الإسرائيلية ستبقى هناك من أجل الدفاع عن الدولة، لا بغية حكم الفلسطينيين، وهذا بمثابة الانسحاب، ليس من ناحية مساحات الأراضي بل في الجوهر”، كما أظهرت أن إدارة كارتر كانت تعول على هذا “الانسحاب” الإسرائيلي لضمان قيام دولة فلسطينية مستقلة، لكن الدبلوماسيين الأمريكيين كانوا يصرون في الوقت ذاته على أن الوصول إلى حدود عام 1967 ليس ضروريا لإبرام اتفاقية سلام.

وأشار المسؤول إلى أن سحب إسرائيل قواتها إلى الحدود المتفق عليها كان سيشكل أساسا للمفاوضات المستقبلية مع مصر والأردن والفلسطينيين المعتدلين، وشدد وفد إسرائيل على أن بقاء قواتها في الضفة الغربية ليس مانعا لتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 والذي ينص على التعايش السلمي بين إسرائيل وجيرانها العرب مع احترام الحدود، لافتا إلى أن السادات كان قد تراجع عن طلبه بسحب القوات الإسرائيلية من كامل سيناء والضفة وغزة والجولان.

وفي ختام الاجتماع، دعا كارتر الإسرائيليين إلى إظهار مرونة أكثر في المفاوضات، مشددا على أن مصر والأردن لا يطالبان بانسحاب إسرائيل من كافة الأراضي المحتلة، حسبما نقلت الصحيفة.

مر 40 عاما ومازلت تلقي “كامب ديفيد” بظلها في الأوساط السياسية المصرية، يعتبرها البعض أنها سببا فيما تشهده سيناء من عمليات إرهابية وتراجع التنمية طوال العقود الماضية، وكذلك استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلطسينية وهضبة الجولان في سوريا.

يقول أمين إسكندر، المحلل السياسي، إن على المصريين أن يتذكروا أن كامب ديفيد هي أساس كل مصائب مصر، ولاسيما الفراغ الأمني في سيناء، واعتماد الاقتصاد المصري سياسة الخصخصة والنهج الاقتصادي الرأسمالي والانفتاح الاقتصادي وسياسات تركز الثروة والسلطة في أيدي قلة طبقةالواحد في المائة.

وتابع إسكندر، على صفحته على فيس بوك، أن “كامب ديفيد” سببا في اعتماد نهج التبعية للسياسة الأمريكية في العقود الماضية، لافتا إلى أنه لابد من مراجعة هذه الاتفاقية من أجل الحفاظ على الأمن القومي المصري وعمليات التنمية في سيناء، ومواجهة العناصر الإرهابية المنتشرة هناك، والتصدي لأي مخطط إسرائيلي ضد سيناء، بحد قوله.