رغم قراراته الأخيرة.. تظاهرات طرابلس «مستمرة» ومطالب بإقالة «السراج

وسط حزمة القرارات الأمنية التي أعلن رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الليبية، فايز السراج اتخاذها في العاصمة طرابلس، شهدت المدينة احتجاجات قوية للمتظاهرين.

ونظم عشرات المواطنين، أمس الأحد، تظاهرة في العاصمة طرابلس للمطالبة بضرورة معالجة الأوضاع المعيشية.

فيما أصدر السراج حزمة من القرارات بشأن تنفيذ ترتيبات أمنية في العاصمة الليبية طرابلس، وإطلاق سراح بعض السجناء، وتسليم مطار معيتيقة لوزارة الداخلية، كما كشف عن تعديلات وزارية مرتقبة، وفرض عقوبات جديدة.

 

تظاهرات مستمرة

 

شهدت العاصمة الليبية طرابلس مساء الأحد مسيرة حاشدة، احتجاجًا على “تردي الأوضاع الأمنية والمعيشية” وسط تهديد بتوسعها إلى “انتفاضة” ضد الميليشيات وحكومة الوفاق الليبية.

وقال شهود عيان، في تصريحات صحفية إن “المتظاهرين أكدوا إصرارهم على مواصلة الاحتجاج حتى إسقاط رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الليبية فائز السراج، وسط ترديدهم هتاف: “ارحل يا رئاسي الشعب الليبي في المآسي”.

وأكد شهود العيان أن “هذه المسيرة ستتواصل، وستتحول قريبًا إلى انتفاضة واسعة النطاق” ضد ما وصفوها بـ”حكومة الإخوان” والميليشيات.

وأعرب المتظاهرون عن “رفضهم تردي الأوضاع المعيشية في طرابلس، وعجز حكومة الوفاق الوطني عن تحقيق الاستقرار في ظل سيطرة الميليشيات على مفاصل الحكومة، وزيادة معدلات السرقة والخطف وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة”، على حد قولهم.

وطالب المتظاهرون في طرابلس، بـ”وجود جيش وشرطة قويين لإنقاذ البلاد من الجماعات المسلحة”، داعين إلى محاسبة من وصفوهم بـ”دواعش المال العام”.

وتعاني مدن المنطقة الغربية في ليبيا بشكل عام، ومدينة طرابلس بشكل خاص، من أزمة في الكهرباء وتردي الخدمات وغياب الأمن، خاصة بعد المعارك الأخيرة بين ميليشيات مسلحة في طرابلس خلفت عددًا من الضحايا.

 

وأكد مراقبون، أن “الاحتجاجات التي خرجت في أحياء طرابلس يمكن أن تتحول إلى انتفاضة شعبية شاملة ضد الأوضاع المعيشية الصعبة، وضد وجود الميليشيات المسلحة التي تسيطر على مفاصل الدولة في العاصمة الليبية”.

 

قرارات السراج

 

أعلن السراج، خلال لقاء مع عمداء بلديات، مساء الأحد، بحسب بيان لمكتبه الإعلامي، عن إخلاء سبيل كافة المحتجزين والموقوفين والمعتقلين، بالسجون والمعتقلات وأماكن الاحتجاز الأخرى، الذين تجاوزت مدد حبسهم المدة القانونية المنصوص عليها قانوناً، مستثنياً المتهمين بقضايا الإرهاب وجرائم القتل والسطو المسلح والحرابة وجلب المخدرات.

واستثنى القرار سجن قاعدة معيتيقة، الذي تقرّر أن يُشكّل له لجنة تقصٍ لأوضاع الموقوفين فيه، للتثّبت من إجراءات إيقافهم، ومدى موافقتها للتشريعات الجنائية النافذة في مدة لا تتجاوز 10 أيام.

