كنكة بن

عمر طاهر

 

أحاول أن أكتب مقال اليوم، لكن هناك «تهنيجة» ما أحاول أن أفكها؛ فضاعفت كمية البن التى يجب أن أضعها فى الكنكة لفنجان الصباح

فى انتظار «الفوران»، فوران البن وفوران أى فكرة يمكن أن أفتح كلاما فيها معك عزيزى القارئ.. قلّبت فى الراديو، أحب البيوت التى تضع راديو فى المطبخ، فهذا يساعد على أن تخرج منها الأشياء معجونة بالونس والمزاج حتى لو كان «طاجن فول إسكندرانى».

على أضعف درجة فى النار تسمح للقهوة أن تنضج كما يجب كنت أقف أراقب الموقف، فى محطة مجهولة كان عمر خيرت يلعب توزيعا جديدا لـ«لأ مش أنا اللى أبكى»، يسهل تمييز مزيكا خيرت بعد سنوات وضعها كثيرون فى كل مكان من إعلانات التليفزيون إلى الأسانسيرات مرورا بمداخل الفنادق وموسيقى الانتظار عند الاتصال بخدمة العملاء، تغلغلت وجهة نظره فى الموسيقى بداخلنا وصارت «حتة مننا».

لكننى توقفت عند وجهة نظر الشاعر «حسين السيد» بخصوص «إنه مش هو اللى يبكى»، كان يعتقد أنه امتياز، لكنها لعنة.

فى الطفولة كانوا يحذروننا بخشونة «ما تبكيش زى البنات»، فعلموا الواحد أن يحرم نفسه من حق طبيعى، تصريفة منحها لك الله رحمة بك، ولكن- بقلة خبرة- شمّع الواحد مسامها عملًا بتوجيه الأهالى، رأيت أبى طوال حياتى يبكى مرتين، لم أره، ولكن للدقة ضبطته يفعلها فى صمت مختليا بنفسه عقب وفاة شقيقه وابن عمه، ومن كثرة ما تمرن الواحد على ضبط نفسه صار يتماسك فى المواقف الثقيلة الصعبة، ثم ينهار تماما فى موقف تافه لكنها تفاهة القشة المدببة التى تثقب «بالونة» كان يخبئ الواحد فيها دموعه منذ فترة.

أفكر أن أكتب لك عن أشياء كثيرة، عن الظروف الاقتصادية المرهقة التى نعيشها، ولكننى صرت أشعر بحرج من كثرة فتح هذا الموضوع، لم تعد هناك فائدة من الكلام حول أن الفلوس فى مصر أصبحت «مهزأة»، وأن الحكومة من أجل أن «توسع» على نفسها «ضيقت» على الناس، وخلاص وقعنا فى «الخية» وتعقدت خيوطها.

كانت مزيكا خيرت قد انتهت، ودخل المذيع يعلن أنها السابعة صباحا، بدأ وش القهوة يتحرك قليلا ودخلت الست تصبح بـ«يا صباح الخير يا للى معانا»، اقتنص بيرم التونسى مفتاح بدايات اليوم كما نفضلها نحن فى هذا البلد (يا هناه اللى يفوق من نومه.. قاصد ربه وناسى همومه) نحن المصريين خلطة الهموم والعشم فى الله، أفكر أن أكتب لك عن هذا العشم لكنه سر لا يمكن فضحه، مثلما نؤمن هنا بالبركة نؤمن بأن هناك حاجات الكلام فيها «بيقل البركة»، وهذا ما يجعلنى «ما باجيبش معاك سيرة» محمد صلاح خوفا على الحاجة الحلوة «اللى حيلتنا»، «الحيلة» حرفيا، لدرجة أن هذا البلد من الممكن أن يعيش على شيئين فقط الأفران «خبازين النعمة» وطلة هذا الولد «اللى مابنسمعش حسه». صببت القهوة وقربتها من أنفى فى محاولة للإمساك بأول خيوط اليقظة والبهجة فى هذا النهار، فى الخلفية كان محمد فوزى قد بدأ يطلب أن «طير بينا يا قلبى»، أستئذنك عزيزى سأطير معهم، وسامحنى لم يكن لدىّ اليوم شىء مهم أقوله لك، ربما فى المرة القادمة.