وتضمن القرار الثاني للسراج، الإعلان عن أسماء الضباط المكلّفين برئاسة وعضوية لجنة الترتيبات الأمنية، التي ستتولّى وضع تدابير لتعزيز وقف إطلاق النار جنوب طرابلس، ووضع خطة لتأمين العاصمة.

وطالب السراج اللجنة، بوضع خطط لإحلال قوات نظامية من الجيش أو الشرطة أو الأجهزة الأمنية بحسب الاختصاص في المنشآت الحيوية، بدلاً من التشكيلات المسلحة، داعياً إلى اتخاذ الخطوات اللازمة للتواصل مع قادة التشكيلات المسلحة، لضمان الانتقال السريع إلى سلطات أمنية تقودها الدولة.

ومن مهام اللجنة؛ بحسب القرار، وضع خطة لتخزين وتخفيض الأسلحة والذخائر غير الخاضعة للرقابة وسيطرة الدولة في طرابلس، لا سيما الأسلحة الثقيلة والمتوسطة.

ومنح السراج اللجنة، بعد التواصل مع الحكومة، صلاحية طلب المساعدة الدولية اللازمة لوضع وتطبيق الترتيبات الأمنية.

وتأتي هذه القرارات بعدما شهدت طرابلس، خلال الفترة الأخيرة، اشتباكات بين مجموعات مسلحة متنافسة على النفوذ ونقاط التمركز بالعاصمة، قبل أن تتوقف بتدخل أممي، أسفر عن إعلان وقف لإطلاق النار في 4 سبتمبر/أيلول الجاري.

وطالب السراج، في قراره الثالث، وزير الداخلية في حكومة “الوفاق الوطني” عبد السلام عاشور، باستلام مطار معيتيقة الذي تؤمّنه حالياً “قوة الردع الخاصة”، وتشكيل قوة شرطة نظامية تسند إليها مهمة تأمين وحماية منفذ المطار.

وكانت حركة الملاحة الجوية قد توقفت في مطار معيتيقة الدولي، الأسبوع الماضي، إثر سقوط قذائف عشوائية على المطار، في خرق للهدنة التي أشرفت عليها بعثة الأمم المتحدة في ليبيا بين مجموعات مسلحة في الضواحي الجنوبية لطرابلس.

وفي سياق منفصل، أعلن السراج، عن إجراء تعديلات وزارية بالحكومة، وتعيين قيادات جديدة للمناصب العسكرية والأمنية العليا، خلال الأيام القليلة المقبلة، من دون أن يذكر موعداً محدداً.

وقال إنّ الحكومة “تتوخى، في تعديلاتها المقبلة، الكفاءة والقرب من الحدث حتى نتمكّن من التفاعل بشكل إيجابي مع الأحداث والاستفادة من الدروس الموجودة”، مقرّاً “بوجود ضعف في بعض القطعات الحكومية، وبعض الوزراء، ويجب الاعتراف بذلك”.

وخلال استعراضه مع عمداء البلديات للوضع السياسي والأمني الراهن في ليبيا، أكد السراج على مضيه في تنفيذ الترتيبات الأمنية، ومساعيه لاحتواء التشكيلات المسلحة في مؤسسات أمنية وعسكرية.
وأوضح أنّ الكلية العسكرية ستستقبل، في أكتوبر المقبل، أولى دفعات عناصر التشكيلات المسلحة الراغبة في التدريب، في إطار الترتيبات الأمنية، ووفق خطة تدريبية عملية، لاستيعاب عناصر التشكيلات المسلحة في المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، بشكل قانوني واحترافي، مشيراً إلى أنّ هذه العملية ستبدأ من طرابلس العاصمة أولاً، ثم تمتد إلى مختلف المدن الليبية.

وأشار السراج إلى “وجود أطراف تستخدم المسلحين على الأرض لفرض مصالحهم”، كاشفاً عن قرب صدور “قائمة عقوبات تتضمن أسماء شخصيات ليبية”، من دون أن يحدد الشخصيات المستهدفة بالعقوبات، وما إذا كانت العقوبات ستصدر عن جهة قضائية محلية أو دولية.

وأكد أنّ “الفرص المتاحة أمام المعرقلين بدأت تصغر شيئاً فشيئاً”، خاتماً بالقول إنّ “المشهد القادم سيكون مغايراً لما كان عليه خلال الفترة الماضية”.

اشتباكات طرابلس

 

وأدت الاشتباكات بين الجماعات المسلحة المتناحرة في طرابلس إلى إعلان الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة حالة الطوارئ.

وتسيطر الحكومة التي تدعمها الأمم المتحدة على طرابلس نظريا، بينما تسيطر الجماعات المسلحة فعليا على أغلب مناطق البلاد.

وقد اندلع العنف في البلاد، حين هاجمت جماعة مسلحة من مدينة تقع إلى الجنوب من طرابلس مناطق جنوبية بالعاصمة، وهو ما أدى إلى قتال مع جماعة مسلحة محلية مؤيدة لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا

ووصفت حكومة الوفاق الوطني تلك الاشتباكات بأنها “محاولة لعرقلة الانتقال السياسي السلمي” في البلاد، مضيفة أنها “لا يمكنها البقاء صامتة، إزاء الهجمات على طرابلس وضواحيها، التي تمثل انتهاكا لأمن العاصمة وسلامة المواطنين”.

ميلشيات الوفاق

من جانبه قال إبراهيم بلقاسم، سياسي ليبي إن ما يحدث في طرابلس عبارة عن اشتباكات مسلحة بين مليشيات كلها تتبع حكومة الوفاق الوطنية، برئاسة فايز السراج.

وأضاف لـ “مصر العربية” أن عدد القتلى تجاوز الخمسين قتيلًا إلى الآن، وقابلة للزيادة.

وأكد أن رغم الإدانات الدولية لأحداث طرابلس من الأمين العام للأمم المتحدة، وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وأمريكا، إلا أن هناك أياد دولية تلعب في الخفاء.

بلقاسم بين أن إيطاليا تدعم الاشتباكات المندلعة في طرابلس حاليًا، مؤكدا في الوقت نفسه أن حكومة الوفاق الليبية طرف أصيل في الصراع الدائر.

وعن الأسباب التي دفعت إيطاليا وحكومة الوفاق لخلق حالة من الفوضى في طرابلس، قال السياسي الليبي، أن الهدف واضح والمتمثل في محاولة تعطيل الانتخابات.

ولخص بلقاسم في نهاية حديثه ما يحدث في طرابلس في جملة مفاداها: “رئيس المجلس الرئاسي ارتقى إلى رتبة زعيم مليشيا، وأصبح يحرك أطراف النزاع لصالح بقاءه في منصبه”.

وفر نحو 400 سجين من سجن بالقرب من العاصمة الليبية طرابلس، وسط اشتباكات عنيفة بين جماعات مسلحة بالمدينة، بحسب الشرطة.

وأوضحت الشرطة أن “المعتقلين تمكنوا من فتح الأبواب بالقوة ومغادرة” سجن عين زارة.

ونقلت وكالة فرانس برس للأنباء عن الشرطة قولها إن حراس السجن، خشية على حياتهم، لم يتمكنوا من منع الحادث.

وأدت الاشتباكات بين الجماعات المسلحة المتناحرة في طرابلس إلى إعلان الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة حالة الطوارئ.

والكثيرون من السجناء، المحتجزين في سجن عين زارة جنوبي شرق طرابلس، مؤيدون للزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، حسبما تفيد تقارير، وأدينوا بالقتل خلال الانتفاضة ضد نظام حكمه في عام 2011.

وتعاني ليبيا من فوضى مستمرة منذ أن أطاحت جماعات مسلحة مدعومة من حلف شمال الأطلسي (ناتو) بنظام العقيد الراحل معمر القذافي في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2011.